النصر في معاني سورة العصر

30 مارس، 2025

كما جاء في شرح وتفصيل وتفسير لفضيلة الشيخ الدكتور مازن الشريف

مرّ شهر رمضان شهر الخير والبركات، وقدّ منّ الله علينا بفضله ومن فضله شيخاً وقوراً جسوراً ينطق بالحق ويأتي بالتفاسير التي تشرح القلب وتجيب عن كل تساؤل بما لايدع مجال للشك بآيات ربّ العالمين بأنّها بشرى وشفاء وبأنها علم وأعاجيز الله في خلقه، رب السماوات والأرضين، خالق البرّ والبحر والكواكب والنجوم والعوالم والكائنات.. خالق العلماء والمخلوقات من كل صنف وشكل وجوهر ولون.. سبحانه جلّ جلاله وتعالى سمت صفاته وتعالت عن مجانسة مخلوقاته.. الله العظيم لم يخلق أمة إلا وبعث فيها نبيّاً ورسولا يدلهم عليه ويرشدهم لخير التقوى والصلاح وحسن المآب ويوضّح لهم سبل النجاة وحياة النعيم في الدنيا والآخرة ويُذيقهم من كل معرفة وفهم ويقين حتى لا تكون حجة عليه في يوم الدينونة والدين..

وهنا لا يسعنا إلا أن نشيد بالشيخ الفضل العلّامة مازن الشريف وارث ووريث علم الصدّيقين، وحارس آيات الله في الكتب والمرسلين من كلّ مسّ شيطانٍ رجيم وتأويلٍ مشوّه وزنيم، مستمداً من مدد ونور سيد الخلق محمد خاتم النبيين وجامع شمل المرسلين والصالحين والهادي إلى سراج منير… الدكتور السيد مازن الشريف يطل علينا في شهر الخير والبركة بنفحات وأنوار رمضانية محمدية ابراهيمية مباركة مطيّبة بروح ونسيم كلّ الأولياء والطيّبين من الرياحين والرواحين، من جانب الحرم المكي وفي المدينة المنورة ومن كل أصقاع الأرض الطاهرة ومن كل زاوية مطهّرة وبقيع… لينشر عبقه وعبق ما جاء به من عطر الأولين مديداً فينا وإلى الآخرين… زارعاَ دربنا بأزهار النبي وعلومه وآله… فأيّ نعمةٍ أجلّ من هذه؟

وفي هذا العصر والزمان… واشتداد حال الوقت وانعصار الإنسان تحت وطأة حضارته المزيّفة التي وصلت حدّ العصيان والطغيان، إذ يستخدمها للحرب والدمار بدل السلام والراحة والإعمار بعدما أنعم الله عليه من ملكه ونعّمه بنعمه من العلم والتطور فأسكنه في الأرض قصور الجنان… يضيق حال المؤمن بما يراه ويكاد يفقد إيمانه لهول ما يرى.. لكن الله لا ينسى عبيده وعباده كما نسي هذا الإنسان ولم يكن له عزما….فيبعث له ما يشرح له معاني أياته الباطنية بما يشدّ أزره ويعيد له ذاكرته الإيمانية حيث وحين أعطى الله العهد والميثاق بالإيمان والإخلاص، في عالم ألست بربكم قالوا بلى!

الشيخ السيد مازن الشريف يجول في إشارات الحياة وصور الآيات ودلالاتها، يشرحها ويقرّبها للأذهان ويقرؤها للعقول ويروي بها القلوب العطشانة فتشرب شربةً من معين ماء محمد… جوهر الكنه والمعنى بالرحمة المجسّدة في كل بنيان… فتطمئن قلوب وتصبر أقوام وتوفى كل نفسٍ صبرها في دنياها قبل آخرتها ولا ترى من انقلاب الزمن إلا لخيرِ قادمها… فالنصر عنوان كل مؤمن حتى وإن بدا له ما يعيشه هزيمة وخسران.

وهنا في هذه المحاضرة القيّمة وقفة وشرح لسورة العصر بما يلوذ بالقلب والروح دواءً واتقاءً من كلّ شر خسران وخسر… وبما يجعل المرء يرى بحق بأنّ مع العسر يسر….
لنقصر كلامنا ونستفيض من تفرّعات وتفاصيل سيدنا كلام وكلام من عسل المعاني الصافية والأفكار الراقية.
وهذه المحاضرة كما أسماها الدكتور تحت بند نفحات رمضانية: النصر في معاني سورة العصر. إذ قال فيها:
رحلة معنوية ماتعة في خواص سورة قلت كلماتها وآياتها، وعظمت بيّناتها. ومن هذا العنوان ما يفي بالوصف ويختصر.

العناوين الرئيسية في النص:
حمد وصلاة على خير الأنام محمد “ص” :
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد، النبي الهادي الأمين، اللهمّ صلِّ وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما صلّيت على سيدنا ابراهيم وعلى آل سيدنا ابراهيم، وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما باركت على سيدنا ابراهيم وعلى آل سيدنا ابراهيم، في العالمين، إنك حميد مجيد.

تحية رمضان شهر الإمتحان :
أحبابنا الكرام.. في رمضان الخير رمضان البركة، إفطاراً شهيّاً لمن ينتظرون الآذان، والحمد لله صياماً مقبولاً لمن بلغ ميقات إفطارهم، والحمد لله رب العالمين على نور وبركة هذا الشهر المبارك، شهر الخيرات والبركات، شهر النفحات، شهر العطاءات ورفع البليّات وكشف الكربات.
وكذلك شهر الامتحان يمتحن الله فيه من عباده من يشاء، ويصيب بفتنته من يشاء، ويبلو بحكمته من يشاء، ويجعل من نقمته، أو نعمته على من يشاء، فالحمد لله على صبر الصابرين، وعلى صيام الصائمين.
الحمد لله على صبر الصابرين وعلى صيام الصائمين، وصلاة المصلين وقيام القائمين، وأواب المخبتين
واستغفار المذنبين، فكل ذلك محض فضله.

الحمد لله الذي بسط الستار، ورفع الحجاب ودعي فأجاب، ونودي فاستجاب، وأنزل على عبده محكم الكتاب، بشّر به بعظيم الثواب وأنظر به بشديد العذاب، ووعد أحبابه بالجنة يدخلون عليها من كل باب، وتوعّد أعدائه بقوي العقاب.

اللهمّ صلّ على حبيبنا محمد عدد السحاب وقطر السحاب، وعدد ما هديت إلى التقى والصواب، وعدد ذي غير ذلك، وفوق ذلك يا رب العالمين.

اليوم يوم جديد من رمضان، وكنا عبرنا بليلة بدريّة، ليلة من ليالي الله، ويوم من أيامه، ذكرى بدر وما أدراك ما بدر، وذكرى الأيام التي خللتها، الأيام والأعوام التي لم تسري عليها سنة الأعوام، فلم تتسنه، لم يخبُ بريقها، ولم ينطفئ أنوارها، ولم تحجب أنوارها إلا على من حجب أصلاً.

الأمة بين ممتحن ومنعَّم :
هذه الأيام المباركة من رمضان،على ما نرى فيه من عجيب رخاء وعجيب بلاء، من عظيم امتنان، وعظيم امتحان، فالأمة بين ممتحن ومنعَّم، بين من هو يمضي في نعيم الرخاء ومن يقضي في شديد البلاء، بين صبور وشكور، وكذا قدر الله مقادير الأمور.

سببيّة خلق العالم :
الله سبحانه وتعالى خلق هذا العالم ليمتحن به، سكان هذا العالم، بما يرون وما لا يرون، بما يبصرون وما لا يبصرون، فقال في محكم تنزيله وعظيم تأويله:
(والعصر، إن الإنسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وتواصوا بالحقّ وتواصوا بالصبر).
العصر، مع واو القسم أو القسم التي يقسم الله بها بما شاء.
والنجم إذا هوى، والقلم وما يسطرون، يقسم بذاته: فوربك،
أو يقسم بعمر النبي: لعمرك، أو يقسم بما شاء من خلقه:
(لا أقسم بيوم القيامة، ولا أقسم بالنفس اللوّامة).
وهذه الأقسام كلها دليل على عظيم ما خلق الله، وأودع في هذه الكائنات حتى أقسم بها، وما أودع في هذه الموجودات:
(والشمس وضحاها). (والضحى، والليل إذا سجى)، (والليل إذا يغشى)، وغير ذلك كثير.

مفهوم العصر كما وردت في سورة العصر :
فهل العصر موعد ميقات صلاة، أو باب استجابة دعاء، أم هو الزمن الميقاتي المباشر لكل قوم من أقوام الدنيا "المعاصرة" وامتحانهم وشأنهم فيه عند الله. 

