من يسمع أغنية "كلام" للشاعر الدكتور مازن الشريف يتبادر إلى ذهنه قصيدة جميلة لنزار قباني مطلعها : "قل لي ولو كذباً كلاماً ناعماً"، القصيدتان من ذات نمط الخطاب الأنثوي بلسان الشاعر، والشاعر الشريف لا يخفي تأثّره أحياناً بنمط نزار قباني، إذ يحيي بشاعريّته ذكرى شاعر عظيم تصدَّرَ روعة وتجديد الشعر في العصر الحديث! كذلك لا تخفى جمالية هذا النمط!! فالأنثى عموماَ تحبّ أن يتفهّمها الرجل لدرجة تقمّصه حالها، مختصراً اهتماماتها، عارفاً بمكنوناتها، غادياً حال مشاعرها، مستدركاً منطق أفكارها. ولا يخفى أن جمهور نزار قباني من النساء والعاشقات فاق التصوّر بسبب هذا الأمر، إذ كان في وقته ثورة الأنثى المختبئة التي نهضت وظهرت للعلن بكل أدب الجرأة، تسحب، تترك وراءها سلبيّة أحزانها ومبالغة خجلها متجهة إلى جسدها وعقلها تحاوره حوار الشاعر المحبّ القوي العاشق الذي يكتشفه جمالياً ويناغمه عشقياً، ولا يهاب في الحب ادّعاء تعفّف الخوف. وهذا العصر المستحدث ألا يحتاج إلى شاعر آخر بعبق نزار وروح مجددة بالعطر تجددية النسغ تمتد في العمق وتتفرّع متفردة إلى إبداع، تأخذ حيزاً لها تعانق الأفق في السماء وتداعب الشمس في العاطفة؟! تلاطف عقل المرأة ويكون لسان حال جسدها، ينطق بلغته الواعية الجميلة؟؟ بلى!! هو حال الشاعر مازن الشريف الذي سدَّ فراغ الشعرالجريء الراقي والغزل العفيف المترامي بين الحسّ والمنطق والذوق والشعور والإدراك، فبنى هياكل الحب المتآكلة ورمّم معابد القداسة المتدهورة، ووصل جسور التفاعل والنهضة في الشعر، بمختلف الاتجاهات ومع كل معابر الكائنات. واختصّ المرأة؛ هذا الكائن الجميل! حواء آدم، خليقة الله ومعجزته النبيلة.
اكتب إليّ لمازن الشريف:
اكتب إليَّ كلاماً كثيراً أثيراً كنهرٍ من الأمنيات وقل لي كلاماً لطيفاً مثيراً وعطّر صباحي بالأغنيات اكتب إلي قصيداً جديداً فريداً عنيداً عناد الحياة وحقّق بعينيك حلماً بعيداً جديداً سعيداً فعيني تراه أنا قد وهبتك حسني وقدي وخصري النحيل الذي تهت منه ورُمان صدري وتفّاح خدّي وشعري الطويل وما صحّ عنه فَقُلْ لي كلاماً جميلاً جليلاً جزيلاً كما النهر إذ فاض ماءَ وغنِّ لي ليلاً بهيجاً طويلاَ وكنْ لي حماماً غماماً سماء وقل لي أحبك في كل حينٍ فإني أحبك في كل حينِ حبيبي حبيبي تُرى أيّ عينٍ تُراك ولا تنتشي يا حنيني
التعليق على القصيدة:
جماليّة الطرح والخروج عن المألوف:
المرأة هنا تنعتق من حيائها وتطالب حبيبها بكلّ سموّ الأحاسيس والمشاعر بأن يكتب إليها كلاماً كثيراً يأخذها كنهر من الأمنيات، وأن يقول لها كلاماً لطيفاً يثير عاطفتها ويعطّر صباحها بالأغنيات. وأن يجدّد قصيده معها، يكون منفرداً بجماله وعنيداً قويّاً يتحدّى كالحياة! فيحقّق بذلك حلماً بعيداَ وجديداً سعيداً فهي تراه! هي التي وَهَبَتْه حسنها وقوامها وخصرها النحيل وخدّها الجميل كالتفاح وصدرها الجذّاب كالرمان وشعرها الطويل وما سار منه من افتتان. فتناديه بجرأة المحب أن يقول لها كلاماً جميلاً وجليلاً وافراً كالنهر إذا فاض! وأن يغنّي لها ليلاً يطول بالبهجة ويكون لها كالحمام وادعاً وكالغمام دافئاً، كالسماء سقفاً لها يحميها. وأن يقول لها يحبها في كل حين لأنها تحبه في كل الأحيان.. فمحال أن تراه أي عين ولا تحبه ؟!
