"كُفِّي القِتالَ وَفُكِّي قَيْدَ أَسراكِ
يَكفيكِ ما فَعَلَتْ بِالنّاسِ عَيْناكِ"
"ما أَتْقَنَ السِّحْرَ كالعَيْنَيْنِ مِن أَحَدٍ
وَسِوى العُيونِ فَما سَهْمٌ بِفَتّاكِ"
"وَأَنْتِ ما أَنْتِ ما هذا الَّذي صَنَعَتْ
عَيْناكِ بِالعِشْقِ ضَاعَ العِشْقُ لَوْلاكِ"
المتتبع لآثار الشعر العربي سيجد الغالب فيها وصف العيون ولا عجب فالعين مرآة الروح وشاشة العرض الرئيسية لمجمل الكينونة والحواس فهي لسانها الناطق مشاهدةً وعرضاً كجهاز إسقاط الشخصية فيها.. وإن كان هذا البيت الشعري الرائع من روائع الأدب لبشار بن برد حين يقول:
"يا قومي إذني لبعض الحي عاشقةٌ**والأذن تعشق قبل العين أحيانا "
فهو اعتراف ضمني بأن العين هي التي تعشق وتفتن وتهيم ولكن قد يحصل استثناءات في حالات للأذن مثلاً نيابةً عن العين، فكلمة أحيانا تعبر عن حالة عشق العين الدائمة ولكن ظرف الشاعر الذي وضع فيه وكان أعمى فاقد البصر ماجعله يركز على الأذن…
فبشار بن برد كان في مجلس غناء، يرد على مغنية وهي تردد أبيات لجرير من أجمل ما قيل في العيون:
إنّ العيون التي في طرفها حور.. قتلننا ثم لم يحيين قتلانا.. يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به.. وهن أضعف خلق الله أركانا
إِنَّ العُيونَ الَّتي في طَرفِها حَوَرٌ**قَتَلنَنا ثُمَّ لَم يُحيِينَ قَتلانا
يَصرَعنَ ذا اللُبَّ حَتّى لا حِراكَ بِهِ**وَهُنَّ أَضعَفُ خَلقِ اللَهِ أَركانا
ومع أن السمع والبصر والفؤاد بذات القيمة ولكن لابد من أسبقية وأولوية لشيء وهي العين…بتجليها الجمالي والاستعراضي لكل الشخصية والحواس، فإن كان لدينا جهاز ناطق ذكي أفلا نحلم بالصورة؟ العين هي الصورة واللغة الناطقة بحال الإنسان.
وبإلقاء نظرة على قصائد الشعر العربي سنجد أن وصف العيون هو الغالب بل ليكاد الوصف يتنافس بجماله تلقائياً دون مقصد… فهذه الساحة العظيمة والجليلة والجميلة للشعراء هي مهبط كلماتهم ومطار أجنحتهم حين ينطلقون في عالم الوصف… ليرميهم سهم من رمش الحبيب يعيدهم لحواسهم الخمسة.
فعندنا من جميل الشعر وعيون الشعر العربي ما يخلب الألباب فكيف إذا كان بوصف العيون؟
وعندنا شاعر فتنته العيون وأردته شعراً وبلاغةً وجميل وصف.. ففتن قلوب القصائد و حاكى من قبله من الشعراء.. يسبي عيون أشعارهم، يعارضهم بجميل محبة.. يتفاعل معهم.. يحضرهم من جديد إلى ساحة الأدب في هذا العصر لنتعرف إليهم أكثر… وهذا الشاعر الملهم الهمام صديق عنترة ومؤنس قيس وحكيم المتنبي ودلال الشاب الظريف وتمرد نزار وروح كل الأفكار الجميلة في الشعر سنخصص له جولة في قصائده ونرى كيف رأى العيون، ولكن بدايةً نلقي نظرة كيف قرأ الشعر العربي العيون.
كيف قرأ الشعر العربي العيون؟ دراسة في أدب العيون:
قرأ الشعر العربي العيون من خلال تمثيلها لغةً بليغة تعبّر عن المشاعر والأفكار، حيث اعتبرها مفتاحاً يكشف ما في القلب، ووسيلة للتعبير عن الحب أو الأحقاد. تباينت صور العيون في الشعر العربي، فمنها ما يصفها بالسحر والجمال الخارق الذي يقتل العاشقين، ومنها ما يشبه عيون المرأة بالأسلحة الفتاكة أو البحر، وأخرى يصف سحر عيونها العسلية أو الزرقاء أو الحوراء.
"وَالعَينُ تَعلَمُ مِن عَينَي مُحدِّثِها**إِن كانَ مِن حِزبِها أَو مَن أعاديها"
"عَيناكَ قَد دَلَّتا عَيناي مِنكَ عَلى**أَشياءَ لَولاهُما ما كُنتَ تُبديها" - علي بن أبي طالب
"ما أتقن السحر كالعينين من أحدٍ**وسوى العيون فما سهم بِفتّاك" - مازن الشريف
"مَتى تَكُ في صَديقٍ أَو عَدُوٍّ**تُخَبِّركَ الوُجوهُ عَنِ القُلوبِ" - زهير بن أبي سلمى.
فهذ كلها تعبيرات عن العيون سواء العيون الساحرة؛ الغامضة التي تسحر وتخفي أسراراً وتكشف، أوالمُتعبة القاتلة حيث تغدو سلاحاً قاتلاً، كالسيف الذي يقتل القلوب حيناً وكالسهام والنبال الصائبة التي تفتك بالمنظور إليه، كما يشكو الشاعر من خلالها من ألم الحب ونشوة اللقاء:
"وقفت تعذبني بسحر جمالها ** ورنت إليّ بقاتلاتِ نبالها" - مازن الشريف
"قد أرسلت للصبّ لحظاً قاتلاً ** والموت أدنى ما يُنال وأقرب" - مازن الشريف
"والسّيفُ في الغمدِ لا تُخشى مضاربهُ ** و سيف عينيكِ في الحالينِ بتّار" - إدريس جمّاع
"هي كالطلاسمِ لا يفكُّ رموزَها ** إلا خبيرٌ في الهوى لمّاحُ" - عبد الناصر عليوي العبيدي
"نظرتْ فأقصدتِ الفؤادَ بسهمها ** ثم انثنَتْ نَحْوِي فكِدتُ أهيم
ويْلاهُ إنْ نَظَرتْ وإن هِيَ أعْرضت ** وقعُ السِّهام ونَزْعُهُنَّ أليم
ولمَا دَهَتْنِي دون عيني عينُها ** لكنَّ غِبَّ النظرتيْن وخيم" - ابن الرّومي
"وسلّتْ حساماً من سواجي جفونها ** كسيْفِ أبيها القاطع المرهفِ الحدّ
تُقاتلُ عيناها به وَهْوَ مُغمدٌ ** ومنْ عجبٍ أن يقطع السيفُ في الغمد" - عنترة بن شداد
العيون والحب في شعر مازن الشريف:
السحر ما أتقن سحره وصنعه إلا في العيون، وليس هناك من سهم قاتل وفتّاك إلا سهم العيون! والليل المتضرع بالتهليل مسكنه فقط في مقل العيون. سواد المقل هي قلب الليل الباكي! والعين تصنع المعجزات والعشق كله لولا العيون ضاع وما كان! العين التي تفعل الأفاعيل في الناس حين ترسل من نظراتها أسهماً، فمن تصيبه بسهامها يمسّه داء الهوى ويصيح أهواك يا عيون:
"كفّي القتال وفكّي قيد أسراك ** يكفيكِ ما فعلت بالناس عيناكِ "
"ما أتقن السحر كالعينين من أحدٍ ** وسوى العيون فما سهم بِفتّاكِ"
"والليل مبتهلٌ في مقلتيك فماذاك السواد ** سوى قلب الدجى الباكي"
"وأنتِ ما أنتِ ما هذا الذي صنعتْ ** عيناك بالعشق ضاع العشق لولاكِ"
"عيناك قد أرسلت في الناس أسهمها ** فكلّ صبٍّ بها قد قال أهواكِ"
وهذه الأبيات المذهلة من قصيدة "عيناك" للشاعر مازن الشريف يعارض بها قصيدة لصفي الدين الحلي، وقد استرسل بنهر من الجمال عن سحر العيون.
