يا غائباً كم أطال الغيابا.. أََنسقيكَ عَذْباً فَتسقي العذابا
ومنك الجَمال ومنّا الجِمال.. على ظمأ الصبر ترجو السحابا
أنسقيك عذباً فتسقي العذابا!؟
ومنك الجمال ومنا الجِمال!؟
مَن تصل إلى مسمعه هذه الألفاظ يستلذّها ويجد أن هناك سحر ما تبادر إليه، ربّما لا يستطيع تسميته لكنه يعي بالفطرة اللغوية أن هناك شيئاً بديعاً وراء الجمال! أكثر من موسيقى ونغم وشعر، كزينة السوق! لكنّها بضاعة متينة زاهية الشكل واللون! مثيرة للحوّاس والانتباه!!
علم البديع:
والبديع علم؛ ويكون أحد فروع البلاغة العربية، يختص بـتحسين الكلام لفظًا ومعنى وإكسابه جمالًا وقوة عبر استخدام الأساليب الفنية (المحسنات)، وتظهر أهميته بعد مراعاة المعنى ومقتضى الحال.
دقّق عزيزي القارئ: العذْب والعَذابا: كلمتان مختلفتان في المعنى، رغم اشتراكهما في الجذر اللغوي، العذب يعني الشيء الطيب السائغ واللذيذ، بينما "العَذاب" يعني الألم الشديد والعقوبة والنكال.
-وكذا الجَمال والجِمال، الجمال": صفة الحسن والتناغم والجاذبية في المظهر والسلوك والروح، بينما "الجِمال" هو جمع لكلمة الجمل (الحيوان) الذي يعرف عنه الصبر وتحمّل المشاق.
- هذه الموسيقى العذبة والألفاظ البديعة المتشابهة؟ يقال إنها جناس، من المحسنات البديعيّة!
المحسّنات البديعيّة:
هي فنون بلاغية تُضاف إلى الكلام لتزيينه وتحسينه وإضفاء جمال لفظي ومعنوي عليه، وتُقسم عمومًا إلى محسنات لفظية (تعتمد على الصوت واللفظ مثل الجناس والسجع والتصريع) و محسنات معنوية (تعتمد على المعنى مثل الطباق والمقابلة والتورية والتقسيم)، وهدفها جعل النص أكثر جذبًا وتأثيرًا وإبراز مهارة المتكلم.
علاقة المحسنات بالسلامة اللغوية والأخلاق والدين:
التعبير بالعموم يجب أن يحترم القواعد اللغوية. فالسلامة اللغوية في أغلب الثقافات لا تعتبر مجرد أداة تيسر التواصل الفعال بل إنها ذات صبغة أخلاقية أو دينية. وإن قراءة النص القرآني قراءة لاحنة تبعد اللغو بالاقتداء بمن يمثّلون الأسوة الحسنة تماماً كما يتعلّم الأخلاق الحسنة ممن هم قدوة. وهكذا فإن الفضيلتين الأخلاقية واللغوية تتخذان لهما مظهراً واحداَ.
" كوينتليان:" المفكر والخطيب الروماني الرائد؛ كان يرى أن الأسلوب القوي والجيد يتجذر في الأخلاق الطيبة، وأن القراءة الجيدة للأدب (بما فيه الشعر) تحفز على الخلق الكريم.
وهو يعرف البلاغة بأنها العلم الذي يؤدي إلى أحسن الكلام، ويقول: " إن تدريب الخطيب يجب يبدأ قبل مولده، إذ يحسن أن يولد لأبوين متعلمين، حتى يتنفس الكلام الصحيح والأخلاق الطيبة من الهواء الذي يستنشقه.. ويجب على من يريد أن يكون خطيباً أن يدرس الموسيقى، حتى يستطيع تمييز الأصوات المتناسقة المتناغمة؛ كما يجب عليه أن يتعلم للرقص ليكسب الرشاقة والاتزان، والتمثيل لكي يبعث الحياة في خطبه بما يبثه فيها من حركات اليدين والجسم؛ والألعاب الرياضية لكي يستطيع الاحتفاظ بصحته وقوته؛ والأدب ليصلح به أسلوبه ويدرب به ذاكرته، ويمده بكنز من الآراء العظيمة؛ والعلوم لكي يدرك بها أسرار الطبيعة؛ والفلسفة لكي يصوغ نفسه حسبما يمليه عليه العقل ونصائح الحكماء. ذلك لأن كل إعداد سيذهب أدراج الرياح إذا خلا من استقامة الخلق وسمو الروح وهما اللذان لا غنى عنهما لوجود الإخلاص في الحديث، وهو قوة لا يمكن قط أن تقاوم. وعلى الطالب بعد ذلك أن يكتب أكثر ما يستطيع وأن يبذل في كتابته أقصى ما في وسعه من العناية. ويقول كوينتليان: إن هذا تدريب شاق "ويقيني أن أحداً من قرائي لن يفكر قط في احتساب قيمته المالية".
نشأة وتطور علم البديع:
وُجدت محسّناته في كلام العرب القديم وفي القرآن والحديث، مثلما استخدم الجاهليون التشبيه والكناية بالفطرة. وأول من دوّن قواعده وجمع فنونه بشكل علمي هو عبد الله بن المعتز العباسي (ت. 274هـ) في كتابه "البديع" إلى أن توسّع العلماء في فنونه، فأضاف قدامة بن جعفر، وأبو هلال العسكري، وابن رشيق القيرواني وغيرهم أنواعًا جديدة، حتى وصل عددها إلى المئات في مؤلفات متأخرة، كـ"البديعيات". ويجب ألا ننسى كتاب نهج البلاغة للإمام علي عليه السلام، فهو سيد البلاغة العربية والفصاحة دون منازع.
