رحلة وعيد

30 مارس، 2025
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي بلغنا شهر رمضان المبارك، وجعل لنا فيه من الرحمة والبركات ما يعجز عن وصفه اللسان، وجعل من عيد الفطر مناسبةً لفرح الصائمين والقائمين. اللهم تقبل منا صيامنا وقيامنا، واغفر لنا ما مضى من ذنوبنا، وتقبل منا صالح الأعمال.

أما بعد، فبمناسبة عيد الفطر السعيد، أرسل لكم أسمى آيات التهنئة والتبريكات من مدينة المصطفى صلى الله عليه وسلم، حيث الرحمة تفيض والبركات تتنزل، والقلوب تزداد خشوعًا في حضرة حبيبنا محمد عليه الصلاة والسلام. وكما يعلم الجميع، العيد في مدينة الحبيب له طعم خاص لا يشعر به إلا من عاش أجواءه هناك، حيث نجد أن الخير يعم والأرواح تطمئن، ويتنزل فيها الفضل بأوقات الصلاة وعبادات رمضان.

هذا العام، جاء العيد بعد جولة مباركة دامت أكثر من ثلاثة أشهر، جال خلالها القلب والروح في بلدانٍ مباركة وحضاراتٍ عريقة، عشت فيها لحظات من العبادة والتأمل والذكر، وزرت خلالها أراضٍ طاهرة. كل واحدة منها كانت تروي لي قصصًا من مآثرها وشعبها الكريم.

انطلقت من المملكة المغربية الشريفة، حيث التاريخ والجمال في ربوعها يتناغمان، والشعب المغربي الذي يتسم بالكرم والطيبة، وفيها طابع ثقافي أصيل لا يتكرر في العالم. من ثم توجهت إلى تونس الخضراء، حيث الطبيعة الغناء وتاريخها العريق الذي يروي للزائر تفاصيل حضارة عظيمة. بعدها كانت الزيارة إلى جمهورية مصر "أم الدنيا"، حيث الأهرامات الشامخة التي تمثل عظمة هذا البلد التاريخي، وأهلها الذين يتمتعون بالعلم والكرم والأدب.

ثم توجهت إلى المملكة العربية السعودية، حيث كانت البداية في جدة على ضفاف البحر الأحمر، تلك المدينة الجميلة التي تجمع بين التاريخ والتقدم. أما الرياض، فتظل قلب الأمة النابض، حيث العراقة والمعاصرة في تناغم عجيب. وبعدها كان الاتجاه إلى سلطنة عمان، حيث كل مسجد فيها يمثل سفارة ثقافية لبلدٍ ما، وبين أهلها الذين يتسمون بالتسامح والضيافة التي تميزهم.

ثم انتقلت إلى مملكة البحرين، حيث يبرز التآلف بين الأديان والثقافات، ويعكس سموًا في الأرواح ورفعةً في الأخلاق. وفي كل مكان زرته، كان لي أن أتأمل في الحضارات والشعوب التي صادفتها، والتي تُعد بحق نبراسًا للقيم والعلوم.

ولكن أقول لكم، ما كانت هذه الرحلة لتكون بهذا الجمال وهذه الحالة لولا رفقة المعلم الذي جعل لهذه الرحلة معنىً آخر، وجعل لها روحًا لم أكن لأجدها لولا توجيهاته. وتجسدت فيها حكمةٌ قديمةٌ تعلمناها: "لا يكون حكمك على رجلٍ منصفًا حتى تسافر معه." فكلما طالت الرحلة، كلما اكتشفت أكثر، وظهر المخبوء في هذا الرجل الذي هو استثناء بحق.

لقد كان المعلم في العلم، حين يتكلم، يغرف من بحرٍ لا ينضب، ويقدم الحقائق والرؤى بأسلوب أدبي بديع، فيه من الجناس والكباث والمحسنات ما يُروي ضمأك في سوق عكاظ، وكل ذلك مرتجلٌ وليد اللحظة. ولكم كان مدهشًا في خطبه، حيث يصوغ الكلمات بسلاسة لا مثيل لها، ويخطئ القارئ أن يأتي بمثلها من ورقٍ. ولكن هذا ليس كل شيء.