والعصر، فيه إشارة لميقات صلاة عظيمة من الصلوات التي فرضت على الإنسان.
قال بعضهم إنها الصلاة الوسطى، حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى، وقال آخرون إن العصر باب استجابة دعاء، وما ذكر عن حضرة المصطفى أنه كان يدعو بين الظهر والعصر، ولكل ميقات سرّ وله نفحة، والعصر كذلك الزمن، ما يكون فيه من شان الناس الذي هم فيه الذين هم فيه، فهو الزمن الميقاتي المباشر لكل قوم من أقوام الدنيا، فكلّ لهم عصرهم كما نحن لنا عصرنا، فهذا العصر الذي نحن فيه هو فرصتنا الزمنيّة، وهذا من معاني المعاصرة، ولكل قوم ممن سبق عصرهم وأمرهم وحالهم وامتحانهم وشأنهم عند الله.
كل عصر يمضي ويأتي الذي يليه، وكله سوف يمضي حتى يأتي الله بأمره.
وفي العصر عصر، من عصر يعصر وليس فقط من عاصر يعاصر، أو من أعصر يعصر، ومنه صلاة العصر، أو منه ميقات العصر، فلعلّ في ذلك إشارة إلى امتحان الدنيا، كما يعصر الزيت.

سمات الإنسان وكينونته :
إن الانسان في هذه الحياة يمتحن، إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه، إن الإنسان هذا الكائن الذي خلقه الله والذي شرفه الله وابتلاه، فالإنسان على نفسه بصيرة. 
والإنسان حمل الأمانة، وكان ظلوما جهولا، والإنسان خلق عجولا، والإنسان خلق من ضعف، خلق ضعيفا، والإنسان يغرّ ويغترّ بربّه الكريم:
(يا أيها الإنسان ما غرّك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك، في أي صورة ما شاء ركبك).

والانسان فوق ذلك، مبني على النسيان، (ولقد عهدنا الى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما).
والإنسان يتأنسن أن يعيش مع بعضه يحبّ التقارب، ويحب التعايش، ويحب التآلف ويحب التعارف:
(جعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا) وهذا من معاني الأنس الذي إذا أقمنا همزته صار أنسا، أي ما يأنس ببعضه فالإنسان من يأنس بنوع جنسه، ويخشى الوحشة والوحدة غارباً، وهذا معنى التأنسن ومعاني الإنسانية، ومن معاني الإنسانية كذلك اللطائف القلبية والأخلاقية والقيمية التي تسمو بالخلق الإنساني، فنقول هذا تصرف إنساني وهذا تصرف غير إنساني، إن التي أتى بها توكيداً، وإن هذه لها أسرارها أومقامها في القرآن الكريم ولها سياقاتها التي تأتي تأكيداً وتوكيداً، الإنسان هذا الكائن الذي يمتاز بتكليف يختص به بتركيبة خصّه الله بها من جسد وجسم وبدن وهيكل طاقي ومن سرّ روحي ووجود روح، ولطائف روحانية، وأنفس مختلفة تتصارع فيه أمّارة بسوء ولوّامة عن سوء وكاملة مطمئنة لا تأتي بسوء، ولا تصدر عن سوء، ولا تمضي إلى سوء ولا يكون منها ما يسوء، وكذلك نفس ذات وقلب وبصر وسمع وإدراك وحسّ ووعي وشعور وعقل ومنطق.
وكذاك لبّ وفؤاد ولغة ولسان ولون وشكل وطبيعة وزمان وبصمة وصوت يختصّ به وخليّة وأجهزة وما أودع الله فيه هذا الإنسان بكلّ هذه المكنونات، هذا الذي له سالفة عهد مع الله وسابق وعد معه: ( ألست بربكم قالوا بلى).
وهذا الذي فيه من سبقت له من ربّه الحسنى، وفيه من حقّت عليه كلمة العذاب، وهذا الإنسان الذي يسمع ويرى ويبصر، والذي قد يبتلى بنقص، كل ذلك، هذا الذي يبني ويبدع ويكتب ويفكّر ويحلم وينام ويصحى ويغفل وينتبه، منه مَن يتّعظ، ومنه من يمتعض، منه من يقبل ومنه من يرفض، منه من يؤمن ومنه من يكفر، منه من يصبر ويصبر ومنه من لا يصبر، منه عبد شكور ومنه عبد كفور، منه حامد زاهد ومنه ناظر شاهد، ومنه مقاتل في الحق، على الحق مجاهد، وأعظم ذلك أن يجاهد نفسه، ومنه كذلك طاغٍ وباغٍ غير صاغٍ، أو داعٍ وراعٍ وواعٍ بأمر وساعٍ لخير. هذا الإنسان الحضارة والثقافة والعلوم والإبداع الذي له مشهد في الأدب والشعر في العلم والفكر في الآلة والصناعة والاقتصاد والتطويروالموسيقى وشتّى ضروب ما ينتج هذا الإنسان، هذا الباقي الفاني والفاني الباقي، العابر لمراحل وجوديّة من روح إلى نطفة وسلالة ماء مهين إلى أصل من الطين، إلى رضيع لا يعلم شيئاً ثم يحبو ويسعى إلى طفولة وصبا وشباب، إلى كهولة وإلى كبر وهرم وعجز ونسيان، إلى من يبلغ أرذل العمر فلا يعلم من بعد علم شيئاَ، الإنسان الذي فيه العالم والجاهل المحبّ والمبغض الصادق والمنافق، الإنسان الذي تفعل فيه الكلمات والعواطف والمشاعر، الذي يتأنسن ويبني يكون الأُسَر، ينجب الأبناء ثم يفضي إلى ربه ويترك جسده في الدنيا، في ترابها ويمضي في مآبها، والإنسان الذي ينتظر في برازخ عليّين أو سجّين، ثم يبعث عند ربه بعد حين.

كل هذا ليس سوى الإنسان، الإنسان الذي أقام له الله معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله، والذي جعل الله عليه شياطين يغوونه ويأزّونه ويفتنونه وينسونه، وجعل له رزقا وأجلاً وفعلاً وعملاً، وحلماً وأملاً يعلو أو يهوي.

والإنسان الذي اجتبى الله منه الأنبياء وجعل منه الأولياء، وكتب نصيباً منه أن يكون من الأشقياء، امتحن هؤلاء بهؤلاء وابتلى هؤلاء بهؤلاء، ويؤتى به يوم القيامة فيشهد سيدهم على هؤلاء وهؤلاء، هذي كلها بعض ملامسات لمعنى هذا الإنسان والأمر يتجاوز ذلك إلى تفسيرات أخرى. في علم الاجتماع نظر وفي العرفان نظر وفي الشريعة نظر وفي التنزيل والتأويل نظر، وفيما يكون من حاله مع الحلال والحرام والمباح والمكروه والمرغوب نظر، وفي حاله فيما يكون من أمره ثقافة وحضارة وأمناً وسلماً أو حرب النظر، وفي أن يكون من أم وأب وأن ينال من رتب وقمح وأب وأن يطعم ويسقى ويمنح ويمدّ، ما بين أخذ وردّ وقبول وصدّ،
فبعض إمداد بعناية وبعض إمداد بغواية، والإنسان الذي خلقه الله كما خلق من قبل والذي هو بشر من أبشر سابقين له، من حضارات كانت قبل آدم الطين أفناها ربّنا القويّ المتين.

وهذا الإنسان المحدود في جوانب والذي لا حدّ لطموحه، وما أودع فيه من قدرات في جوانب، هذا الإنسان الذي قد يصارع الأراض، وقد يصارع الأعراض، وقد يمضي بما في الأرض للانقراض يفسد في الأرض والجو والبحرومنه ما يصلح ومن يصلح في الأرض والجو والبحر، إنسان وأمم وحضارات وشعوب وقبائل وعوائل، لغات وألسنة، ألوان وألبسة، مدن ومنازل، وصاعد ونازل، هذا الإنسان السالك بين ناجٍ وهالك.

النصر في معاني سورة العصر :
هكذا هو الإنسان، هكذا أراد الله له وهكذا خلقه، فلذلك يقسم الله بالعصر، وعنوان درسنا النصر في معاني سورة العصر، يقسم الله قائلاً: ( والعصر، إنّ الإسان لفي خسر). 

مفهوم الخسران والخسارة والخسر :

الخسران والخسارة والخسر، فأما الخسارة التي تكون مرّة كخسارة في تجارة وأما الخسران فهي الخسارة التي لا ربح بعدها الخسران المبين، وأما الخسر فهي خسارة مستمرة، تسعى يوماً بيوم، تناقص ونقصان مستمر، هذه الحقيقة التي يبينها الله مقسماً بالعصر، إن الإنسان في خسر، لأن الحقيقة أن يوم ميلاده هو يوم عقد يوم وفاته، فهو مقام بين ضفتي كتاب وضفتي ظهور وغياب وحضور وإياب.
ولدتك أمّك يا ابن آدم ضاحكاً، ولدتك أمك يا ابن آدم باكياً والناس حولك يضحكون سروراً، فاعمل ليوم تكون فيه إذا بكوا في يوم موتك ضاحكاً مسرورا.
كل وجود هذا الإنسان يومان، يوم يموت فيه بالولادة ويوم يولد فيه بالموت، وما بين اليومين قليل، فهذا الإنسان أيها الأحباب هذا حاله، وهذا مقاله وهذا ماله، وهذا وضعه الذي أودع فيه وكان فيه.

