بعد أن أطربنا الشاعر الدكتور مازن الشريف بأنواع وألوان الشعر السلس السهل الجميل الممتنع، المفهوم باللفظ و المقرّب للمعنى، من الغزلي والإيحائي والصريح، الحسّي والصوفي الفصيح، الديني والوطني والشعبي المليح، نجده يتابع حيث مطلقه، نشأته.. خلقته.. هيئته.. نشوته، ويتركنا نتأوّل في معان بعيدة للقصيدة تذهب بنا حيث الأبعاد، في النشأ والوجود والأزل والأبد والميعاد، بل ما قبل ذلك يخترق الحجب، في عالم الغيب والذّرّ والبرزخ وقبل تشكّلنا في الطين.. مفيضاً ببعض أسراره في جرار الشعر لمن يريد أن يفهم ويغرف من معين الغموض الضبابي المنجلي والصافي الرقراق والسرّ المباح، واضعاً علامات الاستفهام والتعجّب من جديد، وراسماً بأجوبته ابتسامة مَن يتساءل ويندهش ويقول كفرتَ وتخطّيت الحدود.. قف عندك! فيأتيه جواب الشاعر بحال المبتبسّم الراضي في قرارة أفكارة ابتسامة المستيقن بأقواله، الواثق بكل حرف له نزل في السطور وقد أتى به تنزيلاً من وحي رسول طهور… نداءً في القلب وعلماً في الصدور، آتاه مَن رحل بمعراج العلوم وسرى إسراء الروح في النور، متفهّماً فاهماً مدركاً واصلاً موصولاً بقبس من فيضٍ و شعور…حيث الحب المطلق وحيث السجود في المحبة كسجود النبي يعقوب ليوسف الذي حاز الجمال وحبيبته على قول الشاعر قاسمته بجمالها هذا النصيب من السمو!! حيث الشعر يتخطّى عتبات الدور!!! فيحقّ للشاعر مالا يحقّ لغيره من تجاوز الممنوع والخروج عن قواعد المورود والمقروء والمسموع.
قصيدة "تبسّمي" والمعاني الاستثنائية :
نحن أمام قصيدة استثنائية، رهيبة المعاني وغريبة الصور، شهد الغرام فيها بأن الحب مطلق، من قبل آدم قد نُقش في الكينونة! فالحبيبة كانت حبيبة في برزخ الأرواح، والحب ليس وليد اللحظة، والهوى لا يقتصر على التشكلّ في طينة الأجساد، والحب أبدي أزلي سرمدي متحوّل خالد يأتي للأرض لكنه ليس مقتصراً عليها، ولادته سابقة كما ولادتنا نحن في عالم الروح، والحبيبة هي بضعة الروح وبنت الأشواق الدائمة محال أن يطويها عالم النسيان الذي يحكم الأرض.
القصيدة :
قالت كفرتَ قلتُ ويحَ المغرم.. قالت أتعبدني فقلتُ تبسّمي قلبي لديك من المحبة ساجدٌ.. بخشوع رهبانٍ ورجفة مُلهَمِ كسجود يعقوب ليوسفه الذي.. حاز الجمال وكنتِ توأمه السمي يا أجمل الأحلام يا قمري الذي.. ألقى بعاشقه بليلٍ مظلم يا ناعس الأجفان يا فرح الصِّبا.. يا ضحكة الغَنِج النديّ المفعم ودلالَ مَن مالت فؤاد متيّمٍ.. حسناءُ قد فتنت عيونَ الأنجم القلب يأوي لمن يحبّ صبابةً.. بخضوع ولهانٍ ووجد متيّم شهد الغرام بأنّ حبي مطلقَ.. من قبل آدم قد نُقِشتِ بأعظمي في برزخ الأرواح كنت حبيبتي.. ولقد خُلقتِ من التولّه في دمي أحببت أن أهواك قبل تشكّلي.. في طينة الأجساد إن لم تفهمي يا بضعةً للروح يا بنت الجوى.. يا طفلة الوجدان جئتك فارحمي هذا الذي تخشى الأسود لقاءه.. كالطفل عندك كم يحنّ ويرتمي يا من ظلمتِ الحسن حين أريته.. حسناً يلوذ به الجمال ويحتمي أنا ذلك المشتاقُ أتعبه النوى.. نادى نداءَ المستغيث المعدم فلتظلِمي يا عشق عيني في الهوى.. يشكوك ذاك القد إن لم تظلِمي
تفكيك القصيدة:
يغدو صعباً لو نفكك القصيدة وندخلها مخبر المنطق والتفصيل بكل خليّة فيها…فالشعر بوارق وومضات وصور تأتي كالبرق وأفكار كالرعد لينهمر الكلام الشاعري المنهمل حناناً وحياةً كالمطر. للحقيقة نحن أمام قصيدة جميلة جداً ومحيّرة نوعاً ما.. تتخطّى الحالة الصوفية أو المنحنى الروحي والفلسفة التساؤلية المعتادة لتضعنا أمام عتبات العوالم المجهولة التي ما تجرَّأْنا يوماً أن ندخلها، وإن دفعنا الفضول لفتحها سوف لن نلقى ردّاً ولن نجد مَن يفتح لنا الباب.. هذه القصيدة ربما تتكلم بلسان آدم الأول، أو الآخر… لكن ما جاء فيها كحواء تُسائل عاشقها إن كان قد كفر في حبها لدرجة العبادة ليقول لها مداعباً ومموهاً بالجواب تبسمي فإن قيمتك عظيمة من قيمة المخلَصين المختارين … عشقها قبل هذا العالم وكانت له حبيبة من قبل تشكلّه في الطين، فهي منه وفيه، نُقشت في دمه أجمل الأحلام، فتنت عيون الأنجم، فهي بضعة الروح وطفلة الوجدان كانت حبيبته في برزخ الأرواح، خُلقت من التولّه في دمه، وأحب أن يهواها قبل التشكّل في طينة هذا الجسد، يغدو عندها طفل صغير مع أنّ الأسود تهاب حضوره!