أبيات صفي الدين الحلي:
"كفّي القتال وفكّي قيد أسراك ** يكفيكِ ما فعلت بالناس عيناك"
"كلت لحاظـك مما قـد فتكت بنا ** فمن ترى في دمِ العشاق أفتاكِ"
هذه هي العيون وهذا سحرالعيون وبنظرة مستقرئه للأبيات عند الحلي والشريف نجد القاسم المشترك بينهما جمال الوصف وبلاغة التشبيه، وتكامليّة المعنى، فإن كانت العيون عند الشاعر صفي الدين تفتك وتقتل متسائلة عمّن وهبها صفة الإفتاء بالقتل فإنها عند الشريف تصيب وتحيي وكأن الحياة ذاتها أفتتها بالقدرة على جعل المصابين عشاق أحياء ينبضون بالهوى!
للحقيقة الصور بالغة الجمال عن الشاعرين.. ومن روائع الأدب ووصف العيون.. أبيات اختصرت ليس فقط جمال العيون بل جمال اللغة العربية وسحرها وبيانها. فماذا عسانا أن نقارن ونقول.. لا مجال للمقارنة بل استعراض جميل وتبيين لروعة شعر شاعر اسمه مازن الشريف، تشبّب بالعيون ووضعها عيناً وتاجاً على عيون قصائده، فكان امتداد لكل شاعرٍ فصيحٍ استلّ الحرف جمالاً وإبداعاً، وعبّر بما خفي عن عيون الشعراء قبله، فكان إضافة واستزادة وروعة وسحر وانطلاقة كالعيون من العيون.
هو القائل باختصار في قصيدة موّال معترفاً بأنه موال غناه الحب لعين الحبيبة:
"إني يا طفلتي موال.. غناه الحب لعينيكِ".
وهو المعبّر بدمع العيون في قصيدته وانصرف أنّ لا شيء يبكيه ولكن لأجل الحبيبة دمع عينه لا يتوقف فهي مصدر اغتراف السحر:
"أنا لست أبكي لأجل شيء مطلقاً ** لكن لأجلك دمع عيني لن يجف"
"يا صبوتي يا ألف ألف أحبك ** يا للعيون وكم لسحرها أغترف"
ومطلق القيمة للحب والعين في لغة الشاعر مازن الشريف في هذا البيت:
"ليتني الدمع في جفون حبيب ** دامع العين مطرقٍ في انشغال"
وفي قصيدة أحسّكِ تغدو العين عند الشاعر مازن الشريف هي بلسم جرحه، فيالطيبها وسعة امتدادها! فالحبيب مع تواصل دائم مع الحبيبة، يراها في كل نظر، والقلب يغدو أجمل وأنضر في عينيّ الحبيبة، ودمع الحبيب المغزار سيدعو الجميلات لكي ترحمه، وتدفنه بعينيها، حينها يهنأ بالسكون:
"جريحَ وعيناك للجرح بلسم.. فيا طيب تلك الشطوط البعيدة"
أحسك في نظرتي حين أنظر.. وفي حسن تلك الورود الجميلة"
"بعينيك ذا القلب أبهى وأنضر.. ويسكب فيه الهوى سلسبيله"
"سيدعو الغِياد لكي ترحميني.. ودمعٌ غزا مقلتي والجفون"
"ويحثو الغراب عسى تدفينني.. بعينيكِ يغمرُ روحي السكون"
وكيف لا؟! والعين مكرّمة… الأعين لغة ناطقة باسم الكائن كله أياً كان… أحياناً لا نفهم على طائر أو حيوان؛ ننظر بعينيه نشعر أنه يحدّثنا بهما؛ فكيف عن الإنسان الناطق وعيونه المعبّرة بإشاراتها عمّا يخبّئه، بل لتكاد تظهر صفاته ومشاعره من خلال العين وحركة هذه العين، لمن يفهم ويتبصّر! ِوماذا عن عيون المرأة ذاك الكائن الجميل إذ هي مركز جمال العالم بعيونها تجذب العاشق والمشتاق والهائم والعالم والباحث.. هي مركز المعجزات لله في الخلق. أعظم جهاز عضوي وجمالي وإبداعي وخلقي وحسّي وإدراكي.
يقول الشاعر مازن الشريف:
"أَمَا الْعُيُونُ وَقَدْ جَرِّبْتُ خَمْرَتَهَا.. سُكْرٌ مِنَ الْغَيْبِ إِعْجَازًا وَإِمْكَانَا"
وللشاعر عبد الناصر عليوي العبيدي أبيات جميلة في العيون:
"عيناكِ أُحْجيةٌ مُثيرٌ حلّها.. بحرٌ من الأسرارِ و الألغازِ
في منطقِ العشّاقِ كانت حُجة.. لتكونَ كالآياتِ في الإعجازِ
تًسْبِي قلوبَ الناظرينَ بنظرةٍ.. تحتلُّهمْ فوراً كجيشٍ غازي"
العيون في لغة القرآن الكريم:
جاء في القرآن الكريم ذكر العيون بأكثر من موضع أو معنى ومنها على سبيل المثال :
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ﴿ الآية ٤ – سورة الحجر﴾
وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ ﴿ الآية ٣٤ – سورة يس ﴾
كما وردت بلفظ عين أيضا ، ومنها على سبيل المثال:
حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ﴿ الآية ٨٦ – سورة الكهف ﴾
وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ ﴿ الآية ٩ – سورة القصص ﴾
وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ ﴿ الآية ١٢ – سورة سبأ ﴾
كَذَٰلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ ﴿ الآية ٥٤ – سورة الدخان ﴾
من خلال ما ورد نجد أنّ للعيون في وصفها وتموضعها أغراض كثيرة وهذا يدل على شموليّة مصطلح العين، من حيث المقصد أو الدلالة و التشبية أو الكناية. فهناك العين الحسية الماديّة العضوية، وهناك العين التشبيهية المعنوية… وهناك الترميزية الإشارية، لسنا بوارد فقه العيون ومصطلح العين تفصيلياً ولكن لابد من المرور والارتكاز على بلاغة ما ورد من ذكر حول هذا العنوان العظيم في كتاب رب العالمين.