** القصيدة والمحسّنات اللفظية:
١- يا غائباً كم أطال الغيابا.. أَنسقيك عذباً فتسقي العذابا.
٢- وتنسى وتذكر في كلّ حينٍ.. وتمضي وترجو إليك الإيابا
٣- وأنت الحبيب الذي كان منه الهوى.. إذ لوى للعباد الرقابا
٤- ومنك الجَمال ومنّا الجمال.. على ظمأ الصبر ترجو السحابا
٥- فأمطرْ لقاءً وأبرِقْ بقاءً.. فقد أرعد الشوق فينا انتحابا
٦- وقل يا متيّمَ أهل الغرام.. أَتقتل ظلماً وترجو الثوابا
٧- لقد عذّب الحسن منك عيوناً.. رأت قدَّ بانٍ أبى ما استجابا
٨- وعذّبتَ شمس النهار بوجهٍ.. وذا البدرُ في لون خدّيك غابا
٩- وقلبك عذّب قلب الجمال.. وجسمك عذّب حتى الثيابا
*في البيت الأول: تصريع "مُحَسِّن لفظي" والتصريع: اتفاق قافية شطري البيت الأول في الشعر: (( يا غائباً كم أطال الغيابا.. أَنسقيك عذباً فتسقي العذابا)) . (الغيابا والعذابا).
*البيت الثاني: (( وتنسى وتذكر في كلّ حينٍ.. وتمضي وترجو إليك الإيابا))
طباق إيجاب "محسّن معنوي" الطباق :الجمع بين الكلمة وضدها في الكلام ، ويكون إيجابًا "كلمة وعكسها" (وتنسى وتذكر). والطباق السلب يكون ب
"كلمة ونفيها، كـ : يذكر لا يذكر"
كذلك البيت الثاني فيه: الازدواج " محسّن لفظي" والازدواج: تقسيم الكلام إلى جمل متوازنة في الإيقاع والطول.
*البيت الرابع: جناس ناقص " محسّن لفظي" ( الجَمال والجِمال)
(( ومنك الجَمال ومنّا الجمال.. على ظمأ الصبر ترجو السحابا))
والجناس: تشابه كلمتين في اللفظ واختلافهما في المعنى، وله أنواع مثل التام والناقص.
تام: اتفاق اللفظين في النوع، العدد، الشكل، والترتيب. مثال: ﴿يوم تقوم الساعة يقولون ما لبثنا إلا ساعة) .
ناقص: اختلاف اللفظين في واحد أو أكثر من الأمور الأربعة، كما ذكرنا: ( الجَمال، الجِمال).
*البيت الخامس: حسن التقسيم "محسّن معنوي" (فأمطر لقاء وأبرق بقاءً) وكذلك جناس ناقص: ( لقاءً، بقاءً)
والسجع: توافق أواخر الجمل أو الفقرات في الحرف الأخير، وتوافق الفاصلتين في النثر على حرف واحد.
والسجع يأتي غالباً في النثر، وهنا جاء في الشعر فزاد البديع بديعاً وأضاف للنوع نوعا.
(( فأمطرْ لقاءً وأبرِقْ بقاءً.. فقد أرعد الشوق فينا انتحابا ))
*البيت السابع: طباق سلب "محسّن معنوي" ( أبى ما استجابا)
(( لقد عذّب الحسن منك عيوناً.. رأت قدَّ بانٍ أبى ما استجابا))
والطباق كما قلنا: إيجاب وسلب، الإيجاب: الجمع بين الكلمة وضدها في الكلام، كما ذكرنا في البيت الثاني: (وتنسى وتذكر). وهنا الطباق السلب في هذا البيت :كلمة ونفيها: (أبى ما استجابا).
*البيت الثامن: مراعاة النظير(شمس النهار)
(( وعذّبتَ شمس النهار بوجهٍ.. وذا البدرُ في لون خدّيك غابا))
ومراعاة النظير: الجمع بين شيئين أو أكثر يربط بينهما علاقة في المعنى (مثل الليل والنهار، أو القلم والقرطاس وهنا الشمس والنهار).
*البيت التاسع: في هذا البيت يوجد "حسن التقسيم"
((وقلبك عذّب قلب الجمال.. وجسمك عذّب حتى الثيابا))
وحسن التقسيم: تقسيم البيت إلى جمل متساوية لإعطاء نغم موسيقي جميل (خاص بالشعر).
وكذلك يوجد التكرار"محسّن لفظي) ( عذّب، عذّب).
والتكرار: إعادة اللفظ أو العبارة للتوكيد أو الموسيقى.
إشارة:
هذه كانت قصيدة واحدة متوسطة الطول نوعاً ما شملت غالبية المحسنات البديعية من لفظية ومعنوية، فكيف عن قصائد الدكتور مازن الكثيرة والطويلة والمتعددة والمتنوعة؟!
ونحن هنا ركّزنا على المحسّنات ويجب ألا ننسى وحدة القصيدة البنيوية المتكاملة بالمعنى الجميل والمؤثر والرائع، وهنا جاءت المحسنات من سياق المعنى وليس كزينة أو تطريز لغوي فحسب، بل سبك ومتانة ورصانة ولون وإبداع بديع ليس قبله في ذات الخط والسويّة إلا القرآن الكريم وبلاغة آل البيت عليهم السلام أجمعين.