ما الخسر إذاً إنه حال عام، مقام بين أن وإلا، إنّ التقريرية التوكيديّة الإقراريّة التي فيها حقيقة ثابتة وشجرة حقّ نابتة، وبين إلا الاستثناء التي فيها استثناء من ذلك التوكيد، وباب يفتح ضمن باب وصيد.
الإنسان في خسر من أول لحظة يسعى إلى آخر لحظة، لا يعلم متى يقف عدّاد الأيام وتعداد الليالي والأعوام، لا يعلم متى يقف عدّاد الأعوام وتعداد الليالي والأيام.
يسعى هذا الانسان بين امتحانات تكون له وعليه، منذ أن يكون في ظلمات ثلاث إلى أن يكون ضعيفاً محتاجاً لوالديه إلى أن يرجع ضعيفاً محتاجاً لولده وأحفاده ومن يعينه أو يعينه، وهذا الإنسان في خسر، كل يوم يمضي ورقة تسقط من شجرة العمر، وهذا الإنسان في خسرلأن مكره على نفس تأمره بسوء مذنب، آت لسوء، ينسى ويجهل ويغفل.

تفسير لماذا الإنسان في خسر؟ :
هذا الإنسان في خسر لأن الدنيا تلهيه عن ربّه، وتحجبه عن خالقه، وتنأى به شهوات جسمه ونفسه عن سرّ روحه. 

في خسر لأنّ نزوله وسقوطه في هذا العالم الفاني خسر بدوره، فقد كان روحاً مطلقاً، وهو بهذه المعاني كل وجوده الدنيوي خسر في خسر، إن كان في يسرأو كان في عسر.

هذا الإنسان سيُمتَحن ويُفتن ويُزلزل ويُبتلى، وقد يمتحن ويفتن ويزلزل ويبتلي، ممتحن من ربّه، ممتحن لغيره، وهذا الإنسان سوف يسقى من خمرة الدنيا التي تقنعه أنّها لا تزول وأنّ أيامها لا تحول وأنّ عهدها قائم ويطول.

وهذا الإنسان يسعى به شيطانه، وينأى به إيمانه، وينقص عنه إحسانه.
وهذا الإنسان قد يكون بعينين ويعمى.
وهذا الانسان قد ينال مما ينال من عطاءات الدنيا،
فتحرمه تلك العطاءات من عطاءات الآخرة.

كل هذا سياق عام للإنسان عموماً، جهول ضعيف، يغرّ بربّه الكريم، ناسٍ متناسٍ، مستكبر قاسٍ، وهذا الإنسان في شهوانياته الظلمانية، أو في حالاته الروحانيّة ينازع الخسر، فلطالما استعصت عليه مفاتيح الروح، ولطالما، أوصد دونه باب نجوى القدّوس السبّوح، ولطالما رأى ما رأى، ونسي ما رأى، ولطالما كان هذا الإنسان في هذه الدنيا مياسا بها، متباهياً بها، زيّن له منها ما زيّن، وزيّن له الشيطان فيها ما زيّن، زيّن له منها ما زيّن، وزيّن له الشيطان فيها ما زيّن تلوّنَ وتكوّنَ، وسعى، جهل أو وعى، هكذا هو الإنسان، ولو مضينا في هذا الخسر لأطلنا الكلام وطال بنا الكلام، ولو نظرنا في آيات القرآن التي تبيّن هذا الخسر فتبيّن ما كان من خسران فرعون وكيف كان طاغياً، وما كان من خسران قارون وكيف كان باغياً، وما كان من خسران قوم لوط وقوم شعيب وصالح، وقوم هود، وفجّار اليهود، ومن كانوا قبل ذلك وبعده، ومن عذّب أصحاب الأخدود، ومن عليهم في كل مرحلة وعصر ملائكة شهود.

كيف يكون الخسر متصل بالعصر “الزمان أو المواقيت”؟ :
وكان الخسر متّصل بالعصر، إذ كل عصر فيه مَن يطغى ولا ينأى عصر أو ينأى زمان أو تنأى أمة إلّا أن يصيبها العذاب، وإلا أن تطغى، وما من قرية إلا خلافها نذير، وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا، وجعلنا لمهلكهم موعدا، ولكل أمة أجل، فإذا جاء أجلهم لا يستقدمون ساعة ولا يستأخرون، وهكذا الأمة وأجيالها، وهكذا الأيام وميجالها، وهكذا الأعمار والمواقيت والأقدار ومجالها، وهكذا أبناء الدنيا نساؤها ورجالها، كذا حالها، وكذا فعالها، وكذا ما ينبئ مقالها. 

الدنيا فتنت كثيرين وتفتن كثيرين، والإنسان في خسر، يسعد بكل ساعة يضيّعها ليعبد فيها ربّه، ولا يذكر فيها مولاه، ولا يسجد فيها لله، وشياطينه قويّة، ونفسه شقيّة وطباعها عصيّة شحيحة عليه وليست بِسخيّة، يخسر من أيامه، ويخسر من أعوامه، ولطالما كانت الدنيا دار فتن ودار محن، فكما طغى فرعون في الأوّلين يتغافل عمّن في الآخرين، وكما ابتلى الله من قبل المؤمنين يبتلي الله اليوم وغداً المؤمنين، يبلوهم بالخير والشّرّ فتنة.

الذين آمنوا مستثنون من هذه الخسارة :
(إنّ الإنسان لفي خسر)، لو أن الآية والسورة وقفت هنا، أو أوقفها الله سبحانه وتعالى في سرّ سورة التين والزيتون، أن الإنسان خلق في أحسن تقويم ثم ردّه الله أسفل سافلين، أو أنّ الشعراء يتبعهم الغاوون، لكان المقام للجميع في هذا، ولكن الله استثنى فكان الاستثناء في الشعراء، وفي التين، وفي العصر بالإيمان، إلا الذين آمنوا، وبعمل الصالحات، الذين آمنوا مستثنون من هذه الخسارة، وهذا مقام عظيم، وعلم قديم
، الذين آمنوا بالله سبحانه وتعالى، آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله، ألا بذكر الله تطمئن القلوب، الذين آمنوا بعلاّم الغيوب: (الذين يتفكّرون ويذكرون الله قياماً وقعودا، وعلى جنوبهم، ويتفكّرون في خلق السماوات والأرض، ربّنا ما خلقت هذا باطلاً، سبحانك).
الذين يعملون الصالحات، والباقيات الصالحات خير، والذين يسعون في الخيرات، ويسارعون في الخيرات.
من يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، الذين منهم مَن يمشون يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما.
ومنهم من يبيتون لربّهم سجّداً وقياما، ومنهم من يقول ربّنا قنا عذاب النار إنّ عذابها كان غراما، إنها ساءت مستقراً ومقاما.

والذين منهم مَن يخرّون الأذقان يبكون ويزيدهم خشوعاً،
والذين منهم مَن ترى أعينهم تفيض من الدّمع لما عرف من الحقّ
، والذين تلين جلودهم وقلوبهم لذكر الله، والذين أيّدوا وآمنوا بالحبيب رسول الله، والذين أتوه فسألوه عنه فإذا هو قريب، والذين استجابوا لله ولرسوله، وقد دعاهم لما يحييهم،
والذين هم مخبتون وذاكرون، قد أفلح المؤمنون، الذين يؤمنون بالغيب ويأتون الصلاة، ويؤتون الزكاة، ويقيمون الصلاة، والذين هم سجاّد ركوع، يدعون ربّهم رغباً ورهباً،
والذين يدعون ربّهم بالغداة والعشي، يريدون وجهه، والذين يسبّحون الله تسبيحاً كثيرا، ويذكرونه بكرةً وأصيلا، والذاكرون الله كثير أوالذاكرات، والذين منهم من يخشون الله، وهم العلماء، والذين يستنبتونه، والذين يعلمون بتأويله، ويعلمون بمتشابهه وغير ذلك كثير.

الذين آمنوا، والذين استقرّ الإيمان في قلوبهم، إلا هذه لها علم مفرد بها كنتُ دوّنت فيها كتاباً اسمه كتاب إلا، وشرحت فيه كل آية ذكر الله فيها إلا التي استثنى بها، وكان مجمل ما قلت في هذان إلا باب صغير مفتوح في باب كبير مغلق.