إذ أنّ ذكر كلمة عين لوحده يوحي بالنقاء والإصابة والارتكاز والجمال والنقاء، بل والحياة.
أما عن العيون في الشعر فهذا مقصدنا ولا عيون في الشعر من دون المرأة، و عيون المرأة عين الشعر والغزل والجمال.
فماذا قيل في عيون المرأة؟
"إذا عدمت المرأة جمال الأسنان ضحكت بعينيها"- شيكسبير
"في ابتسامة المرأة عظمة الحياة وجمالها ، وفي عينيها دهاؤها وعمقها" - طاغور
"تستطيع أن تقرأ قصة المرأة فى عينيها" - توماس مور
"لعين المرأة بريقاً يخترق حجب الخيال بأشعته تارة ، ويلقى إيحاءات الخلود المنتظرة تارة أخرى" - مصطفى صادق الرافعى
"عندما تتحدث إلى امرأة أنصت إلى ماتقوله عينيها " - فيكتور هوجو
💐💐
وإلى الشاعر مازن الشريف - موضوع دراستنا- والعيون عنده التي توقظ الأموات وتبعثر نظام الخليقة ولكن بفتنتها وجمالها، تأخذ بالألباب وتخترق النهى والعقول:
"عيناك قد أيقظتا الأموات.. والأصوات والحمام.. عيناك قد بعثرتا النظام.. عيناك أحلامي التي ضيعتها.. أواه من عينيك والأحلام.. دعيني يا سيدتي أنام.. دعيني يا سيدتي أنام"
هذه هي العيون عند الشاعر مازن الشريف، هي الأحلام الضائعة، فأواهٍ منها! أنّى لها أن تدع ينام! لا لن ينام عنها ويترك سحر العيون بل سيخط من جمالها أحلى القلائد من درر القصائد:
"ولحظك ليس يجهل جرح قلبي.. ويعلم ما يعن وما يرام"
"تنام بعين قلبها يا حنين.. وعين الصب تسهر لا تنام"
"ويسكرني الخيال بمحض حلم.. فلا خمر هناك ولا مدام"
"سوى عينين من ألقٍ جميلٍ.. وهمس يستلذ به الهيام"
"ويهزأ بي المنام إذا صحوت.. فلا قرّت عيونك يا منام"
اللحظ واعٍ يدرك جرح القلب، والحنين ينام بعين قلب المحبوبة في حين أن الصبّ يسهر ولا يقدر أن ينام، ولا خمر أو مدام إلا بعينين متألّقتين تصنعان الحلم وتُسكران مع همسٍ في الخيال. فلا قرّت وهدأت عيونك يا منام إذ تهزأ بي لو صحوتُ.
الصور التجريدية نجدها بأوج وصفها وبآخر بيت قد بلغت أشدّها مُستخدِمة الكناية والتشبيه والإعارة للتعبير عن جوهر العيون مجتازة ذلك لمفاهيم الليل والنوم والسكر والخيال.. وكل ذلك بفضل العين؛ محرّكها وحياتها وخمرتها، ويغدو للمنام عند الشاعر عيون للمنام لا تدعه ينام فيدعو لها ألا تقرّ طالما هولا يقدر أن ينام بسببها. هنا تدخل الحالة الشعرية لتلطّف أهوال الحياة من عشق وفقد وحزن وغيرها… فالشاعر هو الأجدر بتلطيف معاني الأشياء وتجميل مصاعب الحياة بلطفه وذوقه وحنكته ومَلَكَته في التعبير.. فهل نتخيل الحياة من دون قدرة على التوصيف وإعطاء تقرير عنها؟ الشاعر هو الطبيب لكن بطريقة شاعرية.. هو الحكيم بطريقة جمالية… هوالألفاظ والألطاف الإلهية.
هي حال الشعراء، وحال الشعر الذي يرقى بالوصف والكلام في مراقي التجريد عبر استعارات تشبيهية بما يتجاوز الوصف المادي إلى عوالم الأثر الروحي والمعنوي، حيث تتحول العيون إلى أداة للتأثير العاطفي العميق الذي قد يشمل القتل والهيام، أو تكون جسرًا للتواصل غير المادي يجسد لغة القلب المشاعر المتدفقة. وتمتد هذه الأوصاف من التشديد على جمال العين وسحرها لتشمل معاني الغموض والأحلام والسحر، حيث تتداخل في وصف العيون عناصر الليل والبحر والظلال.
قصيدة:
"فما تُرى سُكري والقلب من عينيك في ولهٍ.. نجماً يهيم بمقلة البدرِ"
العين هنا لها تأثير الوله للقلب، فهو كالنجم يهيم بمقلة البدر.
قصيدة: من ورق:
"من ذاق لقياك لا ينسى معانقةً.. تستحوذ الروح تسبي القلب بالحدق"
العين هي مفتاح الاستحواذ على الروح، فطعم المعانقة لا ينساها صاحبها وحدق العيون بالقلب تصيبه وتسبيه.
قصيدة: أزرق "في وصف البحر":
"أغابت بك الشمس أم غبت فيها.. وتضحك عيناك إذ تشرق"
للبحر عيون تضحك فيما لو أشرقت الشمس، والشمس قد تغيب في البحر وقد يغيب بها؟!
قصيدة: بغير عناق:
يا نظرةً قد لخصت زمن الهوى.. إذ عانقت جسدي بغير عناق
نظرة واحدة للعين إذ تعانق الجسد بغير عناق نعرفه، تلخّص كل زمن الهوى.
قصيدة: يا مالكاً بالحسن كل فؤادي: "فحضنت خوفك كم تنام قريرةً.. عين الجميلة رغم ليل سوادي"
هل الخوف يُحضن؟ نعم حضنت خوفك كي تنام عيونك الجميلة رغم ليلي الأسود.
إذاً: وجدنا أدوات التجريد في وصف العيون وكيف تجسدت لغة العيون؛ إذ تُشبَّه العين بالسيف أو النبل، حيث تُصوَّر العيون كسلاح فتاك، كذلك يرى الشعراء أن للعيون لغة صامتة قادرة على التعبير عن المشاعر دون الحاجة إلى الكلام أحياناً، وأحياناً من خلال الاستعارات الميتافيزيقية، عندما تُصبح العيون مرآة للعالم الداخلي للشاعر، وتُصبح من خلال ذلك نوافذ تعكس المشاعر الداخلية كالحب، والشوق، والحزن، والفرح، ووسيلة للتعبير.