مازن الشريف عالم وخبير لغة:
الحق يقال بأنّ الشاعر والأديب مازن الشريف عالم وخبير من علماء اللغة العربية عدا عن خبرته وشهاداته العالية في العلوم الأخرى، إنه بديع الشعر واللغة العربية الفصيحة والسليمة بكل مناحيها، مُلمّ بأطرافها، متقن لقواعدها وعروضها، بديع زمانها بل قائدٌ ربّان في معالمها وعوالمها.. للغته سحر خاص وتأثير كالنهر المُستطَاب من الجنّة نسمع به ثم نتذوّقه! يأخذنا لرحب الشعور وخمر الكلام الحلال واستساغة المعانى والتغذّي بالفِكَر، ننتشي من بيانه وتبيينه وشعره ونثره وخطبه ومناجاته وأدعيته وفقهه، بل حتى عاميّة لغته في محاضراته على وسائل التواصل الاجتماعي مفهومة وإعلاميّة مرصّعة، قريبة لفهم الجميع، فلديه أسلوب لغوي بياني فتّان عدا عن لغة قوية متينة رصينة، لا تخلو في بعض المواضع من روح الخفة والدعابة والنقد اللاذع المستحبْ في محلّه ولمستحقّه، ومهما يكن فلغته من جرار عسل سماوي، واللغة العربية لغة أهل السماء- هو علّمنا ذلك- ويا لذة متقنيها وشاربيها والآتين بعذبٍ من ينابيعها.
السجع في نثر الدكتور مازن الشريف:
لكي نفهم السجع سنعطي مثالأ واضحاً و يكون الدليل الذي يوضّح السجع، والسجع تعريفاً: توافق أواخر الجمل أو الفقرات في الحرف الأخير، وتوافق الفاصلتين في النثر على حرف واحد، مثل: /نهتدي؛ نقتدي/ السكينة؛ المدينة؛ السفينة/ وهكذا….
جاء في دُعاء للشيخ الدكتور:
(أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ المُلْكُ لِلَّه.
لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ.
أَصْبَحْنَا بِاللَّهِ مُؤْمِنِينَ، وَعَلَيْهِ مُتَوَكِّلِينَ.
بِهُدَى اللَّهِ نَهْتَدِي، وَبِرَسُولِ اللَّهِ نَقْتَدِي.
وَأَصْبَحْنَا نَكْتَنِفُ السَّكِينَةَ، وَنَشْتَاقُ إِلَى المَدِينَةِ، وَنُوَالِي أَصْحَابَ السَّفِينَةِ.
أَصْبَحْنَا بِحَمْدِ اللَّهِ العَلِيِّ، عَلَى العَهْدِ القَدِيمِ الخَلِيِّ، عَهْدِ مُحَمَّدٍ وَفَاطِمَةَ وَعَلِيٍّ.
وَأَصْبَحْنَا فِي غَدَقِ الجَنَّتَيْنِ، وَعَبَقِ المِنَّتَيْنِ، وَبُشْرَى الحُسْنَيَيْنِ، وَحُبِّ الحَسَنَيْنِ.
وَأَصْبَحْنَا بِحَمْدِ اللَّهِ، عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ.
بِاللَّهِ عَرَفْنَاهُ، وَفِي اللَّهِ حَبَّبْنَاهُ، وَمِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا نَصَرْنَاهُ وَوَالَيْنَاهُ.
فَصَلِّ اللَّهُمَّ عَلَى نُورِ الإِصْبَاحْ، وَمَدَدِ الإِفْصَاحْ، وَبَابِ الإِمْتَاحْ، وَسِدْرَةِ الأَرْوَاحْ.
عَرْشِ حُبِّكَ، وَمِعْرَاجِ قُرْبِكَ.
وَبُرْهَانِ وُجُودِكَ، وَمَجْلَى شُهُودِكَ، مَحْبُوبِكَ وَمَحْمُودِكَ، وَخَلِيلِكَ وَصَفِيِّكَ، وَدَلِيلِكَ وَوَلِيِّكَ.
الدَّاعِي مِنْكَ إِلَيْكَ، وَالدَّالِّ بِكَ عَلَيْكَ.
عَظِيمِ الشَّأْنِ، رَفِيعِ القَدْرِ، زَكِيِّ النَّفْسِ، مَشْرُوحِ الصَّدْرِ.
ابْنِ الزَّكِيَّيْنِ، نَجْلِ الذَّبِيحَيْنِ، مَكْفُولِ السَّيِّدَيْنِ، وَلِيِّ النِّعْمَتَيْنِ، إِمَامِ القِبْلَتَيْنِ.
فَصَلِّ اللَّهُمَّ عَلَيْهِ جَمَالًا وَكَمَالًا، وَصَلِّ اللَّهُمَّ عَلَيْهِ دَلَالًا وَجَلَالًا، وَصَلِّ اللَّهُمَّ عَلَيْهِ وَصَالًا، ذَاتًا وَآلًا.
وَصَلِّ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ، بِسِرِّ حَالِهِمْ وَحَالِهِ، وَجَمَالِهِمْ وَجَلَالِهِمْ، وَكَمَالِهِمُ المَوْهُوبِ مِنْ سِرِّ كَمَالِهِ.
وَاجْعَلْنِي اللَّهُمَّ لِمُحَمَّدٍ وَالآلِ خَادِمًا، وَلَا تَجْعَلْنِي مَحْجُوبًا وَلَا نَادِمًا.