معطيات القصيدة:
حين قرأت هذه القصيدة ووصلتني هذه المعاني السامية بحثت لأجد أي نوع من القصائد تكون، وتأوّلت أنها ليست الغيبيّة ولا الميتافيزيقية ولا الصوفية ولا الفلسفية الوجودية… وسار بي المعنى والفكر ليقف عند النشأة الكونية والفكرة ما قبل الجبليّة.. فجئت مصادر البحث لأرى إن كان موجوداً هذا النوع من الشعر "قصيدة ما قبل الخلق" لتعطي النتائج أن الشاعر مازن الشريف كتب في ذلك.. ولم تعط نتائج لأسماء أخرى، ومما جاء حرفياً: " الشعر في عوالم" ما بعد الخلق" هو رحلة استكشافية للوجود والمعنى، حيث يتجاوز حدود الواقع المادي ليلامس الروحانيات، محولاً اللغة إلى أداة كشف وتأمّل فلسفي، يتجلى في شعر يتغنّى بالجمال السامي والحكمة الإلهية، ويكشف عن أسرار الكون، ويحرّر الكلمة من قيودها المباشرة لتصبح رموزاً للغوص في اللامحدود، كما يظهر في أعمال مثل شعر مازن الشريف، الذي يجمع بين الروحانية الصوفية والفكر العميق في قالب جمالي فريد".
هذا الكلام أسعدني إذ أن هناك من أيّدني بوجود قصيدة ذات نمط مختلف تماماً لا تشبه كل ما قيل في المعرفة البشرية، فرغم تعدّد الأسماء من الشرق والغرب لأسماء شعراء وأدباء عرب وأجانب بمواضيع أخرى قريبة لهذا المنهج كالقصيدة الصوفية والفلسفية وصولاً إلى ما وراء الطبيعة، لكن بشأن الخلق والنشأة حُصِر الموضوع بالشاعر الدكتور مازن الشريف، وتأكّدت نظرتي بأنّ الشاعر الشريف هو الاستثنائي الأول التي تجاوز خطوط المذهب الشعري والأدبي وأضاف للفكر ألوان شتّى من العطاء السماوي والغيبي ما تجرّأ أحد من قبله على دخول هذه الفضاءات لغموضها وعدم امتلاكهم ناصيتها ولا مفرادات معانيها… فماذا سيكتبون؟ حتى الخيال يقف عند مجرّد تصوّرات وتهويمات وتخيلات محددة كالكوميديا الإلهية وغيرها من قصص أسطورية ودينية تناولت النشأة والوجود الإنساني مثل قصيدة "الخلق" لجيمس ويلدون جونسون التي أعادت سرد قصة التكوين بطريقة إبداعية، لكن تخيّليّة درامية أقرب للمسرح التأويلي النسبوي في الآراء والقيم والمعطى التكهّني البشري.
قيمة القصيدة:
إن وجود قصيدة مطلقة تشمل توصيف الشاعر الواثق بشؤون المعرفة اليقينيّة لما قبل وبعد الخلق، المستدرك لِكُنه الأشياء بأسلوب شعري شائق، هذا ما وجدناه إلا عند هذا الشاعر المعجزة بالطروحات والآتي بما لم يأت ويسبق به أحد من قبل، من علوم شتّى خاصة علوم البرهان يغذّي منها الشعر والدراما والفن وكل شيء… وإن القائل: "وإن كنت الأخير زمانه.. لآتٍ به بما لم تأتي به الأوائل".. تنطبق على الشاعر مازن الشريف تماماً… فعذراً من أبي العلاء!
تفاصيل أكثر عن قصيدة الخلق:
القصيدة - كما جِيء- في عالم الخلق والنشأة تعبّر عن تأملات الإنسان في أصل الوجود، وتصوّر بديع الكون، وتجسد محاولة الشاعر الاقتراب من أسرار الخلق الإلهي، مستخدمة الصور الشعرية واللغة المجازية لاستكشاف موضوعات مثل نشأة الكون، الإنسان، مما يجمع بين التجديد الأدبي وروح الاستكشاف الفلسفي والروحي للخلق.