ومن خلال ربط العين بالعالم الطبيعي؛ حين تُشبّه العيون بالعناصر الطبيعية كالبحر والليل لتجسيد اتساعها وغموضها وعمقها. تُصبح «عيون» نزار قباني بحرًا يمكن أن تغرق فيه.
وفي الجمال الخفي والحدسي، حينما تُصوَّر العيون في بعض الأحيان بالناعم الهادئ، حيث تُضفي انكسار النظر الناعم، المسمى «الفتور»، جمالاً ودلالاً خاصاً.
قصيدة: حين أحبك (مازن الشريف) : أنظر في عينيك وأنت بعينيّ تمدين النظر إلى عين الأحزان أتشرب منك الشوق .... أنظر في عينيك أراني جميلا وقتيلا... فوق عمود رخام ....يا رخام العيون الجميلة
قصيدة : لم يعرف الحب في هذه القصيدة التفصيليّة لمازن الشريف، ستتجرّد المعاني، وتجتمع أجزاء العين في الوصف، من الهدب، للجفن، للنظرة وإلى المقلة، ويتجرّد الحب وينعتق الوصف ويقدمان قصيدة :" لم يعرف الحب" التي في أصلها تكون معارضة لرائعة ابن زريق البغدادي، بالجانب الآخر سيتجرّد الليل عند الشاعر ويغدو له عيون نائمة، و مخدع الحبيب في هدب العين، ليتفرّع الوصف أكثر ويصف الحبيب النائم الجفن بأنه قاسي القلب تراه حيناً يغلق قلبه وحيناً يضحك وقد خدعته الأيام. وهذا الذي يبتعد وقد سكنت نظرته في الروح، له مقلة ساحرة، ما يلوّع عاشقه. وهنيئاً لمن سكنت دمعته في العين ولم يلوعه عشق! ويا حرّ القلب على مَن انهمرت دموعه على الخد من شدة الغرام:
أنى له وعيون الليل نائمةٌ.. حضن من اللين هدب العين مخدعه
والنائم الجفن صلد القلب مُوصَده.. أو ضاحك السن والأيام تخدعه
ينأى الذي سكنت في الروح نظرته.. والسحر مقلَته كم ذا يلوعه
طوبى لمن هدأت في العين دمعته.. لهف الذي انهمرت في الخد أدمعه
و للعيون صفات عند الشاعر مازن الشريف يُسقطها حسب الحال الشعري والتعبيري:
العيون المذنبة: تذنب بجريرة جمالها وغنجها عيون تقترف الذنوب بجمالها، وتظلم بطرف لحظها الأُسُود، فتفعل ما تشاء بكل غنجٍ وطرب:"غزال الحسن كم سلب القلوب.. وكم عيناه قد فعلت ذنوبا"
العيون البليغة: تبلغ مبلغها في الأثر
"بليغ المقلتين ذكيّ لفظ.. يذيب العاشقين ولن يذوب"
العيون المتحكّمة: تُسقِط خصمها القوي
"ولي صولةٌ تَقهَرُ ولكن أمام العيون أنا دائماً أخسر."
العيون المستبدّة: " قصيدة بروح حواء" إني أحبه غير أنه قاتلي.. كم تستبد بمهجتي عيناه.
العيون السّارّة: تُسعد النظر يا غادة سرّت بمرآها النظر.. وبدت كأن الأرض يسعى بها القمر
العيون القاتلة: لا تنفع معها دروع واقية
"هذا الذي نحوي أتى
غنت لمقدَمه الدموع
إنّ سلَّ لحظه للفتى
فليس تنفعه الدروع"
العيون الدامعة: تبكيها الأغنيات
أنت يا كبَدَ الزمان
يا أسى عيني
ويا وجع الكلمات
ويا دموع الأغنيات
عيون الحلم: العيون مستودع الحلم ** أودعتُ في عينيه حلم صبابتي.. وزرعت عشق القلب في كفّيه
عيون الألق: العيون حقل زراعة الألق ** ليزرع وجداً ببستان قلبي.. ويزرع في مقلتيك الألق
العيون المتدللة: ترمي السهام دلالاً
ورمقته والعين تبصر حسنه.. فرمى السهام تبغدُداً وتدّللا
العيون الخمرة: تُسكر بنظرة من كأس مدامها
روحي إلى روحي التي أسكرتها.. من نظرةٍ جادت بكأس مدام
العيون الخائفة المخيفة: "شعر شعبي"
عارف مندافك يقسمني.. بعيون تخوّف وتخاف
مرّة بنظرتها تحطمني.. موجْ يكسِر ففي المجداف
هايض ونكندر ونغني.. وعشقي لعيونك بالذات
العيون القوية المغيِّّرة للحال:
وجعلتَ أسدُ البيد تعبدُ ظبيها.. كم شقّ لحظُ الظبي ليثاً أربدا
ورميتَ سهمك بالرموش فلم يزل.. أهل الصبابة في غرامك سُجّدا
والحب مذ نظرت إليك عيونه.. قد قام في عينييك ثم تهجّدا
نامت ونام الليل خلف جفونها.. واالنوم نام لزندها متوسّدا
العيون الجميلة:
-يا أجمل عين ترمقني.. يا عشق فؤادي الأحدي
-أنا عاشق للعيون الجميلة
عاشق
والسلام
العين الفاتنة:
يحدّث عن خمر الجوى الإبريق.. العين تَفتِنُ والقوامُ رشيقُ
العيون الناعسة:
-يا هاجري والقلب ينبض بالهوى
يا ناعس الأجفان ما هذا النوى
كم هام في عينيك قلب مغرم
يحتار في عشق تعاظم واستوى
يا ناعس العينين إنك ظالم
هل من محب ضم حِبّه فارتوى
-عنيدٌ حيي ناعسُ الجفن كلما.. نظرت عيونه للفتى فهو غائمه
***
معان مختلفة في العيون
العيون فى اللغة العربية هى من أكثر الكلمات فى دلالاتها ومعانيها سواء المعنوية أو المادية .
وعيون كلمة جمع مفردها عين ، وهى اسم عضو الإبصار فى الإنسان والحيوان على السواء .
وتعنى أيضا ذات الشئ أو نفسه فيقال مثلاَ " فلاناِ بعينه ".
كما تعنى أيضا ينبوع الماء المتدفق ، وجمعها عيون بمعنى الينابيع الصافية .
كما تأتى عين كفعل بمعنى حدد كأن يقال " عين الوقت " ، أو بمعنى كلّف بمنصب كأن يقال " عيّن الرئيس نائباَ" .