وَأَدِمْ عَلَيَّ فُيُوضَاتِ حُبِّكَ وَحُبِّهِمْ، وَإِينَاسَ قُرْبِكَ وقُرْبِهُمْ.
وَزِدْنِي بِكَ وَبِهِمْ عِلْمًا، وَعَلِّمْنِي مِمَّا خَفِيَ عَنِّي، وَاغْفِرْ لِي مَا كَانَ مِنِّي، وَدُلَّنِي عَلَيْهِ لِيَدُلَّنِي عَلَيْكَ، وَخُذْ بِيَدِي إِلَيْهِ، لِيَأْخُذَ بِيَدِي إِلَيْكَ.
الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي حَقَّقَنِي بِشَرَفِ النَّسَبِ، وَأَلْحَقَنِي بِمَدَدِ الحَسَبِ، وَجَعَلَنِي مِنْ أَهْلِ الوَلَاءِ، وَحَمَلَةِ اللِّوَاءِ، وَبَقِيَّةِ أَصْحَابِ الكِسَاءِ.
سُبْحَانَهُ وَبِحَمْدِهِ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ) .
إذاً النص كله مسجوع، بجمله وعباراته ويغلب عليه الجناس والتصريع والازدواج وغيره..
هل من بلاغة أو فصاحة سبقت إلا عند سيد البلاغة الإمام علي زوج الزهراء، وصي النبي، أبي الحسنين.. والد الأئمة الآل؟!
لا عجب فالشيخ امتداد ومد لهذا الإرث النبوي "القرآني" البلاغي الإمامي البياني الهاشمي.
هل في هذا النص النثري محسنّات أخرى غير مما ذكر في القصيدة؟
يوجد لدينا أنواع أخرى من المحسنات، سنردها هنا، كالالتفات: الانتقال من ضمير إلى آخر (مثلاً من الغائب إلى المخاطب):
((وَأَصْبَحْنَا بِحَمْدِ اللَّهِ، عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ.
بِاللَّهِ عَرَفْنَاهُ، وَفِي اللَّهِ حَبَّبْنَاهُ، وَمِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا نَصَرْنَاهُ وَوَالَيْنَاهُ))؛ أصبحنا نحن وعرفناه هو! الضمير تغير في أصبحنا من نحن إلى هو في عرفناه وحبّبناه ونصرناه وواليناه.
والاستخدام: أن يُذكر لفظ بمعنى، ويُعاد عليه ضمير بمعنى آخر: ((وَصَلِّ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ، بِسِرِّ حَالِهِمْ وحاله، وَاجْعَلْنِي اللَّهُمَّ لِمُحَمَّدٍ وَالآلِ خَادِمًا، وَلَا تَجْعَلْنِي مَحْجُوبًا وَلَا نَادِمًا)).
التصريع والازدواج والجناس وحسن التقسيم وغيره، كله ورد في النص.
مثال على الجناس: أَصْبَحْنَا بِحَمْدِ اللَّهِ العَلِيِّ، عَلَى العَهْدِ القَدِيمِ الخَلِيِّ، عَهْدِ مُحَمَّدٍ وَفَاطِمَةَ وَعَلِيٍّ (العلي، الخلي، علي) العلي وعلي : جناس كامل، العلي والخلي: جناس ناقص
مثال على الازدواج: (( وَأَدِمْ عَلَيَّ فُيُوضَاتِ حُبِّكَ وَحُبِّهِمْ، وَإِينَاسَ قُرْبِكَ وقُرْبِهُمْ)).
مثال على مراعاة النظير: ((الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي حَقَّقَنِي بِشَرَفِ النَّسَبِ، وَأَلْحَقَنِي بِمَدَدِ الحَسَبِ)).
مثال على التورية: (( وَأَصْبَحْنَا نَكْتَنِفُ السَّكِينَةَ، وَنَشْتَاقُ إِلَى المَدِينَةِ، وَنُوَالِي أَصْحَابَ السَّفِينَةِ)).
جمال العربية عند الشاعر الشريف:
يقول الدكتور مازن الشريف: جمال العربية الذي لا يضاهى! قصيدة كتبتها منذ أعوام في إسلام آباد.
يا ذاتَ سِحْرٍ غامِضٍ
عَذْبٍ ومُرٍّ
نَيِّرِ الأركانِ حالِكْ
مَا الَّذي يَسري بِقَلبي إذْ أَراكِ
وَمَا الَّذي فيكِ يُتَرْجِمُني لأُبْصِرَ مِن خِلالِكْ
عِندَما تَمشينَ
تَمشي مُهْجَتي
فَوْقَ المَجَامِرِ
عِندَما تَأتينَ
أُحرَقُ مِن دَلالِكْ
فَاحْضُنِينِي دونَ لَمْسٍ
كَلِّمِينِي دونَ هَمْسٍ
قَبِّلِينِي في خَيالِكْ
وَازْرَعِي في القَلْبِ سَهْمًا مِن جَمالِكْ
واقْتُلِينِي
إِنَّ قَتْلِي سوفَ يَعْذُبُ في وِصالِكْ
اِرْغَبِي في كُلِّ شَيءٍ
وازْهَدِي في كُلِّ شَيءٍ
واحْذَرِي مِن كُلِّ شَيءٍ
إِنَّ عِشْقَ الرُّوحِ بَابٌ لِلمَهالِكْ
وَأَنا المَجْذوبُ في عَيْنَيْكِ
دَرْوِيشُ التَّكايا والزَّوايا والمَسالِكْ
لَسْتُ إذْ أَهْواكِ سالِكْ
حَضْرَةٌ أَنْتِ لِكُلِّ الفاتِناتِ
وَأَنَا كُلُّ السُّكارى والحَيَارَى
وَأَنَا
كُلُّ المَجانينِ كَذٰلِكْ
---
القصيدة تُطرب السمع لكن المستمع لا يعرف كمّ البلاغة والمكوّنات اللغوية البديعيّة التي صاغتها!