إلا في قولنا لا إله إلا الله، فإن ضمن التوحيد إلا باب صغير مفتوح في باب كبير مغلق، كقولنا إن الإنسان لفي خسر، باب كبير مغلق قام عنه وعنده وفيه أغلب الناس.

الإنسان خلق في أحسن تقويم وردّ أسفل سافلين، باب كبير مغلق فيه يقيم أكثر الناس
، وكل مَن قال كلمة الكفر كافر، باب كبير، أودع فيه أكثر الناس، لقد حقّت كلمة الله سبحانه وتعالى على أكثرهم، لقد حقّ القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون.
حقّت كلمة العذاب على الكافرين، الشعراء جميعاً يتبعهم الغاوون، هكذا قبل إلا، فهو باب كبير مغلق، فيه باب صغير مفتوح، في خسر إلا الذين آمنوا.

من أحسن تقويم إلى أسفل سافلين إلا الذين آمنوا، (والشعراء يتبعهم الغاوون) (إلا الذين آمنوا) (وانتصروا من بعد ما ظلموا).
وكل من قال كلمة الكفر كافر، كبرت كلمة تخرج من أفواههم ليقولون إلا كذبا، إلا مَن قال كلمة الكفر وقلبه منشرح بالإيمان، إلا من اضّطر غير معتد ولا باغ.

إلا في: (إلا تنصروه) :
إلا تنصروه، هذا معنى آخر، إلا أصلها، كل هذا باب كبير مغلق فيه باب صغير مفتوح، باب توكيد عام وباب تخصيص وتنصيص واستثناء.

إلا في: (لا إله إلا الله):
-إلا في قولنا: لا إله إلا الله، فلا إله باب صغير مغلق
لأن كلّ ما عدّ إلهاً دون الله؛ مقامه ذلك الباب الصغير الحقير
الذي يمتحن به كل من غرّه بالله الغرور.
-أما إلا الله: فهذا الاستثناء، تعالى ربه أن يكون باباً صغيراً، فهو الباب الأعظم. ننفي سوى الله ونثبت لله ما هو لله.
أو عجباً كيف يُعصى الإله أو كيف يجحده الجاحد؟ وفي كل شيء له آية تدلّ على أنّه واحد!
-أو كما قلت:
لله في الخلق سرّ جلّ معناه
فانظر بروحك تبصر كيف جلّاه
في كلّ شيء براه الله مقتدراً
صوتٌ يقول أنا قد صاغني الله

-فلا إله إلا الله، هي النفي والإثبات.
-ولا اله إلا هو إثبات الذات للذات.
-ولا إله إلا أنت إثبات نظر إلى الذات.
-فلا إله إلا الله تأمّل الناس والخلق في الوجود، ليثبت لهم الوجود أن لا موجد للوجود غير موجد الوجود، الحي الحقّ، الواحد المعبود، وهذا يقوم في مقام العوالم التي يكون فيها من
يُعبَد فيها غير الله، وإن كانت ترفع إلى مقامات أعلى من ذلك، فلا شعار في الملكوت إلا: بلا إله اإلا الله.
-لأن الله أقام هذا الأمر على حكمة له ومنه وفيه، وأبدى ما أبدى منه من امتحان بعض خلق بأن إلهاً غير الله، ولا إله سوى الله، ولا خالق غير الله، على حقيقة المراد من الله، وعلى حقيقة مراد الله، مراد الله سبحانه وتعالى، ولا إله إلا هو شهادة حق لحق، كان أول الشاهدين بها ربّنا سبحانه.

-شهد الله أن لا إله إلا هو، وكذلك لا إله إلا أنت، شهادة مشاهدة وكشف كربات قامت في ظلمات من ظلمات من ظلمات، ظلمات البحر والليل وبطن الحوت، وظلمة الذنب والوحشة في حال سيّدنا يونس، فتجلّى عليه الجمال فقال:
-لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.
-لا إله إلا أنت سبحانك إني ظلمتُ نفسي فاغفر لي.
قال فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت. وهذا يستجار به، ويستحبّ ذكره سبعاً وسبعين مرة أو 19 مرة.

واجب استحضار مشهد سيّدنا يونس والدعاء :
-لا إله إلا أنت سبحانك إنّي كنتُ من الظالمين. 
-لا إله إلا أنت سبحانك إنّي ظلمتُ نفسي فاغفر لي.
لأنّك تستجمع وتستحضر مشهد سيّدنا يونس، ولا يخلو أحد من الناس من ظلام ليل، وظلام بحر الدنيا، وظلام ليلها وويلها، وظلام النفس وحجوباتها، وشهواتها وإفسادها وغوايتها وطغيانها وبغيها، وظلام نزغ الشياطين، وظلام حسد الحاسدين، وظلام لعنة الملاعين، وظلام جور الجائرين، وطغيان الطاغين، وبغي الباغين، وظلام المفسدين والحاقدين، وظلام الأنس والجنّ أجمعين.
فننادي دائماً: لا إله إلا أنت سبحانك إنّا كنّا من الظالمين.

حيثيّة وكيفيّة لا إله إلا هو :
-وأما لا إله إلا هو فيحسن الذكر بها، لأن هو الذي شهد لذاته بذاته على عظيم ذاته. 
-ثم أشهد أقرب من مخلوقاته.
-ثم أفرد ذلك لأهل العلم من كائناته، شهد الملائكة
(شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائماً بالقسط
لا إله إلا هو العزيز الحكيم). عزَّ فحكم وأحاط فما ظلم.
شهد الإنسان في خسر، وخسارة تستمر يوماً بيوم، كل لحظة من أيامه خسارة، ويكون مآل من خسر الخسران، وحبط الأعمال والنسيان: (نسوا الله فأنساهم أنفسهم).
(إنّا نسيناكم كما نسيتم يومكم هذا)، (أحصاه الله ونسوه)، (علمها عند ربّي في كتاب لا يضلّ ربي ولا ينسى).
(وما كان ربُّك نسيّا).

إنّ التقريرية وإقرار أمور أعظم في: “إنّ الإنسان في خسر” :
-الإنسان في خسر بأن التقريرية، التي قد تمتد بسرّها وفخرها إلى: ( إنا نحن نزّلنا الذكر). 
-وقد تمتد إلى إقرار أمور أعظم:
(إنّ الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى).
(إنّي أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى).
(وإنك لتدعو إلى صراط مستقيم صراط الله إنّ هذا لفي الصحف الأولى صحف ابراهيم وموسى).
وغير ذلك كثير.

” إلا المؤمنين” أصول الإيمان في القرآن :
*وإلا التي ذكرنا بعض أوجهها في القرآن، فكلّ إنسان في خسر إلا المؤمنين، والإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل. 

-والإيمان ما يكون بعد الإسلام، وما يكون بالشروط التي جعلها الله فيه إيماناً بالله وكتبه ورسله، وبالغيب والقضاء والقدر والجنّة والنّار، ثمّ الإيمان العملي بعد الإيمان القولي.

-وألا يكون مقامه كمقام المنافقين الذين كفروا من بعد إيمانهم
و(كالذين يعبدون الله على حرف، فإن أصابه خير اطمئن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه، خسر الدنيا والآخرة) .

-أن يكون الإيمان طريقاً للإحسان بالتزكية، قد أفلح من تزكّى وذكر اسم ربّه فصلّى. (قد أفلح مَن زكّاها).

-أن يكون الإيمان أن ليس من أحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربّه الأعلى، ولسوف يرضى.

-أن يكون الإيمان تسليماً لله، وقوفاً بين يديّ رسول الله، وأن لا يمرّ الإيمان مباشرة إلى الله دون نبيّه ودون رسوله، فمن مضى بذلك إلى ذلك، فقد خاب سعيه، كذلك لأن المؤمن الحقّ ملزم بالأدب، فالإيمان آداب، والإيمان أدب في الدخول على ملك الملوك ضمن سرِّ: (وإذا سألك عبادي عنّي فإنّي قريب). أي أنّ المؤمن الحقّ والذي صدق بالحقّ سيمضي إلى نبي الحقّ ورسول الحقّ الذي أرسله الله بحقّ وبمطلق الحقّ.