وتمتلئ اللغة العربية بالأمثال التى اختصت بالعين. ومنها " العين بالعين " وتعنى الجزاء بنفس الجزاء.
وكذلك " أصبح أثراً بعد عين " أى أصبح خراباً أو ذكرى بعد أن كان حقيقة واقعة تملأ السمع والأبصار .
العين عند العلّامة أحمد السجاعي
للعلامّة أحمد السجاعى – المتوفى سنة 1197 – قصيدة رائعة فى معانى لفظ العين.
وقد جعل حروف اسمه فى أوائل أبياتها بالترتيب .
وهذه هي القصيدة بعد وضع معنى كل عين بين قوسين فى نهاية كل بيت:
أيا ظبى الفلا وكحيل عين * ويا بدر الدجى وضياء عين ( الشمس )
حميت من المكاره يا غزالاً * حوى كل الكمال بدون عين ( العيب )
ملكت القلب منى ياحبيبى * وحق المصطفى المجرى لعين ( الماء )
دعانا للهداية نعم طه * رسول قد أبان لطرق عين ( القبلة )
أمين سيد ما فيه شك * به تهدى الأنام بكل عين ( الاتجاه )
له ذات خلت من كل سوء * وقلب قد خلا من شين عين ( الرياء )
سما فوق السماء ونال قرباً * وخاطب ربّه وحظى بعين ( النظر )
جميل النفس والأفعال قطعاً * صفى خالص من قبح عين ( الميل )
أذاع الخير فينا كل وقت * وعوّذ أمة من شرّ عين ( الحسد )
علا رتباً فليس لها انتهاء * وأظهر دينه لخيار عين ( الجماعة )
يقيم شريعة غراء فينا * بها .. كم قد هدى من كل عين ( الإنسان )
عيون أخرى عند مازن الشريف:
وسليمى في عيوني.. فهي مصباح الظلام
"سليمى كناية عن الحضرة الإلهية"
سنجد في قصائد الشاعر مازن الشريف أنواعاً أخرى للعيون تتجلى بها أبياته:
جاء في القرآن:
﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [ الحج: 46]
العين المعنوية
عين الحقيقة:
- أنا بالحب قد عرفت ربي.. أدركتُ عين الحقيقة
وهنا العين الإدراكية إذ تصف الحقيقة التي نصلها بالحب، إذ للحقيقة عين "مركز وقلب" . كناية عن إصابة كبد الحقيقة، ووصولها.
عين النقص:
نظروا بعين النّقص حتى كأنهم.. في لعنةٌ تزري بهم وتُحيق
عين الرضا:
إني وإذ لاموا لَسيّدُ عصرهم.. وأنا على عين الرضا لَحقيق
قد تُستخدم العيون المعنوية في الفخر وفي وصف أشياء لا تُرى بالعين الحسية بل تُدرَك بالفهم والنظر بعين القلب الباطنية.
وهنا الشاعر الشريف في قصيدته استعار لفظ العين للتعبير عن مصطلح النقص وتعبير الرضا فكانت عين النقص تارةً وعين الرضا طوراً.
عيون الفؤاد:
عند الشاعر مازن الشريف عينٌ للفؤاد، وسرّ الجلال لن تراه إلا عن طريق هذه العيون، كما أنّ للأرواح عبيرٌ ولها عشق يطول وعين لم تنم:
وافتح عيون فؤاد الصب حتى ترى.. سر الجلال وحسناً عنه لست عمي
وانثر عبيرك في الأرواح إن لها.. عشقاً يطول وعيناً بعد لم تنم
عين البصيرة:
هل يوجد في الشعر عين اسمها عين البصيرة؟ وكيف تترجمها شعراً؟ نجد ذلك في الوصف الصوفي غالباَ والعشق الإلهي.
هذه قصيدة في مناجاة النبي محمد عليه الصلاة والسلام! فهل نراه بالعين هذه؟ أم يتجلى لعين القلب والبصيرة؟ هذه القصيدة أجابت بلغة الشعر كيف يمكن أن نرى بالعين الباصرة.. أي المخترقة فما هناك حواس خارجية هناك حواس باطنية، ولكن للخاصّة من أهل الله أو العلم .
الشاعر مازن الشريف في قصيدته: إلى حضرته العظيمة مع شديد الاعتذار:
يَا سَيِّدَ السّاداتِ يَا خَيْرَ الوَرى
دَعْنِي أُرَاكُمْ سَيِّدِي حَتَّى أَرَى
فَإِذَا رَأَتْكُمْ مُقْلَتِي يَا فَرْحَتِي
سِرِّي سَرَى مِنْ سِرِّكُمْ سِرِّي سَرَى
فَإِذَا العُيُونُ رَأَتْكَ أَبْهَرَهَا السَّنَا
وَإِذَا الجَمَالُ رَآكَ قَامَ مُكَبِّرَا
العيون الروحية
ومن نظراتها: النظرة المطلقة: في قصيدة حيرة
هي نظرةٌ في مطلقِ الإشراق إن.. غابت ملامح مَن أحبّ وأنت في
في العين بل في القلب بل في حيرتي.. يا حَيرتي ثا ثورتي يا مُرهفي
فالعين هي البديل والنائب عن مطلق الإشراق فإن غابت ملامح الحبيب ستظهر في عين بل في قلب وحيرة العاشق الذي يتخذها ثورته ومرهفه الناعم.
نظرة القلب:
روحي الفداء لفاطمٍ وأبيها.. ولبعلها ليث الورى وبنيها
ولكل شيء حاز نظرة قلبها.. ولكل ما وضع المهيمن فيها
العيون النورانيّة: تحفظ عشق قديم
ورأيت في العينين نوراً.. وقديم عشقٍ قد غفا
العيون المختزِلة: تختزل الجمال والجنات
لم يسبق أبداً
لكنَّ امراةً،
في عينيها
جمال الشام
وسحر عدن،
أعادت لي ضعف الإنسان
العيون القدسيّة: فيها الصفاء والسموّ
لكنّ امرأةً
في عينيها
صفاء النيل،
سموّ القدس،
وجميع أساطير الأمس،
جعلتني أدرك ما الأشواق،
العيون المنسوجة في الروح:
يا ليت مَن نسجت في الروح مقلتها.. تهبُ اللقاء فهذا البعد يُبلينا
العيون دائمة الإشراق: شمسٌ لها عينان إلا أنها.. دوماً تضيء ولا تغيب وتغرب
***
العين لغة العشق:
"وإذا العيونُ تحدّثت بلغاتها ... قالت مقالا" لم يقلهُ خطيبُ" (عبدالله محمد المقحم). فهي المتحدثة؛ المتفاهمة؛ تتحدث لغة القلب وتُعبّر عن المشاعر بصمت، ويمكن وصفها بأنها "تتحدث بلغاتها": وبلغت بعض مآربي إذ حدّثت.. عينيّ في الهوى عيناك (أحمد شوقي)
العين الباب الذي يتسلل منه العشق:
الله هذا الحسن كم أبدعه.. بديع من سواه فوق البشر
يسبي قلوب العاشقين بنظرة.. يسري إليها مثل لمح البصر (مازن الشريف)
العيون العاشقة والناطقة في قصيدة " في مشهد النور " للشاعر مازن الشريف:
نورٌ على نورٍ ونورك مشرق.. والعين إن تبصر جمالك تعشق
والوجه بدرُ الجنتين إذا بدا.. فالعين عاشقةٌ وقلبُك يَخفِقُ
والعاشقون إذا رأوكِ كأنهم.. طيرُ الحمام لهم بعشقك منطق
لا ينطقونَ وذي العيونُ فصيحةٌ.. تحكي عن النجوى وذِكركِ شيّق.