نقد القصيدة:
وجدنا الجرأة بالطرح، وإعلاء سقف المكاشفة والطلب بترديد لغة الحب، فمن المنطق أن من يعشق وتهبه حبيبته كل شيء أن يقول لها الكلام الجميل الذي يعبر عن حالة الحب الشغف والهيام، فهي أنثى والأنثى تطرب للغزل والكلام الجميل المستهام.
قيمة هذه القصيدة:
نجد هنا ذروة المشاعر وتقمّصها حال الآخر، هذا فهم عميق في سيكولوجية النفس عموماً والمرأة خصوصاً، وإدراك كنهي لجوهر العاطفة وتأثير الكلام الجميل الجليل البهيج الذي يجلب السعادة وينبت الأمل ويحوّل الحياة إلى فيض من الجمال وتجديد الوعد. جاء ذلك كله بلغة انسيابيّة وألفاظ رقيقة ناعمة وصور شاعرية تخدم الفكرة وتناسب المشهد، تترجم الموقف بكل جمالية وجلالية الفكرة.
قصيدة نزار:
قل لي - ولو كذباً - كلاماً ناعماً قد كادً يقتلني بك التمثال مازلت في فن المحبة .. طفلةً بيني وبينك أبحر وجبال لم تستطيعي ، بعد ، أن تتفهمي أن الرجال جميعهم أطفال إني لأرفض أن أكون مهرجاً قزماً .. على كلماته يحتال فإذا وقفت أمام حسنك صامتاً فالصمت في حرم الجمال جمال كلماتنا في الحب .. تقتل حبنا إن الحروف تموت حين تقال.. قصص الهوى قد أفسدتك .. فكلها غيبوبة .. وخرافةٌ .. وخيال الحب ليس روايةً شرقيةً بختامها يتزوج الأبطال لكنه الإبحار دون سفينةٍ وشعورنا ان الوصول محال هو أن تظل على الأصابع رعشةٌ وعلى الشفاه المطبقات سؤال هو جدول الأحزان في أعماقنا تنمو كروم حوله .. وغلال.. هو هذه الأزمات تسحقنا معاً .. فنموت نحن .. وتزهر الآمال هو أن نثور لأي شيءٍ تافهٍ هو يأسنا .. هو شكنا القتال هو هذه الكف التي تغتالنا ونقبل الكف التي تغتال
*** لا تجرحي التمثال في إحساسه فَلَكَم بكى في صمته .. تمثال قد يطلع الحجر الصغير براعماً وتسيل منه جداولٌ وظلال إني أحبك من خلال كآبتي وجهاً كوجه الله ليس يطال حسبي وحسبك .. أن تظلي دائماً سراً يمزقني .. وليس يقال ..
القصيدة وأحوال الشاعر:
يبدو أن للشعراء مزاج وحال يعيشونه فيعبرون عنه في قصائدهم..! ولا يستطيع العقل نكران ما لتأثير الشاعر، وكهرباء الكلمة سواء كانت خيراً أم شراً، الكلمة رصاصة أو طلقة تصيب أو تقتل ولا يمكن إرجاعها. والشعر من الكلمة هو سحرها الخاص؛ غناؤها ولحنها، وتأثيره على العقول والقلوب معاً! ويكون أقرب للغة العاطفة حتى لو أخذ أسلوب التعقّل والحكمة.. فلا مباشرة علميّة تجهّمية فيه بل لغة عاطفية تثير الحماس وتولّد وتتوالد من الانفعال ولجج الفكر لتصبّ في مستقر القلب أو الروح… فكيف عن مخلوق المرأة العاطفية بطبعها والغالبة بها، أفلا تتأثر بالشعر وتطلب من الشاعر أن يتغزّل بها ويكون حال لسانها وأحوال مشاعرها وحواسّها؟ نعم! وبالتأكيد!! ومع حب المرأة للمال وميلها للمغريات من الرفاهية لكنّها في حقيقتها تحب من يعرف كيف يعزف على أوتار مسامعها بالكلام الجميل والغزل المثير، تلك طينتها قبل تشكّلها.