*هكذا بالحقّ أنزلناه وبالحقّ نزل فهذا مقام (وإذا سألك عبادي عنّي). مقام الذين يسألون رسول الله في حال وجود جسمه أو في حال وجود روحه وسرّه واسمه، وفي حال مجال اسمه، مجال الحمد وراية الحمد ولواء الحمد وسرّ الحمد في لواء المحامد، وعلى لسان كل حامد، وإذا سألك أنت وخشوك أنت بالسؤال وأتوا إليك، وفيكم رسوله وفيكم رسول الله، لا دعاكم إلى ما أحييكم فاستجبتم اتبعونِ يحببكم الله. أتبعناه وأحببناه وأحبّنا ربّنا، هذا رحمة الله للعالمين.
-إذا سألك عبادي الذين بلغوا مرتبة العباد وتجاوزوا مرتبة العبيد، وما ربّك بظلاّم للعبيد. الذين أقامهم الله سبحانه وتعالى فقامت لهم العبودية وقاموا بالعبودية حتى كان أعلى مقام النبي أن أسر الله بعبده، ولم يقل بنبيّه أو برسوله، والذي يشارك فيه الملائكة، وجعل الملائكة الذين هم عباد الرحمن،
-فيقام في باب الرحمن باب اسم الذات الذي يتعلّق بالذات
والذي لا يستوجب وجود المخلوقات والمرحومين كما
هو حال إسم الله الرحيم. فأقيموا بهذا السّرّ:
(وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً). يريدون وجهه بالتملّي في وجه رسول الله، فهو الذي يريده وجه الله:
(إذا سألك عبادي عنّي فإنّي قريب)،حينها يجيب دعوة الداعي إذا دعاه: (أمن يجيب المضّطر إذا دعاه). هو الذي يجيب ويستجيب ولكن من باب الحبيب، "ألا وإنّ الله معطٍ وأنا قاسم".

من باب الحبيب باب أهل البيت :
*وضمن باب الحبيب باب أهل البيت: الذين هم باب إليه، صلى الله عليه وسلم. "إلا المودّة في القربى"، "أهل بيتي سفينة النجاة". 

من باب أهل البيت باب الصالحين والنبيين :
*ومن باب ذلك أبواب الصالحين والنبيّين، وخلق الله المجتبين والشهداء والصديقين. 

*وأبواب الخير والإنكسار والذّل بين يدي الله والمآب والمتاب
والدعاء المستجاب، والحكمة وفصل الخطاب: (وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لوّوا رؤوسهم ورأيتهم يصدّون وهم مستكبرون). (ولو أنّهم ظلموا أنفسهم جاؤوك
فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توّاباً رحيما).

باب الإيمان هو باب أن نأتي رسول الله :
هذان بابان، فباب الإيمان هو باب أن نأتي رسول الله، أن نقصد رسول الله. الإيمان مشروط بهذا، ولا يصلح إيماننا بالله دون إيماننا برسول الله، ولم تقم لا إله إلا الله دون أن يكون معها محمد رسول الله، من قبل القبل وبعد البعد، ولا يقام إيمان بالحبيب صلّى الله عليه وسلم دون حبّ آل بيته الذي لا يخلو منه مسلم ومؤمن أبدا، ولا يبلغ مقام إحسان إلا بِنبيّ الإحسان، ولا يمكن أن يكون شأن لذي شأن إلا بعظيم الشأن
صلى الله عليه وسلم، ولا يقوم جاه لذي جاه إلا بعظيم الجاه،
صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولا يقوم فضل لذي فضل إلا بصاحب الفضل صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولا يفتح باب
لصاحب وسائل وطارق باب إلا بباب كل باب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ولا يطرق باب النبي إلا بالمولى عليّ وبآل بيت النبي: "أنا مدينة العلم وعليّ بابها"، وهكذا مراتب وعوالم في الإيمان، والإيمان بالله أن يؤمن بالله على وجه مراد الله وحقيقة وجود الله وحقيقة ذات الله ومجلى صفات الله وبالتوسّل بأسماء الله وأهل القرب لله يبتغون إليه الوسيلة أن يكون الإيمان بالله تحت بنديّ: تعالى ربّنا عن زمن زمان يطويه ومكان يحويه وشيء من خلقه يحلّ فيه، وعن نظير أو شريك أو شبيه، تعالى عن مشابهة المحسوسات ومجانسة الموجودات وأن تحلّ ذاته في أي ذات، تعالى ربّنا سمعاً وبصراً، له الحمد وله الفضل وله الملك، أقرب من كلّ أقرب، جهلت ذاته ولم تعرف، وتجلّت صفاته ليعرف، فلا يدرك ذاته فهم، ولا يصل إليها وهم، تعالى عن إدراك الأفهام أو إحاطة الأوهام، وكل ما خطر ببالك فالله غير ذلك.

إن الإنسان لفي خسر، لفي بليّة، ونحن الآن نجلس في هذا المجلس، كم من إنسان في خسر، كم من باغ ومفسد وقاتل ومجرم، وكم من إنسان في وجه من وجوه الخسر، بلاء وتقتيل وتشريد، ولكن الله أقام الربح والفوز والفلاح في الإيمان، فقال: (إلا الذين آمنوا). ما وقر في قلوبهم، وثبت في أعمالهم وتجلّى في مقالهم: (وهُدوا إلى الطيّب من القول
وهُدوا إلى صراط الحميد). يقول: (التي هي أحسن)، (وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما). (كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون)، يسجدون ويركعون، وهم هكذا إلى ربّهم يهرعون
فرّوا إلى الله، يفرّون إلى مولاهم، ويلوذون بمصطفاهم ومجتباهم.

ويضيف الله في سرّ سورة العصر:
وما أدراك ما سرّ صلاة العصر، وما أدراك ما بلاءات العصر، وما فيها من الشدّة والعصر، حتى يعصر المؤمن عصراً، ويواجهوا وقتاً ومقتاً وعصراً:
(أم حسبتم أن تدخلوا الجنّة ولمّا يأتكم مثل الذين خلَوا من قبلكم مسّتهم البأساء والضّرّاء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إنّ نصر الله قريب). ليميّز الله الخبيث من الطيّب: (ولنبلونكم بشيء من الجوع والخوف و نقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشّر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنّا لله انا لله وإنّا إليه راجعون). (الذين قال لهم الناس إنّ الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا).

وهكذا أضاف الله بابَين، بابانِ قائمان ليثبت للإنسان الانتصار
في مطلق ما كان لغيره من هزيمة، وليثبت له الربح والغنيمة، وعلو القيمة فيما يكون لغيره من عموم البشرمن خسر ومن أحوال عديمة وعقيمة.
إنّه يتواصى، وهذا التواصي وصيّة، تذكر دائماً، موعظة حسنة: (ادعُ إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) (وتلك حجّتنا آتيناها ابراهيم على قومه). (وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب).
(لقد منّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم
يتلو عليهم آياته ويزكّيهم ويعلّمهم الكتاب والحكمة).

الحقّ والصبر هذا ما تواصى به المؤمنون :
هو اجتباكم، دعاكم واجتباكم للإيمان، هؤلاء الذين نوّر الله بصائرهم فتواصوا، بماذا تواصوا؟ بأمرين عسيرين صعبين، ليس فقط في التواصي بهما، بل في العمل بهما، وكان هذا المؤمن الذي براه الله وأنجاه واستثناه من الخسر مطالب بعمل
ينجو به من الخسر: (تواصوا بالحق، وتواصوا بالصبر).

-بالحق أنزلناه وبالحقّ نزل، فمن يعلم أنّه الحق من ربّك، حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق، (وقل الحق من ربكم)، (هو الحق فتعالى الله الحق لا إله إلا هو)، (وجاءت سكرة الموت بالحق).

مقام كامل للحق والحق مُرسل بمهمّة :
مقام كامل للحق، أساس من أسس الملكوت الحق، فالله هو الحق ودينه الحق ونبيّه الحق، والساعة حق، والموت علينا حق وكذلك حق أن نبعث، والحق مرسل بمهمة: (وقل جاء الحق وزهق الباطل) وزهق الباطل، وزهق الباطل (إنّ الباطل كان زهوقا). (قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد) (بل نقذف بالحق على الباطل  فيدمغه فإذا هو زاهق) . 

صعوبة الحق ومعارك بين الحق والباطل :
-شهب الحق المرسلة من عند الله، الحق صعب، قوله صعب
الثبات عليه صعب، قال الامام عليّ: "أيها الحق لم تذر لي صاحب" ، "وعندما يصمت أهل الحق يعتقد أهل الباطل أنّهم على حقّ"! وليس مَن طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأصابه، وبين الحق والباطل معارك أعظمها أن يتقمّص الباطل الحقّ، وأن ينسب الحقّ الى الباطل، أن يلتحف المدنّس بالمقدّس وأن ينسب الدّنس للمقدّس، وكذا حق على قوم أن يصبروا بحق، وحقّت كلمة ربك، وبالحق أنزلناه.
(لقد حقّ القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون). ولكن حقّت كلمة
العذاب على الكافرين.