فالعين لو تبصر جمال المحبوبة ستعشق بلا شك، فهي إلى جانب القلب الخافق عاشقة، لو رآها الناظرون سيحومون حولها ويغدو العشق منطقهم في التعبير، ولن يقدروا أن ينطقوا ولكن العيون هي من ستنطق.
***
وصف أجزاء العيون
جاء فى كتاب " سحر العيون " لابن قلاقس ، والذى يعد عمدة الكتب التى صدرت فى هذا الباب يقول المؤلف فى وصف العيون وأسماء أجزائها ومحاسنها وعيوبها الخلقية :إعلم يا نور الأعيان ، وأعز من إنسان عيون الأجفان أن ( مقلة العين ) فى اللغة هى الشحمة التى تجمع السواد والبياض.
و( الحدقة ) : هى السواد الأعظم فى العين ، وسميت بذلك لأن البياض محدق بها .
و( الناظر ) : السواد الأصغر الذى يبصر فيه الرائي شخصه.
و( الأهداب ) : الشعر النابت عليها .
و( المحجر ) : ما دار بالعين، وسمى بالمحجر لأنه مفعل من الحجر وهو المنع ، فكأنه مانع عن العين من جميع جهاتها .
و( المآق ) : هو طرف العين مما يلى الأنف .و( اللحظ ) : هو مؤخر العين الذين يلى الصدغ .
و( الطرف ) : هو ما مال بأحد السوادين السواد الأعظم والسواد الأصغر .و(الحماليق): هي بواطن الأجفان، واحدها حملاق.
و(الأشفار): هي حروف الأجفان التي ينبت عليها الشعر.
لنبدأ بالمقل: (مقلة العين) فى اللغة هى الشحمة التى تجمع السواد والبياض ، سميت بذلك من قولهم : تماقل الرجلان فى الماء أى تغاوصا فيه ليعلم أيهما أصبر على الغوص، فلما كانت العين غائصة فى مائها سميت المقلة .
وللمقل قصيدة باسمها عند الشاعر مازن الشريف: "ستنالها المقل" من أبياتها:
وكأنني في عينها لهبٌ.. وكأنها في مقلتي قُبلُ
أنّى نظرت رأيتُ قبلتها.. إن لم أنل ستنالها المقل
هي معارضة لرائعة إلياس أبو شبكة:" أيحق لي في غيرها الغزل"
وهذه بعض أبياتها في العيون:
وَكَأَنَّني في عَينِها لهبٌ.. بِفُؤادِها الوَلهانِ مُتَّصِلُ
يَبدو رَماداً حينَ تَلحَظُنا.. عينٌ وَحينَ تَغيبُ يَشتَعِلُ
يا خَيرَ مَن حَنَّت لَها مُهَجٌ.. وَأَحبَّ مَن غَزَلَت لَها مقلُ.
وفي قصيدة أخرى يذكر الشريف:
لا شيء يؤلمني سوى مقل الحبيب
هي نظرةٌ أخرى وموتٌ آخر
وغرام قلب في صبابات اللهيب
من قصيدة نوّارة المقل: صباح الخير يا عشقي ويا أملي.. صباح النور يا نوّارة المقل
ونجد كذلك في إحدى القصائد الجميلة للشريف أنّ سهام اللحاظ والعيون بطشت حين وُجبَ عليها عليها أن تكون أَوْلَى بالمروءة:
وسهام لحظك ليس تخطئ مرة..علمت بأن الموت فيك مرادي
وعيونك الأَوْلَى بكل مروءة.. بطشت ولم ترحم تطلب زناد
ورصاصة أخرى رمتني نظرةٌ..لما تلاقينا بلا ميعاد.
وكذلك إعلان الحرب في القلب وفي المقل إذ أُنشِبَ اللحظ في الأرق والأحزان، في قصيدة تهيام في ملكوت الحب:
أعلنتَ حربك في قلبي وفي مُقلي.. أنشبت لحظك في أرقي وأحزاني
أمّا في قصيدة تعيشين دوماً:
الحبيبة تعيش بأهداب العين وحبها سرّ بين المحبوب وبين حاله، حيث الشوق احتراق، لهذا يطالبها بألا تلوم قلبه ومقلتيه، فهو بجفن الحبيبة طفل صغير يجب أن تراه كذلك، وهو بعينها لا يدري أين يكون.
تعيشين دوماً بأهدابِ عيني.. وحبك كالسر بيني وبيني
وأشواق قلبي إليك احتراقٌ.. فلا تعذلي القلب والمقلتين
فإني بجفنيك ِ طفلٌ صغير.. وإني بعينيك لم أدرِ أيني
وهنا المقل التي ترتجى والمقل التي تزجر:
فذي مقلةٌ تَرتجي
وذي مقلةٌ تَزجَرُ
وذي نظرةٌ للندى
وذي نظرةٌ تنهرُ
الأحداق
(الحدقة): هي السواد الأعظم (في العين)، سميت بذلك لأن البياض محدق بها، ويقال: أحدق القوم به وحدقوا به — لغتان — أي أطافوا به من جميع نواحيه.
الأحداق عند الشاعر مازن الشريف
وللأحداق قيمة جليلة ووصف اعترافي صريح باستقلاليتها عند الشاعر مازن الشريف تجلّى ذلك في عنونته لقصيدة عارض بها إحدى قصائد الشاب الظريف التي مطلعها: "لا تخف ما صنعت بك الأشواق.. واشرح هواك فكلنا عشاق
ليسمي الشاعر الشريف قصيدته: صنعت بك الأحداق وقد ذهب بعيداً وحلّق في وصف قوي ونادى لأهل العشق بأن يتحركوا لأن سيف عيون الحبيبة سيذهب بالأعناق:
" لا تخف ما صنعت بك" الأحداق.." واشرح هواك فكلنا" نشتاق
نادى على أهل العشق قوموا ويحكم.. طارت بسيف عيونها الأعناق
فإن افتتح الشاب الظريف قصيدته بعدم إخفاء صنائع الأشواق فإن الشاعر الشريف يستبدل الأشواق بالأحداق، فالأحداق هي مصدر العشق واللوعة ومنها يأتي الشوق!