والشاعر أقرب ما يكون لقلب المرأة من التاجر أو الصانع أو رجل الأعمال حتّى! وهذا الشاعر نزار، يلتقي بصبية وتقول له - حسب وصفه- قل لي كلاماً ناعماً أيها الشاعر العظيم الذي سمع بجمال غزلك الشرق والغرب، حتى لو كان مجاملةً أو كذباَ فقد كاد يقتلني التمثّل والتشبّه بك! فينتفض بحاله للوهلة الأولى قائماً لكرامته بأنه لا يقول لها كلاماََ لمجرّد الوصف، موضّحاَ أنه ليس مهرّجاََ! ثم يسرح في عباراته شارحاً ما الحب؟ فالحب وحده يجعلنا نتكلم ونصف وليس الوصف لمجرد الوصف. الجمال عنده ليس للمداولة والحب ليس للبيع، ومن تطلب منه ذلك ما تزال طفلة لتفهم نزار الشاعر، ولتفهم الحب. ومع ذلك تعود نفسه المرهفة الحساسة الشاعرة لتجبر خاطرها شعرياً، فيقصر لغة العنف بإعطاء النصائح ويسرد لها علامات الحب الحقيقية؛ بأن يعجز الوصف أمام الحسن: "فإذا وقفت أمام حسنك صامتاً.. فالصمت في حرم الجمال جمال " كلماتنا في الحب تقتل حبنا.. إن الحروف تموت حين تقال"
وبعد إعطاء سرديّة عن قيمة الحب يعود ليشرح لها بأنها متأثّرة في قصص الحب التي ماهي إلا غيبوبة ووهم وخيال! ويعود كموج البحر في نفسه المتضاربة بين حال الشاعر العاطفية وحالته العقلية يعطي من جديد درسه في العقل والعاطفة معاَ عن الحب فيقول ليس تجربة صغيرة أو حال مزاجي عاطفي مؤقت، إنّه مشوار طويل! وينسى نفسه الشاعر الحكيم الرافض، فيعود يتابع بالشاعر الرقيق العاشق واصفاَ الحب بأنه الإبحار من دون سفينة مع مغامرة عدم الوصول، وبأنه جدول الأحزان والرعشة الدائمة على الشفاه بالسؤال ومشاركة الأزمات، وما إلي هنالك من أمور تمسّ الواقع وأمور تصل للمواجهة التعجيزية.
إلى أن يعود الشاعر لجلد الذات بين هذه التصارعات واصفاً إياه بالتمثال الذي يجب ألا تحرّكه حتي لا ينكسر ويتحرك جراءها وتعود إليه الحياة فيشعر، وكأن الشاعر قد أخذ قرار ألا يتأثر للعشق.
مزاجيّة أم شفافيـّة حبّ؟ :
ونزار الذي أبعد الصبيّة التي تقول له: قل لي ولو كذباً كلاماً ناعماً! نجده يقول في قصيدة أخرى يقول: قولي أحبك كي تزيد وسامتي… فبغير حبك لا أكون جميلا. فهل هذا تناقض أم مزاجية أم حساسية الموقف، فقد يكون الشاعر استشفّ من الصبيّة التي تطلب منه أي كلام ولو كان كذباً كأنه مهرج حسب وصفه،، يأبى بشعوره الأبي أن يقوله إلا في موضعه حيث الحب.
فهنا يعترف أن من غير أن تقول له المحبوبة أحبك لن تزيد وسامته ومن دون حبها لا يكون جميلاً. فهو يطالبها بقول كلمة أحبك كي تصبح أصابعه من ذهب وجبهته قنديلاَ يضيء! فبهذه الكلمة يتحول إلى قمح ونخيل. ولتقل الكلمة في وقتها في لحظتها الآنيّة، لأن بعض الهوى لا يقبل التأجيل. ويصل به الحال لنزار باعتراف الحب بأن تزداد قداسته ويصبح شعره في الهوى إنجيلا، فهو سيغير التقويم لو أحبّته الحبيبة ويمحو ويضيف فصول من عنده، فينتهي عصر التقويم القديم ويقيم عصر مملكة النساء البديل. ويتجلى الحب بأبهى قداسته عند نزار ليقول: قولي أحبك كي تصير كتابتي من ماء السماء منزلة كآيات مطهرات من وحي مقدّس.
قولي "أحُبكَ" كي تزيدَ وسامتي فبغيرِ حبّكِ لا أكـونُ جميـلا
قولي "أحبكَ" كي تصيرَ أصابعي ذهباً... وتصبحَ جبهتي قنـديلا
قـولي "أحبكَ" كي يتمَّ تحـولي فأصيرُ قمحاً... أو أصيرُ نخيـلا
الآنَ قوليهـا... ولا تتـردّدي بعضُ الهوى لا يقبلُ التأجيـلا
قولي "أحبكَ" كي تزيدَ قداستي ويصيـرَ شعري في الهوى إنجيلا
سأغيّرُ التقويمَ لـو أحببتـني أمحو فصولاً أو أضيفُ فصولا
وسينتهي العصرُ القديمُ على يدي وأقيـمُ مملكـةَ النسـاءِ بديـلا
قولي "أحبكَ" كي تصيرَ قصائدي مـائيـةً... وكتابتي تنـزيـلا
مـلكٌ أنا.. لو تصبحينَ حبيبتي أغزو الشموسَ مراكباً وخيولا
لا تخجلي مني .. فهذي فرصتي لأكونَ ربـّا ً .. أو أكونَ رسولا ..