أصول الحق :
 إنّن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون، تواصوا بالحق، والوقوف مع الحق، ومعرفة الحق، لأن معرفة الحق صعبة بحق، والثبات على الحق أصعب من معرفة الحق، أن نعرف الحق حقاً ونرزق اتّباعه، وأن نعرف الباطل باطل ونرزق اجتنابه، فكم من عارف للحق لم يرزق اتباعه، وكم من عارف للباطل لم يرزق اجتنابه، وكم ظن أنّ  أمراً هو حق فإذا هو باطل، (وزين لهم الشيطان أعمالهم)، (وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعا)، (أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا) 
، وكم من حق يجاور حقا، فلا يرى صاحب الحق أن ذلك الحق حق كما لم ير موسى وهو على حق أحقّيّة ما فعل
الخضر وهو بفعل الحق أحقّ.

وهكذا ورسولنا محمد النبي الحق، نطق بالحق ونصح للحق، وآمن بالله الواحد الحق، والله ربنا هو الحق، فإذا أكثرنا ذكر اسم الله الحق 70 مرة، وإذا أتينا بآيات ذكر فيها الحق، وهذا سننشره بينكم اسمه وظيفة الحق، ترزق معرفة الحق بعون الله، وترزق فهم الحقائق التي تنحجب عن سواك في دخان الأيام وفيما يكون فيها من ظلام وقتام (تواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) (مَن يتّق ويصبر فإن الله لا يضيّع أجر المحسنين) (فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل)، وآخر أسماء الله الصبور(إنا وجدناه صابراً نعم العبد إنه أوّاب).
(وبشّر الصابرين). (واصبروا وصابروا ورابطوا).

-دعاء الله للصبر وبالصبر، وتبشير للصابرين لأن الدنيا دار امتحان يبتلى فيها الحق بالباطل ويبتلى فيها الإنسان بالإنسان
، وبالشيطان وبِمحن الزمان وبسَريان الحدثان بالحياة والموت، وما بعد الموت، فجعل الله سبحانه وتعالى في قَسَم العصر: (وإن الإنسان لفي خسر) استثناء لأهل الإيمان الذين (تواصوا بالحق وتواصوا بالصبر).

سورة العصر: قلّت كلماتها وعظمت آياتها :
 سورة قلّت كلماتها وعظمت آياتها، سورة تستحق أن نقف عندها والأمة اليوم تعاني ما تعاني والإنسانية تتجرّع ما تتجرّع وقد أحيت بها وأريد بها شراً، وقد ظهر الفساد في البرّ والبحر جهراً وسرّاً، وقد ضاق المؤمنون فيها علقماً ومرّاً وقد أمضى الله أمره عسراً ويسراً، وأمضاه أمراً فأمراً. 

الإنسانية بتطوّرها في هذا العصر لفي خسر :
-هكذا نحن اليوم أيها الأحباب، أيها المؤمنون، يا عشاق الحبيب صلى الله عليه وسلم، بلى نحن اليوم في امتحان، وبلى إن الإنسانية كلّها بحضارتها وتطورها اليوم في هذا العصر لفي خسر، وإنّ الذين يحاربون ويخطّطون ويقتلون ويفسدون ويسفكون ويستكبرون ويعصون ربّ العالمين، لفي خسر وخسران مبين. 

أعوام مرقومات ويأتي الله بأمره :
-وإنّها لسوء التجارة وأعظم الخسارة، وإنّما هي أيام معدودات وأعوام مرقومات، ويأتي الله بأمره على ما أراده إعجازاً لخلقه وإظهاراً لأمره وتحقيقاً لوعده ونصراً للمؤمنين الذين يرثون الأرض وما عليها، وإنها لبُشرى للصالحين، أمر يتمّه الله ولو بعد حين، فَبسرّ هذا العصر وبسرّ ما فيه، وبِسرّ سورة العصر وما تبديه وما تخفيه، وبسرّ النبي الذي
ما زال ربّنا لكلّ مكرمة يجتبيه ويصطفيه، وبسرّ ما نطق من فيه وبسرّ البيت ومن فيه، وبسرّ الأمر الذي يقرّ به كل ملك ولا ينفيه، بكلّ سرّ من الله سبحانه وتعالى.

نحن في زمن العصر :
نحن في زمن العصر، وفي شدّة عصر العصر، يعصر المؤمنون عصرا، ويلقون فيه ما يلقون فيه. كلّ الانسانية في خسرإلا الذين آمنوا ولو بدا أنهم فعلاً خاسرون. 
-لقد قتل ابن فاطمة الزهراء ولم يخسر، وقتله قاتلوه، وفي الحرب ربح هو ولم ينتصروا، ويقتلوا القاتلون اليوم وهم غير منتصرين، ويُقتَل المقتولون اليوم وهم غير مغلوبين، إنّما يمتحنهم الله، فمَن لقي ربّه فقد فاز، ومن نعم بالشهادة فقد اجتاز، ودون ذلك إذا أمررناها إلى غير ذلك من الأحوال.

المؤمن في ربح مهما خسر :
فالمؤمن مهما خسر هو في ربح وضمانة بعون الله، فكلّ يوم يمضيه في عبادة مولاه والتسبيح له، نصر لا خسر، وكل يوم يمضيه في يسر أو عسر، ذاكراً حامداً شاكراً مصلّياً داعياً متفكراً؛ وذكر الله أكبر هو في يسر وربح لا في خسر، إن مضت به الأيام والأعوام فكان في قرب إيابه وغيابه وفي نصر وفي تمكين ما دام يسجد لرب العالمين. 
إنن كان شاباً جعل طاقته في ذكر ربّه وخدمة الناس وبناء الأوطان وتثقيف الإنسان، إن كان حاكماَ حكم فحكم عدل فلم يظلم، بنى فلم يهدم، فهم ولم يوهم، وقام حيث يفهم، فإنه كذلك في نصر وإذا كان محكوماً من الرّعيّة ورعى ولم يخرّب بلاده ولم يظهر عناده ولم ينشر ما أبدى الشيطان إذ نشر في الأرض فساده أعطاه الله فزاده الحسنى وزيادة، ويزيدهم خشوعا، (وإن شكرتم لأزيدنكم)، (أقول رب زدني علما)
يزدادون ويزدادون ويزدادون خيرا، واذا أفضى إلى ربه كان منتصرا تتوفّاه الملائكة مع الطيبين، ينادى في محفل
الوفادة على حسن العبادة ومعنى الإشادة وخير استفادة، ينادى على معين عين الشهادة (يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك) فيسعى في عباده ويسعى الى جنّته ويرجع ويدخل في العباد والجنة يهدى الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم، فيقوم قيامة الحق ويوفى صبره بغير حساب (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) (إنه من يتق ويصبر
فإن الله لا يضيع أجر المحسنين).

هكذا تكون معاني هذه الصورة على هذه الصورة، وهكذا الله سبحانه وتعالى أنزل القرآن هدياً لعباده وإرشاداً لهم وإمداداً وإسعاداً لهم وإكمالاً لهم أنزله على خير خلقه، على صدر أشرف مخلوقاته فأنطقه بلسان سيّد كائناته من الروح القدس والروح الأمين إلى طه الأمين، إلى ياسين وآل ياسين إلى صحابة مقرّبين وإلى الأولياء والصالحين والشهداء والصدّيقين، وأجرى نوره من قبل على ألسنة المرسلين والنبيّين من آدم الطين إلى من هم قبل آدم الطين، ومن الأرض إلى أعالي عليّين وما فوقها إلى عرش القويّ المتين على ألسنة الجنّ المؤمنين والجان المسلمين، وعلى ألسنة الملائكة والرواحين وعلى ألسنة وأسرار الشاهدين والمسبّحين من خلق الله أجمعين.

إن من شيء إلا يسبّح بحمده، هكذا سافرنا مع العصر، وهكذا نظرنا في حقيقة العصر، وهكذا مدرسة آل بيت النبي والمدرسة الخضريّة في تفسير القرآن، وإن لي كتابان في هذا: موسوعة اسمها لآلئ الجنان في معاني القرآن فيها إفاضة واستفاضة في المعاني الظاهرية والباطنية، حتى أنّ بعض معاني بعض الآيات ليبلغ 70 وجهاً، فيها من اللغة ما هو فريد وفيها من المعنى ما هو جديد وفيها ما يفيد، وما منه كل مؤمن بارّ برّ يستفيد، وفيها أصول وفيها رجع، رجع لأصوات الأوّلين من المفسّرين وفيها من الله زيادة، وفيها لآلئ المعاني التي كانت في صدور آل بيت النبي وأئمتهم وأقطاب أهل الله فمرّت من صدر إلى صدر ولم تعبر من سطر إلى سطر.
وأما الموسوعة الثانية والتي ما زلنا نعمل عليها فإسمها:
المرتقى من تفسير المنتقى، أي آيات منتقاة أو صور في تفسيرها، مع ما يكون من رسائل ومن وسائل ومن ردود
ومن ضحض لحجة الجحود ومن أمور أخرى تكشف بعون الله في وقتها ولو بعد عقود.