ومن ذاق لقيا الحبيبة في: قصيدة من ورق لمازن الشريف؛ لن ينسى المعانقة التي تستولي على الروح وتسبي القلب بحدق العين:
من ذاق لقياك لا ينسى معانقةً.. تستحوذ الروح تسبي القلب بالحدق
الناظر
و( الناظر ) : السوار الأصغر الذى يبصر فيه الرائى شخصه ، والعرب تقول : إنسانها وبؤبؤها وغيرهما من الأسماء .
و(الناظران) أيضًا: عرقان في العين يسقيان الأنف، يقال إنه لمرتفع الناظرين، ويقال للذي استحيى من أمر: خفض له ناظريه، والناظر يجمع على: نواظر. قال شارح كتاب «الفصيح»: نظرت لعيني ونظرت: انتظرت وتنظرت.
و(نظرتُ) كذلك بمعنى: رحمت وتفكرت. وأنظرت الرجل: أخرته، وأنظرته: جعلته ينتظرني، وقوله تعالى: (انظرونا) أي: أمهلونا
نواظر الشاعر مازن الشريف الفتّاكة بجمالها
قتلتني يا غزال بناظريك.. وأفنتني صباباتي إليك
فرحت لمقلتيك أبوح سري.. وقد سطع الجمال بمقلتيك
فإن أحييتني وصلاً فيا كم.. قتلتني يا غزال بناظريك
من قصيدة قمر بدا..
قمر بدا للعين ليس توارى.. سلب الفؤاد وحيّر الأفكارا
فعوالم في ناظريه رأيتها.. وجنان خلدٍ قد حوت أبكارا
في مقلتيه النور هيّم ثلة.. باتوا على حال الهيام سكارى
قال ابن الرّومي:
نظرتْ فأقصدتِ الفؤادَ بطرفها
ثم انثنَتْ نَحْوِي فكِدتُ أهيم
ويْلاهُ إنْ نَظَرتْ وإن هِيَ أعْرضت
وقعُ السِّهام ونَزْعُهُنَّ أليم
ولمَا دَهَتْنِي دون عيني عينُها
لكنَّ غِبَّ النظرتيْن وخيم
الأهداب
و(الأهداب): الشعر النابت عليها، واحدها: هدب بضم الهاء وسكون الدال المهملة، قال الشيخ برهان الدين:
"أهداب لحظك للورى شرك فمن أوثقته فيهن لا يتفلت
كيف النجاة ورمح قدك مشرع؟
كيف الخلاص وسيف لحظك مُصلت؟"
من قصيدة تعيشين دوماً للشاعر مازن الشريف: حيث الحبيبة تعيش بأهداب العين وحيث حبها سرّ بين المحبوب وبينه، وحيث الشوق احتراق، لهذا يطالبها بألا تلوم قلبه ومقلتيه، فهو بجفن الحبيبة طفل صغير يجب أن تراه كذلك، وهو بعينها لا يدري أين يكون.
تعيشين دوماً بأهدابِ عيني.. وحبك كالسر بيني وبيني
وأشواق قلبي إليك احتراقٌ.. فلا تعذلي القلب والمقلتين
فإني بجفنيك ِ طفلٌ صغير.. وإني بعينيك لم أدرِ أيني
-الشارعات الهدب أمثال القنا.. يحيي الطعين بنظرة ويميته (أحمد شوقي)
المحجر
(المحجر): ما دار بالعين، وهو ما يبدو من البرقع والنقاب، وجمعها محاجر، ويقال: محجر بفتح الميم وكسرها، وفتح الجيم وكسرها أيضًا، وإنما سمي المحجر محجرًا لأنه مفعل من الحجر وهو المنع، فكأنه مانع عن العين من جميع جهاتها، ومنه الحجرة المحيطة بالجدر، والجمع: الحجرات.
قال الأمير سيف الدين المشدّ وأجاد:
إن العيون لك الحصون: فهُدبها شرفاتها، وجفونها الأسوار
وكذا محاجرها: الخنادق حولها والحافظون بها همُ الأنوار
-وأغن أكحل من مها بكفيه.. علقت محاجره دمي وعلقته ( أحمد شوقي)
الماق والموق
الماق والموق: هو طرف العين مما يلي الأنف، وهو مخرج الدمع من العين، ولكل عين موقان، وفي الموق وفي جمعه لغات كثيرة يقال: مأق بالهمز، وجمعه آماق، ومُوق غير مهموز، وجمعه أمواق وأماقٍ ومآق. والمقية: لغة في الماق أيضًا، والجمع مقى. والماق: مقدمها. وقيل: الموق: مؤخر العين، وماق يجمع على مواق مثل: قاض، وقواض، وفي الحديث: «كان يكتحل من قبل موقه مرة، ومن قبل ماقه أخرى».
بِنتم وبِنّا فما ابتلّت جوانحنا.. شَوقاً إِلَيكُم وَلا جَفَّت مَآقينا (ابن زيدون)
من قصيدة في أسوار قرطبة: قل للتي أرسلت للغيم دمعتها.. ما أمطر الغيم إلا من مآقينا (مازن الشريف)
قصيدة صباح الحب يا قمر الليالي:
تجنّى السحر في مُوِق النساء.. وأفنى الحبّ أكباد الرجال ( مازن الشريف)
الألحاظ:
جمع لحظ: وهو مؤخر العين الذي يلي الصدغ وجمعها لحاظ، ولواحظ. فأما اللحظة: فهي النظرة، وجمعها: لحظات في القليل، واللحظ في الكثير، ويجوز أن يجعل موضع اللحظة. يقال: لحظ العين مثل: رأي العين، ويقال: لحظ السماء بطرفه يلحظ لحظًا فهو لاحظ.
الوأواء الدمشقي يقول: كل السيوف قواطع إن جردت .. وحسام لحظك قاطع في غمده
"إن شئت تقتلني فأنت مخير.. من ذا يعارض سيدا في عبده"
ايليا أبو ماضي: عَوِّذْ فؤادك من نبال لحاظها.. أو مت كما شاء الغرام شهيدا
عبد المحسن بن محمد الصوري:
يا غزالا صاد باللحظ فؤادى فأصابا
ما الذى قالته عيناك لقلبي فأجابا
مازن الشريف يقول:
من يعشق الحسن لحظ العين يقتله.. وصاحب الوجد همس الحِب يشفيه
ومن قصيدة غلب الغرام:
هوّن عليك فلست أول مغرمٍ.. فتكت به الألحاظ فهو مولّه
من قصيدة:أحبك يا جميل
ولحظك قاتلي وهواك حتفي
وحبك جنتي ولظى اشتعالي
تمنيني شفاهك ألف أمس..