من نزار إلى مازن وقصيدته "لم يسبق أبداً" :
مازن الشريف الذي كتب قصيدته متأثراً بنزار حيث قال: قَصِيدَةٌ يُنَاهِزُ عُمْرُهَا الثَّلَاثِينَ عَامًا، كَتَبْتُهَا أَواخِرَ التِّسْعِينِيَّاتِ (1998)، وَفِيهَا نَفَسٌ نِزَارِيٌّ، كُنْتُ حِينَها مُتَأَثِّرًا جِدًّا بِنِزَارِ قَبَّانِي، وَخَاصَّةً رَائِعَتَهُ «قَارِئَةُ الْفِنْجَانِ» الَّتِي غَنَّاهَا العِنْدَلِيبُ الْأَسْمَرُ، وَغَيْرِهَا مِنْ قَصَائِدِهِ الجَمِيلَةِ.
وبرأيي أنّ القصيدة التي استوحى منها الشاعر مازن الشريف نمط وأسلوب قصيدته "لم يسبق أبداً" هي قصيدة الحزن، كتبها نزار قباني - كما ذكر الشاعر الشريف- وغناها ولحنها المطرب الكبير كاظم الساهر، فحيثما تقرأ قصيدة لم يسبق أبداً، يتبادر إلى ذهنك وذاكرتك قصيدة أطربت أسماعنا وكانت في وقتها ملكة القصائد المغنّاة لنزار في ذاك العصر وإلى الآن..
قصيدة الحزن:
*** علمني حبك.. كيف أحبك في كل الأشياء في الشجر العاري.. في الأوراق اليابسة الصفراء في الجو الماطر.. في الأنواء.. في أصغر مقهى.. نشرب فيه، مساءً، قهوتنا السوداء.. علمني حبك أن آوي.. لفنادق ليس لها أسماء و كنائس ليس لها أسماء و مقاهٍ ليس لها أسماء علمني حبك.. كيف الليل يضخم أحزان الغرباء.. علمني..كيف أرى بيروت إمرأة..طاغية الإغراء.. إمراةً..تلبس كل كل مساء أجمل ما تملك من أزياء و ترش العطر.. على نهديها للبحارة..و الأمراء.. علمني حبك .. أن أبكي من غير بكاء علمني كيف ينام الحزن كغلام مقطوع القدمين.. في طرق (الروشة) و (الحمراء)..
*** علمني حبك أن أحزن.. و أنا محتاج منذ عصور لامرأة.. تجعلني أحزن لامرأة.. أبكي بين ذراعيها.. مثل العصفور.. لامرأة تجمع أجزائي.. كشظايا البللور المكسور..
بين القصيدَتين:
قصيدتان رائعتان بحقْ، أخذ الغناء نصيبه منهما مع فارق أنّ قصيدة نزار غنّتها روح إنسان وقصيدة مازن غنتها روح آلة، وكلاهما فيهما من روح الروعة واللحن والشعر وإبداع الإنسان، هذا الذي استخفّ به الشيطان فكانت معجزة الخالق به " بسم الله الرحمن الرحيم: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) البقرة(30)
ختام: ومع هذه القصائد الجميلة التي أضافت قيمة للرجولة والأنوثة وأظهرت حيثيات الذوق والمعنى عند المرأة، ونهضت بالمشاعر إلى حيث يجب أن تكون في مقام الوضوح والتشاركية والتعبير الصريح والجميل الجليل، ننهي موضوعنا بعد أن نذكّر بأنّ القصائد مغنّاة سواء قصائد نزار قباني التي اشتهر كاظم الساهر بغنائها أو الشاعر مازن الشريف الذي يستفيد من تقنية الذكاء الاصطناعي في الغناء ويخرج لنا أجمل الأغاني والألحان. فتحية لنزار نبي الشعر في ذاك الزمان وتحية لمازن عبقري هذا الزمان… ويبقى الشعر والغناء صنوان للجمال والكلمة مدى الأزمان… سمفونية من الخلود ورياض في الأرض من الجنان تلطّف وتلوّن وتطرب حياة الإنسان