أما في المحادثات الخاصة، فيملك طريقة رائعة في التواصل، كأنه مرآة تعكس جوهر الإنسان، ولا تعكس الظاهر فقط. يا لَتلك اللحظات التي مرّت خلال عمر العلاقة بيني وبينه التي تزيد على عقدين من الزمان. ومع مرور الأيام، اكتشفت معدن هذا الرجل الذي لا يغيّر فيه الزمن إلا ليزداد نصاعةً وصفاءً، مهما كانت الظروف. كان عزيز النفس، مستغنيًا بما لديه، رغم أن جيبه كان فارغًا، وكأن الأموال والهبات لم تكن تستطيع أن تغير شيئًا في طباعه. فعلاً، كانت الدنيا في جيبه لا في قلبه، وهذا كان سرّ العظمة التي تجسد فيها.

ما جعلني أشعر بالحظ العظيم أنني رافقت رجلاً يملك كما الملوك، يتحدث باسم العلم، ويمزح كما البسطاء، ولا تزيده الأيام إلا عزًا، ويزداد هو تواضعًا. كلما تحدث، زادني علمًا ومعرفة، وكلما صمت، ألهمني بصدق إيمانه وحرصه على الحق.

وفي هذا العيد، أستذكر قول الحبيب صلى الله عليه وسلم: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله." فأنا أشكر الله على نعمة هذه الرحلة المباركة، وأشكر هذا المعلم الذي كان لي نعم الرفيق. والعيد عند حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم ليس كالعيد في أي مكان، بل هو عيدٌ آخر، عيدٌ يعطره الرضا والرحمة، ويشع منه السرور، ويأسر القلوب بلطفه وبركاته.

أجدّد لكم التهنئة بحلول عيد الفطر المبارك، وأسأل الله أن يعيده عليكم باليمن والخيرات، وأن يجعل أيامكم مليئة بالأفراح والبركات. أسأل الله أن يتقبل منا ومنكم الصيام والقيام، وأن يجعل هذا العيد عيدًا مباركًا سعيدًا، وأن يعيد علينا شهر رمضان أعوامًا عديدة وأزمنة مديدة ونحن في صحة وعافية.

إلى أمي الغالية، وإلى عائلتي الحبيبة، وإلى تلاميذتي في كل مكان، وإلى أصدقائي المخلصين، دمتم لي فخرًا وسندًا، وبارك الله في أعماركم وأعمالكم.

محبكم في الله،
ربيع الإدريسي
من المدينة المنورة
الأحد، 30 رمضان 1446 هـ

منشورات ذات صلة

النصر في معاني سورة العصر

كما جاء في شرح وتفصيل وتفسير لفضيلة الشيخ الدكتور مازن الشريف مرّ… شاهد المزيد

30 مارس، 2025
تهنئة الشيخ مازن الشريف بعيد الفطر من المدينة المنورة

عندما ياتي رمضان، يتغير نسق الزمان.وتتنزل الرحمات، وتفيض البركات.أما اذا كان رمضان… شاهد المزيد

30 مارس، 2025
كلمة الشيخ الدكتور مازن الشريف عن الأدب مع رسول الله في رمضان

ألقى فضيلة الشيخ الدكتور مازن الشريف محاضرة في جامع مصعب بن عمير… شاهد المزيد

22 مارس، 2025
الفاتحة في أحكام الفاتحة

من الليالي المباركة لرمضان 1446 : معاني الفاتحة من كتابه، الفاتحة في… شاهد المزيد

20 مارس، 2025
الإمام الشافعي في حضرة زيارة الشيخ الدكتور مازن الشريف

"يا آل بيت رسول الله حبّكم.. فرض من الله في القرآن نزّلهيكفيكم… شاهد المزيد

13 فبراير، 2025
الرجل المتواضع

"بمناسبة ذكرى مولد الشيخ الدكتور المعلّم مازن الشريف" وَقَالُواْ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ… شاهد المزيد

27 يناير، 2025