وترميني لحاظك بالنبال
من قصيدة تهيام في ملكوت الحب:
أعلنتَ حربك في قلبي وفي مُقلي.. أنشبت لحظك في أرقي وأحزاني
من قصيدة رسالة أخرى لعشقيار:
قد قال قائلُ أهل العشق حين أتى.. أني " أتوه وفي عينيك عنواني"
يا قاتل اللحظ كيف الحب فيك ذوى.. يا من تغرب في كفيك أوطاني
ومن قصيدة أخرى:
شمسٌ لها عينان إلا أنها.. دوماً تضيء ولا تغيب وتغرب
قد أرسلت للصبّ لحظاً قاتلاً.. والموت أدنى ما يُنال وأقرب
من قصيدة هذا الأسمر:
هذه الشقراء يا صاحِ تميت لحاظها.. إني بعينيها رأيت مدائني
الطرف
الطرف : هو ما مال بأحد السوادين السواد الأعظم والسواد الأصغر .
قال ابن مطرف : " طرف العين تحرك أشفارها " . ويقال " طرفة عين " .
قال الإمام علي كرّمَ الله وجهه:
ما بين طرفة عينٍ وانتباهتها.. يغيّر الله من حالٍ إلى حال
وقال الشيخ علاء الدين الوداعيّ:
كم دماء مطلولة في هواه وبها ورد خده مطلول
وحديث من السقام صحيح قد رواه عن طرفه مكحول
من قصيدة: غزال الحسن لمازن الشريف
يجور على الأُسُود بطرف لحظٍ.. ويفعل ما يشاء بها طروبا
من قصيدة "هواك بقلبي" الطرف الصقيل الأغنج:
هواك بقلبي عاصفٌ متأجّجٌ.. وطَرفُك يا رُوحي صقيلٌ وأغنجُ
الحماليق
و(الحماليق): هي بواطن الأجفان، وأحدها حملاق، قال ابن مطرف: هي التي تراها — إذ قلبت للكحل — محمرة. وقال الزبيدي: الحماليق: نواحي العين، ويقال لمؤخري العينين مما يلي الصدغين: الحقيمان.
والأشفار: هي حروف الأجفان التي ينبت عليها الشعر، والواحد: شفر، ومنه شفير الوادي، وشفير كل شيء حرفه.
ماذا أقولُ وكلُّ جزءٍ قاتلٌ.. فالشُفْرُ سيفٌ والرموشُ رماحُ (عبد الناصر عليوي العبيدي)
من قصيدة : "لي الله" لمازن الشريف
لي الله من قلب يهيم ويعشق.. وجفون عين كم تحنّ وتأرق
قد شفّني التهيام هدهدني الجوى.. وأفاض دمع العين جمراً يحرق
دلالات العيون الجمالية
شهد الشعر العربي تصويرًا للجمال البصري وتعبيراً عن المشاعر القوية، حيث استخدم الشعراء استعارات للتشبيه بالنجوم، والسيف، والأزهار. كما أنهم أضفوا على العيون دلالات جمالية مختلفة كـ"الفتور" و"الدعج" و"الحور"، ووصفوها بقدرتها على التأثير العميق في النفس وإحداث آلام الحب أو النصر.
ينضو من مقلته سيفاً و گأن نعاساً يغمده فيريق دم العشاق به والويل لمن يتقلده كلا لا ذنب لمن قتلت عيناه و لم تقتل يده (القيرواني)
وصف الثعالبي الفتور: ويعني انكسار النظر الذي تبدو العين فيه وكأنها ناعسة مريضة وليس لها مرض، والفتور هو إسبال لطيف لجفون العين وهو نوع من الدلال والغنج يضفي على العينين جمالا. الدعج: وهو أن تكون العين شديدة السواد مع سعة المقلة. البَرَج: وهو شدة سواد العين وشدة بياضها. النّجل: سعة العين. قال الشريف الرضي:يا قلب مالك لا تفيق وقد رأت عيناك كيف مصارع العشاق؟
فتكت بك الحدق المراض ولم تزل تشجي القلوب جناية الأحداق والحدق المراض أي العيون التي بها كسل وفتور.
وللعيون أشكال وألوان:
قال الشاعر إيليا أبو ماضى في العيون العيون السود:
ليت الذي خلق العيون السودا * خلق القلوب الخافقات حديد
لولا نواعسها ولولا سحرها * ما ود مالك قلبه لو صيدا.
الطرف الصقيل الأغنج:
هواك بقلبي عاصفٌ متأجّجٌ.. وطَرفُك يا رُوحي صقيلٌ وأغنجُ ( مازن الشريف)
العيون الخضر: "شعر شعبي" صنديد.
ولعيون الخضر مع السود وورد خدود ما يقوى على هواهم شي
وفي قصيدة "أهواك" لمازن الشريف نجد صفة الدعج في العين:
أنتَ الجَمالُ بعَيْني.. والسِّرُّ بَيْني وبَيْني
أهواكَ في كُلِّ لَمْحٍ.. أَشْتاقُ في كُلِّ بَيْنِ
فالعِشْقُ فيكَ جَميلٌ.. يا أَدْعَجَ المُقْلَتَيْنِ
اما العين الكحيلة والنجلاء ففي هذا البيت، لشمس الدين النواجي:
كحيلة الطرف نجلاء العيون... إذا بدت تفوق ملاح العرب والحضر
بدر شاكر السياب في وصفه الرائع، حيث عينا الحبيبة كَغابَتَي النخيل:
عيناكِ غابتا نخيل ساعةَ السحَر** أو شُرفتان راح ينأى عنهما القمر
عيناك حين تبسمان تورق الكروم**وترقص الأضواء... كالأقمار في نهر
أما أمير الشعراء أحمد شوقى فقد قال:
السحر من سود العيون لقيته * والبابلي بلحظهن سقيته
الفاترات وما فترن رماية * بمسدد بين الضلوع مبيته
الناعسات الموقظات للهوى * المغريات به وكنت سليته
خاتمة:
هذه هي العيون وسحر العيون، باقة من أبيات الشعر العربي الزاخر بفيض الوصف والبلاغة والجمال، وبالنسبة لقصائد الشاعر مازن الشريف فهذه عيّنة صغيرة منها، من آلاف القصائد المكتوبة… ورغم ذلك دخلنا لهذه الجنة الوارفة من جنان الحور وشربنا من بعض عيون القصائد الحور . وأصابتنا نظرات الفتيات الباذخات الترف من الجمال والنور، بأسهم الكلام، المزركشات بحلّي الأدب والناطقات بفصاحة البيان. نرجو أن نكون قد وُفّقنا وأعطينا لمحة أو تذكر لهذا الموضوع الغني والثري والجميل ..وشاركناكم هذه الجولة الناعمة في فسحات العيون.
"والسلام
أنا عاشق للعيون الجميلة
عاشق
والسلام" - مازن الشريف