فالحمد لله الذي علّمنا وأفهمنا وجعلنا من ذرّيّة سيّد خلقه، ومن أبناء ابنة سيّد خلقه ومن أولاد الكرّار على الظالمين من خلقه، ومن سبطين نيّرين أكرمين، ومن سلالة مطهّرة وشجرة مباركة بكلمة مباركة أصلها ثابت وفرعها في السماء تعطي أُكلها كلّ حين بإذن ربّها، والحمد لله الذي علّمنا وأفهمنا وسلّمنا ورفع حجّتنا فوق ما يدّعي المدّعون وما ينطق به الظالمون وما يأفك به الأفّاكون ويأفق به الأفّاقون
وما يبديه أو يسرّه المنافقون، فَبرا مدرستنا منهم فلم نأخذ عنهم، ولم ننظر إليهم ولم نأسى عليهم، والحمد لله الذي نجّانا فنجّانا فنجاّنا، فكم ابتلانا ثم أنجانا، والحمد لله الذي له سرّ العصر، فكتب لنا النصر ولم يجعل أعمالنا في خسر، وثبّتنا في العسر واليسر والحمد لله على رمضان وعلى أيام رمضان.

ابتغوا إلى ذي العرش وسيلة وابتغوا إليه بالدعاء والإخبات، ونحن بعون الله نستطرق من هذه المدينة الطيّبة من رياض الخير ومن قبل من مجمع البحرين ومن قبل ذلك من أرض سيّدنا مازن، عمان الخير ومن مصر الكنانة، ومن خضراء افريقية وسرّها نستطرق الباب على حضرة المصطفى رفيع الجناب لنعيد زيارة إليه في ليال العشر، وليكون لنا، وليكون لنا معه عهد نلقاه يوم الحشر، ولنطوف بالبيت العتيق ونطوف به ونسعى بين الصفا والمروة وننظر في الآيات البيّنات ومقام ابراهيم، وأن نصلّي عند الكعبة الشريفة، وأن نمضي لصاحب السكينة نور المدينة ابن السيدة أمينة، آمنة المؤمنة الطيّبة التي فارقته وهي حزينة مستبشرة مستيقنة أنّه سيد الخلق وأنّه إمام الأو ّلين والآخرين، نطرق الباب على حضرته صلى الله عليه وسلم بأدب وبذلّ حال وافتقار واعتراف بالتقصير وبسرّ من عنده ولفظ من عنده ونور منه إليه، دلّ الله به عليه.
ليس كلامنا ولا مقامنا إلا من تحت قدمه الشريفة التي رفعت
فوق العوالم المنيفة إلى أعلى عليّين وما فوق ذلك.
حفظ الإله كرامة لمحمد
آباءه الأمجاد صوناً لاسمه
تركوا السفاح فلم يصبهم عاره
من آدم وإلى أبيه وأمه

وكان من منارات فجر هذا اليوم وما كان من قيام ليله، وما كان من استمطار دمعه وفيضه وسيله، وما كان من نجيع وجعه وويله، إذ للأشواق أوجاع.

إن كنت لم تذق الغرام فإنني، قد سكرت بأمر عظيم، وقد همت في أمر عظيم.
إن كنت لم تذق الغرام فإنني
ثمل بكأس للغرام دهاق
ما كنت أعلم ما الصبابة والبكا
لولا فراق خريدة معناق
ودّعتها والدمع يشكو بيننا
وكذاك كل مودِّع مشتاق
شغلت بتنشيف الدموع يمينها
وشمالها مشغولة بعناق

هكذا أنشد الشيخ حسن الفارسي وهكذا قال من قبل الولي الكبير الشيخ عبد الرحيم البرعي في قصيدة يناجي فيها رسول الله مستهلّها غزلي، فكان استئناس بابنا إلى رسول الله
ما ننشره بحول الله بينكم، وما نشرف بأن نقرأه عليكم عليكم الآن.
بسم الله الرحمن الرحيم
(لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتّم
حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم).
(يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً مبشراً ونذيرا وداعياً إلى الله بإذنه وسراجا منيرا). (وبشّر المؤمنين بأنّ لهم من الله
فضلا كبيرا). (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين).
(يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون).
فكيف إذا جئنا من كلّ أمة بشهيد، وجئنا بك على هؤلاء شهيدا؟ (ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم)
(وجئنا بك شهيدا على هؤلاء ونزلنا عليك الكتاب تبيانا
لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين).

*السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا حبيب الله، السلام عليك يا نبي الله، السلام عليك يا أحبّ الخلق إلى الله، السلام عليك وعلى والديك وكافليك، وكل منسوبٍ إليه وكلّ منسوب إليك، على أصولك وفروعك وآل بيتك الطيّبين، وعلى من تبعك وصدقك من المؤمنين، وعلى عباد الله الصالحين أجمعين، وعلى النبيين من قبل والمرسلين، وعلى ملائكة القدس المقرّبين وعلى كل خلق الله الطيبين.

السلام عليك أيها المجتبى الأين، وعلى روحك والروح الأمين، السلام عليك يا باسط اليمين، السلام عليك أيها المجتبى الأمين، وعلى روحك والروح الأمين، السلام عليك يا باسط اليمين وعلى السابقين وأصحاب اليمين، وعلى مَن يؤتَ كتابه باليمين وعلى من عاهد فبرّ باليمين.

السلام عليك يا إمام المتقين وقبلة العاشقين وعروة أهل اليقين. السلام عليك يا قائد الغرّ المحجلين. السلام عليك في الأوّلين والآخرين. وفي الملأ الأعلى إلى يوم الدين.

والصلاة عليك في برازخ الماكثين ومرقوم عليّين، صلاة بعدد الأوّلين وتعداد الآخرين، ومن خلق الله من سلالة الطين
وما خلق من قبل من الآخرين وعدد ما أبدى ربّنا وأخفى وما أحصى كتابه المبين، وما يأتي وما يمضي وما يخفى وما يبين، وما كان وما يكون وما يبصرون وما لا يبصرون،
وما في ملكوت الله من المخلوقين، وعدد الأقدار والأعمار والمواقيت والسنين، وما أجرى الله من الأمر على مطلق الإرادة والتمكين، وعدد التقدير والتصوير والإنشاء والتكوين.
وعدد الإخفاء والإبداع والتعديل والتزيين. وتعداد الأعداد والآماد إلى أبد الآبدين، وعدد اللغات والكلمات والحروف والتدوين.

الصلاة والسلام عليك يا ملاذ الخائفين وغيّاث المبتلين، وحجّة القويّ المتين. الصلاة والسلام عليك يا من زيّنك الله وطهّرك وأبداك وأظهرك وجمّل باطنك ومظهرك ورفع ذكرك وأشهرك.
الصلاة والسلام عليك يا مَن مولاك دلّلك ونصرك ومدّ لك
وخلقك وعدّلك وأعطاك وعد واعد لك، وحلّاك وجمّلك وربّاك فكمّلك وسخّر المخلوقين لك.

الصلاة والسلام عليك يا صاحب العمامة ومولى الإمامة والختم والعلامة، شفيع الناس في يوم القيامة، يا مَن طاعته سلامة وعصيانه ندامة، يا مَن سعت به الكرامة وظلّلته الغمامة وسترت عليه الحمامة ونصر الله به الدين وأقامه.

-اللهم صلِّ وسلّم على جدّي وسيّدي ومولاي وشاهدي وناظري الذي ألقى علي من سرّه والذي ألقى علي من حبّه.
اللهم صل وسلم عليه جدّ الحسنين كحيل العين طه الزين
الذي ما خلق الله منه اثنين، عماد وسرّ الجنّتين إمام القبلتين.
-اللهم صل عليه في كل حين وصليّ عليه في المؤمنين والنبيين والصالحين صلّ على روحه في الأرواح جسده
في الأشباح.

-وصلّ على قائد الغرّ المحجلين الملاح، الداعي إلى سبيل الفلاح. اللهم صلّ عليه عدد السّرّ وما في السّرّ وما في البحر وما في البرّ وعدد ما نجّيت من الضّرّ، وعدد ما انصرفت عنهم أو كتبت عليهم الشّرّ يا أرحم الراحمين.

-بالصّلاة والسلام على رسول الله، بالمحبة والهيام في رسول الله، بِسرّ سرّ لا إله إلا الله، بنور نور محمد رسول الله، بخير من ارتضاه وأشرف من اصطفاه وأفضل من قدّس لله وسجد لله. وأعظم خلق الله الهادي الأمين سيّدنا رسول الله.

نطرق باب المدينة ونطرق باب السكينة ونطلب ونسأل ونتوسّل أن نركب السفينة بجاه أصحاب السفينة، بجاه فاطمة
وخديجة وآمنة الأمينة ومريم من قبل فقد كانت على سرّ ربّها أمينة وبكل من بهم تكشف الكربات وتضحك الأنفس الحزينة والأرواح الحزينة، بمن بهم نبلغ السكينة، بمن بهم يرضى الله علينا ويجعل السرّ فينا، بمن بهم نعلو وإن اُبتلينا، بمن بهم كفينا وشفينا وأعطينا من فضل الله.