ففي نظرة عامة سنعطي مثالاً مختصراً وليس تفصيلياً؛ فالقصيدة وحدة متكاملة، تقوم على عدة نغمات ومقاطع شعرية منفصلة بقافيتها، متصلة ببنيويتها لكل بيتين من الشعر، بما يضبط الإيقاع ويحافظ على السياق العام فيروي تفرعات أخرى وتعود تلتقي بصيغة واحدة نشهدها باللازمة التي تربطها ربطاً محكماً ولطيفاً، فلو تعددت القوافي تبقى للقصيدة مركزية لا يأخذ من هيبتها اجتزاء فقد استمدت قوتها من تنوعها وأضفى ذلك جمالأ ونغماً وموسيقى عكسته ملافظ الحروف.
أما عن البدائع:
(( عذب ومرّ)) طباق إيجابي.
(( لمس وهمس)) جناس ناقص وسجع.
((اِرْغَبِي في كُلِّ شَيءٍ
وازْهَدِي في كُلِّ شَيءٍ
واحْذَرِي مِن كُلِّ شَيءٍ
إِنَّ عِشْقَ الرُّوحِ بَابٌ لِلمَهالِكْ))
(( ارغبي وازهدي)) طباق إيجابي.
(( في كل شيء)) تكرار.
(( ارغبي وازهدي واحذري)) مقابلة.
(( إنّ عشق الروح باب للمهالك)) توكيد.
(( التكايا والزوايا)) جناس ناقص وسجع.
(( مسالك وسالك)) جناس ناقص وسجع وقافية.
(( السكارى والحيارى) جناس ناقص وسجع.
البديع في شعر الشريف:
(( الشوق والعشق معاً.. مَن أوجعا ما أوجعا
داعٍ دعاني مرّةً.. والقلب لبّى مسرعا))
موسيقى الحروف.. تعبير النغمة.. وجرس الألفاظ من تكرار واقتباس وسجع وجناس..حسن لفظ ومعان!
في قصيدة قال فيها شاعرها مازن الشريف ملمّحاً لبديعٍ لفظي امتزج بروحِ معنى فسما وأغنى: أما هذه فهي من أرق وأجمل ما كتبت، وقد كان لحنها نفحة من عوالم الروح. إنه العشق حين يرقص مع الكلمات...
١/ دَعِينِي أَرَاكِ قَلِيلًا فَقَطْ
لِنَكْتُبَ حَرْفًا غَرِيبَ النُّقَطْ
٢/ دَعِينِي أَرَاكِ لِيَخْفَى الحَنِينُ
وَيُشْفَى الأَنِينُ فَمَا خَفَّ قَطْ
---
٣/ دَعِينِي أَرَاكِ فَدَمْعِي نَزَحْ
بِشَوْقٍ شَدِيدِ القُوَى مَا مَزَحْ
٤/ وَكَفُّ الهَيَامِ تُمَزِّقُ قَلْبِي
وَتَرْمِي الفُؤَادَ بِقَوْسَيْ قُزَحْ
---
ه/ دَعِينِي أَيَا وَرْدَةَ الجَنَّتَيْنِ
أَرَاكِ لِأَلْقَى الجَوَى مَرَّتَيْنِ
٦/ يَحِنُّ عَلَيْكِ وَيَسْعَى إِلَيْكِ
كَطِفْلٍ مَشَى فِي المَدَى خُطْوَتَيْنِ
---
٧/ دَعِينِي أَرَاكِ بِجَفْنِ الأَمَدْ
أَيَا ذَاتَ فَيْضٍ وَجَزْرٍ وَمَدْ
٨/ فَعِنْدِي مِنَ الشَّوْقِ حِمْلٌ ثَقِيلٌ
وَلَيْلٌ طَوِيلٌ شَدِيدُ الكَمَدْ
---
٩/ دَعِينِي أَرَاكِ بِحَالِ العَجَبْ
فَمَوْتِي بِعَيْنَيْكِ أَمْرٌ وَجَبْ
١٠/ دَعِينِي أَمُوتُ بِحُضْنِكِ عِشْقًا
فَذَا الوَجْدُ بَحْرٌ عَظِيمُ اللَّجَبْ
---
١١/ دَعِينِي أَرَاكِ قَلِيلًا فَقَطْ
لِنَكْتُبَ حَرْفًا غَرِيبَ النُّقَطْ
١٢/ دَعِينِي أَرَاكِ لِيَخْفَى الحَنِينُ
وَيُشْفَى الأَنِينُ فَمَا خَفَّ قَطْ
ماذا في القصيدة؟
في القصيدة نغم وموسيقى ورنين والقصيدة تمشي متواترة على حسن نظم وتقسيم، فيها بيان وتصريع وجناس وطباق وسجع.. وكل ما احتوته محاسن ومعاني اللغة من بديعيات وجماليات.