يجسّد ذلك - كما ورد- شعر مازن الشريف الذي يمزج بين الفكر والسماوية والروحانية الصوفية، ويصوغ أفكار الوجود والخلق بأسلوب شعري جمالي:
أراك.. بِكُلِّ جَميلٍ… أَراكِ
وأَنّى نَظَرْتُ أَرى مُقْلَتَيْكِ وأُبْصِرُ في الغَيْمِ وَجْهَ المَلاكِ
القصيدة في الخلق والنشأة - كما رأينا- تعتمد تأملات في الكون (الخلق) واستكشفت الجمال الإلهي، فصورت روعة الخلق وعظمة الخالق، وعبّرت عن الإعجاب بالكون وبدائع صنع الله:
تحوّل فلسفي وروحاني: الشعر لا يقتصر على الوصف، بل يتحول إلى فلسفة عميقة، تستخدم اللغة للتعمق في أسئلة الوجود، الحب، والمصير، وكأنه صوت للروح يتجسد في القصيدة:
يا بضعةً للروح يا بنت الجوى.. يا طفلة الوجدان جئتك فارحمي أحببت أن أهواك قبل تشكّلي.. في طينة الأجساد إن لم تفهمي …
لغة رمزية تتجاوز المألوف: الكلمات تتجاوز وظيفتها المباشرة لتصبح رموزاً لعوالم ما وراء الحس، مستلهمة من الأساطير والغموض الروحاني، فتصبح مفتاحاً لفهم ما لا يُدرك عقلياً:
قالت كفرتَ قلتُ ويحَ المغرم.. قالت أتعبدني فقلتُ تبسّمي يا من ظلمتِ الحسن حين أريته.. حسناً يلوذ به الجمال ويحتمي أنا ذلك المشتاقُ أتعبه النوى.. نادى نداءَ المستغيث المعدم
تجاوز حدود الزمان والمكان: يتيح الشاعر للقارئ تجربة عوالم متخيلة ومفارقة للواقع، حيث تتلاشى الحدود بين عالم ما قبل الموت وما بعده، وبين الحياة المادية والعوالم الباطنية، كما يظهر في الشعر الصوفي الذي يلامس عالم "البرزخ".
في برزخ الأرواح كنت حبيبتي.. ولقد خُلقتِ من التولّه في دمي
الشعر هنا يثور على ابتذال اللغة اليومية، محاولاً إيجاد معانٍ جديدة وتجريب حدود الكلمة، ليصبح الشعر نفسه وسيلة للتحرر من المألوف والوصول إلى المعرفة، كما فعلت حركات الشعر الحديث والمعاصر.
-قلبي لديك من المحبة ساجدٌ.. بخشوع رهبانٍ ورجفة مُلهَمِ كسجود يعقوب ليوسفه الذي.. حاز الجمال وكنتِ توأمه السمي ……
التعبير عن الغموض الكوني: الشاعر يغوص في غموض الوجود، ليقدم رؤى تتجاوز العقل وتلامس الفطرة، ويكشف عن الحقائق الإلهية والإنسانية عبر لغة تتسم بالجمال والعمق، كما فعل الشعراء الذين استلهموا من لغة السحر والكهانة القديمة:
شهد الغرام بأنّ حبي مطلقَ.. من قبل آدم قد نُقِشتِ بأعظمي
فلتظلِمي يا عشق عيني في الهوى.. يشكوك ذاك القد إن لم تظلِمي ……
هذه القصيدة التي عبّر عنها صاحبها بأنها قصيدة طريفة المعنى باعتبار أنها محض حلم وتصوّر في منام، لكنها لا تخلو من فهم لجوهر الأبعاد وتجاوز لقضية الواقع ممتطية الخيال في رحلة عبر العوالم الأخرى ومقابلة مخلوقات من نوع آخر… فلسنا في النهاية لوحدنا… نحن كائنات وعوالم متعددة وأثناء النوم نزور ما نزور.
ومع قصيدة جنيّة و"متيمي من برزخ الحجاب.. ومتلفي بالعشق يا مرادي"! نقول: هذا هو مازن الشريف اسم من عالم الأرض ومن قبل من عالم الروح والبرزخ .. يعرفه.. يتقنه ويأتي لنا بشذراتٍ منه.. شعراً.. نثراً.. كتابةً.. يطربنا بألحانٍ الخلود.. يأخذنا رحلاتٍ للجِنان.. يدهشنا.. دائماً يتركنا في عالم السعادة والنعيم.. إذ لا جحيم عنده.. مختصّ - كما قال- بالسرور.
كانت دراسة للفت النظر لجمالات قد لا ننتبه إليها، تأخذنا غرّةً جمالها.. وحُقّ لها، لكن قطاف الجمال حلال.. والإشارة لآيةٍ جلال في جلال.. ودام خير الوهّاب الكمال.