ثبّت اللهمّ المؤمنين، واكشف البلاء عن المبتلين، واجعلنا في عين وقلب رسول الله سيّد الأولين والآخرين. اجعلنا اللهم في روح وعين طه الأمين، واضرب اللهم المفسدين، واضرب اللهم الباغين والطاغين، خذهم كما اأخذت عاداً وثمود وفرعون منذ حين، بأمرك الذي سيحين، واجعل معنا اللهم الملائكة والرواحين، واجعل معنا الأبدال والأقطاب والأغواث والصالحين، أصلح اللهم حالنا، وطمئن اللهم بالنا، وأدخلنا الجنة عرّفتها لنا، زكِّ اللهم فعالنا ومقالنا، جمّل بجمالك وجمال حبيبك جمالنا، جلّل بجلالك وجلال حبيبك جلالنا، كمّل بكمالك وكمال حبيبك كمالنا، اجعل الحق مقالنا، واجعل الجنة مآلنا، واجعلنا اللهم من الشاهدين والمؤمنين
، وتوفّنا وأنت راضٍ عنّا، ونادنا مع المرضيّين نفس مطمئنة راضية مرضية، راضية عن ربّها مرضية منه، دالّة عليه ملهمة عنه.

-اللهم واجعلنا مع آل بيت الحبيب، واجعلنا اللهم مع أصحاب الحبيب، خير الناس أصحاب سيدنا محمد الذين أيّدوه، وناصروه ونصروه، وآمنوا بالله فلم يكفروه وثبتوا على العهد فلم ينقضوه، وصدقوا بالحق فلم يجحدوه، والذين
والوا أمير المؤمنين فلم يعادوه ولم ينافقوه ولم يحسدوه.

-اللهم ارض اللهم عن هؤلاء الصحابة، أصحاب الإجابة والإنابة وأعظم لهم الجزاء والمثابة، واشملنا اللهم بمن شملت من رحمتك من النبيين والمرسلين، واجعل حولنا الملائكة يحفظوننا يا رب العالمين.

-الحمد لله الذي نجاّنا وصرف الضّرّ عنّا، والحمد لله الذي أظهر السّر لنا وأبداه منّا.
-والحمد لله الذي أعطانا وهو ذو فضل وبذل ومنّة. والحمد لله الذي وعدنا الجنة وسيدخلنا الجنة. والحمد لله على نبينا محمد نبي القران والسنة. صلى الله عليه وعلى والديه وكافليه ومهجته وعينيه وأصوله وفروعه وكل منسوب له ومنسوب إليه ومحسوب عليه.

نصيحة في الختام

*أحبابنا نترككم الآن إن شاء الله في ضمان وأمان الله سبحانه وتعالى. يا الله خيراً مَن سمع الكلام فاتّبع أحسنه، وهدانا الله وإياكم، وهذه أيام مباركات طيّبات، اغتنموا فيها الصلوات واغتنموا فيها التسبيحات.
صلّوا إلى الله صلاة مقترب لا صلاة مغترب صلاة منّ أراد القرب لا صلاة من اضّطر إلى القرب.
صلاة مَن أتى إلى الله محباً لا من أتى لواجب يقوم به واذكروه ذكراً كثيرا وسبّحوه بكرةً وأصيلاً، واعلموا أن ربكم يرى وأن ربكم يسمع وأن ربكم يعطي وأن ربكم ينفع وأنّه الضّر يدفع، فمن ابتلي فليصبر ومن منح فليشكر، واعلموا أن هذا بيان آل بيت النبي وأنّه لا يقوم لقائم إلا من قام بهم ومن قام عنهم وأنّه يصعب عن الفصحاء ويعصر عن البلغاء، وأنّه لا يكون إلا برضوان ربّ الأراضين والسماء، وبختمة سيد الأنبياء وبِسرّ أصحاب الكساء ونظرة فاطمة سيّدة النساء، وإن هذا به من يفرح وبه من يساء، فأما المحبّون فبه فرحون وأما الذين كرهوا نظروا إليه بعين القبح فهم مُقبِّحون ومُقبَحون وهم فاسدون ولا يصلحون ولا يصلحون.

-فالحمد لله عدد ما يبصرون وعدد ما لا يبصرون وعدد ما يعلمون وعدد ما لا يعلمون، وعدد من هم في الدنيا وعدد من سقوا كأس المنون، وصلى الله على الممدوح في (نون والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون) .

والسلام عليكم ورحمة الله وتعالى وبركاته، أترككم مع هذا الجمال والمقال مع حبيبي الذي هو الآن في برازخ السعادة والفرحة مع الشيخ البرعي والصالحين حبيبنا الشيخ حسن الفارسي.
حياكم الله جميعاً وإلى لقاء إن شاء الله من مدينة رسول الله بنفحات وأدعية وإمداد وأذواق وأحوال جميلة وعجيبة.
وأرجو أن يكون من تلاميذ ومريدي وأتباع الذين يتبعون نهجي العلمي والمعرفي، من يحسنون الظن ومن يفهمون أنها مدرسة خضرية كثيرة امتحاناتها، وأنه قد ترى أمراً تظن به ظناً ويكون الحق غير ما تظن، فأحسن الظن هداك الله وبارك الله فيكم جزاكم الله خيراً، والى اللقاء

كلام حديث عهد بربّ العالمين :
شاركوا هذا الدرس إن شاء الله إذا احببتم ذلك حتى تنفعوا به الناس يكون فيه خير واستئناس وأرجو من أبناء الذين يكتبون أن يكتبوه وأن ينشروه، هذا تفسير راقي، نعم كتبت من قبل ولكن الحمد لله هذا شيء فيه كلام حديث عهد بربّ العالمين،  الله يشهد والملائكه تشهد أن الذي حاز الكمال محمد مسك ختام لخير كلام وخير مقام، الله يشهد والملائكة تشهد أن الذي حاز الجمال محمد صلى الله عليه وسلم. 

إذاً بعون الله سيكون لنا نشر لأدعية كثيرة وقصائد ومناجاة وفيض، والرحلة أخذت منّي الآن قرابة ثلاثة أشهر.
الحمد لله، ولقينا فيها من عنة ومن مرض ومن ألم ومن امتحان، ولقينا فيها من خير ومن رضوان والحمد لله تلك الأيان كما أرادها الله.
النشيد: الله يشهد والملائكة تشهد، الشيخ حسن الفارسي وهو مقرئ وفقيه عماني جليل رحمه الله، ولديه روائع الحقيقة، وتحية لكل من تابعنا، وإلى اللقاء إن شاء الله في دروس أخرى.
وإن شاء الله هذه النفحة لمست قلوبكم بحال استغراق تكون في هذه النفحات الجميلة بالمحبة وبالرضوان، في أمان الله يرعاكم الله جميعاً، تقبل الله منكم الصيام والقيام وتقبل الله منكم الأعمال والأفعال وعفى الله عنا وعنكم ورضي الله عنا وعنكم وسمي لنا بنظرة حبيبه صلى الله عليه وسلم، وأدخلنا في الكنف المبارك.
وبارك الله في كل من يسعى بخير في أمة رسول الله، ونحن الحمد لله لا نقول إلا حقا أياً كان كلام يصدر عنا، والله ما نقول إلا حقا ولا ننطق إلا صدقا.
والحمد لله على ذلك..
السلام عليكم.

منشورات ذات صلة

تهنئة الشيخ مازن الشريف بعيد الفطر من المدينة المنورة

عندما ياتي رمضان، يتغير نسق الزمان.وتتنزل الرحمات، وتفيض البركات.أما اذا كان رمضان… شاهد المزيد

30 مارس، 2025
رحلة وعيد

بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله الذي بلغنا شهر رمضان المبارك، وجعل لنا… شاهد المزيد

30 مارس، 2025
كلمة الشيخ الدكتور مازن الشريف عن الأدب مع رسول الله في رمضان

ألقى فضيلة الشيخ الدكتور مازن الشريف محاضرة في جامع مصعب بن عمير… شاهد المزيد

22 مارس، 2025
الفاتحة في أحكام الفاتحة

من الليالي المباركة لرمضان 1446 : معاني الفاتحة من كتابه، الفاتحة في… شاهد المزيد

20 مارس، 2025
الإمام الشافعي في حضرة زيارة الشيخ الدكتور مازن الشريف

"يا آل بيت رسول الله حبّكم.. فرض من الله في القرآن نزّلهيكفيكم… شاهد المزيد

13 فبراير، 2025
الرجل المتواضع

"بمناسبة ذكرى مولد الشيخ الدكتور المعلّم مازن الشريف" وَقَالُواْ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ… شاهد المزيد

27 يناير، 2025