في البيت الأول: (فقط، نقط) : تصريع وجناس ناقص وسجع)
في البيت الثاني: (لِيَخْفَى الحَنِينُ وَيُشْفَى الأَنِينُ) : جناس ناقص في يخفى ويشفى وفي الحنين والأنين.
في البيت الأول والثاني: حسن تقسيم وتكرار في: دعيني أراك. وحرف روي أو قافية واحدة.
البيت الثالث: اقتباس: ( شديد القوى).
البيتان الثالث والرابع: سجع وجناس في :(نزح، مزح، قزح).
في البيت الخامس: استمرار التكرار في دعيني أراك. هذا يدل على الربط المتين للقصيدة رغم تنوع النغمات وموسيقى الكلمات.
في البيت السادس: جناس وسجع في: ( عليك، إليك).
البيتان الخامس والسادس: تواتر وحسن تنظيم وإشباع الكلمة بحرف الروي.
البيت السابع: طباق إيجابي: ( جزر ومدّ)، وتكرار في : (دعيني).
البيتان السابع والثامن: قافية وسجع وجناس في: (أمد، مدّ، كمَد)، ومراعاة النظيرفي: ( جزر ومدّ، ليل طويل).
في البيتين التاسع والعاشر: جناس وسجع في القافية :(العجب، وجب، اللجب).
و تكرارهنا (ل: دعيني أموت)
وتوكيد في: (فموتي بعينيك أمر وجب)، ليكتمل المعنى.
أما في البيتَين الأخيرين: ١١ و١٢ ففيهما ذكر وتكرار الأبيات الأولى والاختتام بها، وهذه يسمونها اللازمة الشعرية أو الموسيقية للقصيدة؛ "شعر يصنع الموسيقى"
موسيقى القصيدة:
فالقصيدة إذاً موسيقى داخلية ظاهرية باللفظ وباطنية بالنغم واللحن والتقطيع، وقد غناها الشاعر عبر تطبيق أحد استخدامات الذكاء الاصطناعي للغناء، فصارت قصيدة مُغنَّاة، والقصيدة الغنائية نمط يدل على حيوية التراكيب وانسيابيّة الجُمل و حسن استعمال الكلام وتطويعه في لغة تغدو كقطعة موسيقية فنيّة تخدم الغناء عدا عن كونها قصيدة شعرية مكتملة البناء والمعنى أُضيف إليها المغنى!!
السمة الشعرية للقصيدة عند مازن الشريف:
في قصائد الشاعر مازن الشريف سنجد كل قصيدة يغلب عليها طابع بديعي ما، أو اختلاف نوعيّ عن سواها، ولو تكاملت جميعها وأخذت سِمة كاتبها.
وقد يفرض نمط القصائد ذلك، فالقصيدة الديينية مثلاً سيغلب عليها الطابع الملتزم الرصين وتقلّ فيها المحسنات وغالباً ما يطغى الطابع المباشر ذو اللون الواحد وبالنسبة للبديع فيها قد نجد الاقتباس مثلاً أكثر من سواه، هذا بالعموم، أما عند الشاعر مازن الشريف فالأمر مختلف! فكأنه أتى بآيات مرصعات ذات بنيان مرصوص! من قصيدة أقرب لترنيمة تاريخية مشهورة من زمن الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم، يتابع حفيده هذه الترنيمة قائلاً:
ترنيمة على "طلع البدر علينا" جاءت عفو خاطر في لحظات الإسعاد والإمداد في مدينة حبيبي وقرة عيني وجدي رسول الله....
١/ طَلَعَ البَدْرُ عَلَيْنَا
مِنْ ثَنِيّاتِ الوَداعْ
وَجَبَ الشُّكْرُ عَلَيْنَا
ما دَعَا لِلَّهِ داعْ
٢/ طَلَعَ البَدْرُ مُنِيرًا
سالِكًا دَرْبَ الرَّشادْ
يا بَشيرًا يا نَذيرًا
يا إِمامًا لِلْعِبادْ
٣/عِنْدَما جاءَ المَدينَهْ
هَلَّلَتْ كُلُّ الجِبالِ
فارْكَبوا تِلْكَ السَّفينَهْ
آلُ طَهَ خَيْرُ آلِ
٤/حُبِّي قَدْ طالَ اشْتِياقي
فارْحَمِ القَلْبَ الشَّغوفْ
فاضَ دَمْعي فِي المَآقي
حَوْلَكُمْ رُوحي تَطوفْ
٥/ وحَبيبِي قَدْ سَباني
ذُبْتُ مِنْ هذَا الجَمالْ
هِمْتُ والسّاقي سَقاني
في كُؤوسٍ مِنْ دَلالْ
٦/ عِنْدَما الحُسْنُ تَجَلّى
هامَ كُلُّ العاشِقينْ
وَعَلَيْهِ اللهُ صَلّى
فهو مِعْراجُ اليقينْ
٧/ يا حَبيبِي يا مُحَمَّدْ
يا إِمامي يا رَسولْ
كُنْ شَفيعِي يا مُحَمَّدْ
وَعَلِيٌّ وَالبَتولْ
٨/ طَهَ يا خَيْرَ البَرایا
أَنْتَ قُرَّةْ كُلِّ عَيْنْ
أَعْطِنِي أَحْلَى المَزايا
بِالحَسَنْ ثُمَّ الحُسَيْنْ
٩/ مولِدُ الهادِي الشَّفيعِ
يَوْمُ سَعْدٍ لِلْقُلوبْ
آمِنٌ زَهْرُ الرَّبيعِ
أَنْجَبَتْ شَمْسَ الغُيوبْ
دراسة القصيدة بمحسناتها وبديعها:
المقطع الأول: (طَلَعَ البَدْرُ عَلَيْنَا
مِنْ ثَنِيّاتِ الوَداعْ
وَجَبَ الشُّكْرُ عَلَيْنَا
ما دَعَا لِلَّهِ داعْ)
تصريع وجناس: ((الوداع، داع))
تكرار طباق كامل: ((علينا، علينا))
اقتباس: (( دعا لله داع))
حسن التقسيم: (( طلع البدر علينا، وجب الشكر علينا))
المقطع الثاني: (طَلَعَ البَدْرُ مُنِيرًا
سالِكًا دَرْبَ الرَّشادْ
يا بَشيرًا يا نَذيرًا
يا إِمامًا لِلْعِبادْ)
تصريع: ((منيرا، نذيرا))
اقتباس: (( منيرا، بشيراً، نذيرا، إماماً للعباد))
سجع: (( الرشاد، العباد)
سجع وجناس: (( منيرا، نذيرا))
مراعاة النظير: (( البدر، منيرا))
المقطع الثالث: (عِنْدَما جاءَ المَدينَهْ
هَلَّلَتْ كُلُّ الجِبالِ
فارْكَبوا تِلْكَ السَّفينَهْ
آلُ طَهَ خَيْرُ آلِ)
تصريع وسجع: ((المدينة، السفينة))
سجع: (( الجبال، آل))
المقطع الرابع: حُبِّي قَدْ طالَ اشْتِياقي
فارْحَمِ القَلْبَ الشَّغوفْ
فاضَ دَمْعي فِي المَآقي
حَوْلَكُمْ رُوحي تَطوفْ
حسن التقسيم: في كل أشطار القصيدة.
تصريع وسجع: ((اشتياقي، المآقي))
سجع: ((الشغوف، تطوف))
اقتباس: (( تطوف))
وفي المقاطع المتبقية ذات الشيء من بدائع الشعر والتوصيف.
نصل إلى اللفظة متعددة الاستعمالات:
وَقَالَتْ لَسْتُ سَاحِرَةً
وَلَا بِالسِّحْرِ أَشْتَهِرُ
بِهَا العُشَّاقُ قَدْ فُتِنُوا
أَجُنُّوا أَمْ هُمُ سُحِرُوا
فَأَلْفٌ فِي الفَلَا رَحَلُوا
وَأَلْفٌ فِي الثَّرَى قُبِرُوا
وَأَلْفٌ فِي الهَوَى غَرِقُوا
وَأَلْفٌ بِالهَوَى اسْتَعَرُوا
وَأَلْفٌ شَمْسُهُمْ أَفَلَتْ
وَأَلْفٌ مَا لَهُمْ قَمَرُ
كلمة ((ألف)) لفظة واحدة تتشتت عنها وتتفرع تنقسم دلالات عديدة.
براعة وتزيين:
ومن القصائد الجميلة التي اكتست ثوب التزببن اللغوي الذي يخفي تحته جسد قصيدة من نسج شاعر تخطى الدهور جمالاً وسرّا قصيدة أراك:
أَراكِ
بِكُلِّ جَميلٍ… أَراكِ
وأَنّى نَظَرْتُ أَرى مُقْلَتَيْكِ
وأُبْصِرُ في الغَيْمِ وَجْهَ المَلاكِ
وَإِنْ نامَ جَفْني رَآكِ بِحُلْمٍ
وَتُمْسِكُ قَلْبي بِشَوْقٍ يَداكِ
وَأُؤمِنُ أَنَّكِ سِرٌّ قَديمٌ
فَسُبْحانَ رَبٍّ عَظيمٍ بَراكِ
---
أُحِبُّكِ
هَلْ في الكَلامِ كَلامٌ
يُعَبِّرُ عَنْ لَهْفَتي وَارْتِباكي
أُحِبُّكِ
هَلْ في الحُروفِ حُروفٌ
لأَنْسُجَ ثَوْبَ المَعانِي عَسَاكِ
تَرَيْنَ الجَمالَ بِعِشْقي وَنَزْفي
وَعَزْفي عَلى مُرْهَفٍ قَدْ هَواكِ
وَكَيْ تَسْمَعي العَزْفَ لَحْنًا جَميلًا
وَكَيْ تَلْمَسِي الوَجْدَ صَبًّا أَتاكِ
وَكَيْ تَعْذُريني وَكَيْ تَحْضُنيني
فَإِنّي الَّذي ما عَشِقْتُ سِواكِ
وَإِنْ قَدْ عَشِقْتُ سِواكِ قَديمًا
فَقَدْ كُنْتُ أَتْبَعُ طِفْلًا خُطاكِ
وَأَبْحَثُ عَنْكِ بِكُلِّ الصَّبَايَا
وَقَلْبِي عَلى ضِفَّةِ التِّيهِ باكي
حَوْراءُ… حَوّاءَ آدَمَ سِرّي
وَتَوْأَمَ رُوحٍ دَنَتْ لِلْهَلاكِ
وَمَوْتي بِعَيْنَيْكِ مَوْتٌ رَحيمٌ
فَقَدْ مَلَّ قَلْبِي حَياةَ الشِّباكِ
أبرز المقاطع التي حملت سحراً وسرّاً من علم البديع في القصيدة:
رد العجز على الصدر: تكرار كلمة أو لفظ متجانس في أول الفقرة وآخرها.
مثال هنا في القصيدة:
((أَراكِ
بِكُلِّ جَميلٍ… أَراكِ))
مراعاة النظير: (( نَظَرْتُ، أَرى، مُقْلَتَيْكِ، وأُبْصِرُ
نامَ، جَفْني، رَآكِ، بِحُلْمٍ)) الكلمات من ذات الإيحاء.
اقتباس: (وأُؤمِنُ، فسُبْحانَ رَبٍّ عَظيمٍ بَراكِ))
طباق وجناس: (( الكَلامِ كَلامٌ، الحُروفِ حُروفٌ))
جناس: (( نَزْفي وَعَزْفي))
جناس وتورية: ((حَوْراءُ… حَوّاءَ آدَمَ سِرّي))
إعجاز لغوي يتخطّى المبدع والبديع في: الكلمة متعددة المعاني
لا أحد ينكر عبقرية هذا الشيخ والأديب والشاعر والكاتب والخبير بالشأن الأمني والاستراتيجي فكيف عن شؤون لغته العربية وهي أساس اهتماماته ومجال اختصاصه في دراسته الجامعية الأولى، لقد كان شاعراً من قبل وفيما بعد صار الراعي لشؤونها والمطور لفنونها فطرةً ودراسةً وعلماً، بل إنه أصبح من أعلام اللغة العربية شعراً وفلسفةً وفقهاً وخطابةً ونثراَ ومقالاً وتحقيقاً وتدقيقاً، فمن يفسّر القرآن بأوجهه الظاهرية والباطنية لاشك هو الضليع باللغة مضموناً وشكلاً… وإن كان بأسلوبه السهل الممتنع يقدم لنا المعطيات والمعلومات العامة بمقابلاته الإعلامية وخطبه الدينية بلغةٍ سليمةٍ فصيحة فليس معناه أن ذلك شيئاً عادياً.. أبداً! إنه عالم من علوم اللغة العربية بل علم أعلامها وهذا امتياز واختصاص خاص به أن يجمع العلوم على أرضيةِ لغةٍ عربية سليمة خالية من اللبس ومحاكية للغة العصر المفهومة وسط ضياع اللغة في اللهجات وتبنيها للغات العلم والدول التي فرضت استعمارها فدمرت لغات الشعوب الأصلية بحملة ممنهجة على الدين واللغة والثقافة … وقد كانت سياسة طمس معالم اللغة العربية مقصودة باعتبارها أحد المكونات الأساسية الجامعة للأقوام والأوطان.. والنبي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ ليس عبثاً أن يُرسَل صغيراً إلى الصحراء لتعلم أصول اللغة الأم السليقة، فالصحراء كانت بمثابة "مدرسة طبيعية" لتقوية جسد النبي، وتنشئة لسانه على أفصح اللغات، مما أعده لحمل رسالة عظيمة في المستقبل.
مازن الشريف والبلاغة العربية:
وهذه قصيدة يقول عنها صاحبها الدكتور مازن الشريف:
تأملوا جمال اللغة العربية، وروعة ثرائها.
فللكلمة الواحدة معان كثيرة، ومن هذا المنطلق كتبت قصيدة تظهر الشساعة اللفظية للغة الضاد.
نصيحتي ان تقرأ شرح المفردات لتفهم معاني القصيدة، فلعلها تبدي عبقرية شاعر، وتخفي عبقرية موسيقيّ وفنان أيضا.
من يدري، ربما!!!
بالتاكيد اللفظ الذي يدل على أكثر من معنى يسمى "كلمة متعددة المعاني"* وهي كلمة يمكن فهمها بأكثر من طريقة أو استخدامها في سياقات مختلفة.
على عكس "المرادفات" التي تعني نفس المعنى للكلمات، ويمكن استخدامها بدلاً من بعضها البعض في الجمل.
وهذه القصيدة ذات الكلمة المتعددة المعاني ستظهر إعجاز اللغة عند هذا الفيلسوف العظيم مازن الشريف:
القصيدة مع شرح مفرداتها:
يَا مَنْ إِلَى حُضْنِي نَجَا (أسرع)
وَلِغُصْنِ قَلْبِي قَدْ نَجَا ( قطع)
مَا مِنْ مُحِبٍّ قَدْ نَجَا ( من النجاة)
مِنْ حُسْنِهِ لَمَّا نَجَا ( من النجوى والمناجاة)
أَقْسَمْتُ يَا رِيحَ الصَّبَا
أَهْوَاهُ مِنْ زَمَنِ الصِّبَا
وَإِلَيْهِ قَلْبِي قَدْ صَبَا ( حنّ وتشوّق)
وَمَا إِلَى لَهْوٍ صَبَا ( مال )
مَيَّاسُ لَحْظُهُ قَدْ عَتَا (تجبر واستكبر وجاوز الحد)
كَالرِّيحِ حُبُّهُ قَدْ عَتَا (جاوز مقدار الهبوب)
وَالصَّبُّ صَبْرُهُ قَدْ عَتَا ( انتهى)
وَلْهَانُ لَيْلُهُ قَدْ عَتَا ( اشتد ظلامه)
يَا صَاحِبَيَّ لَهُ دَعَا ( اتركا)
فَلَقَدْ دَعَانِي إِذْ دَعَا ( طلب)
وَإِلَى الصَّبَابَةِ كَمْ دَعَا ( ساق إلى)
وَلِحُسْنِهِ سُقْمِي دَعَا ( نسب له)
هَذَا الْجَمِيلُ لَنَا أَعَلْ ( أمرض، من العلة)
وَمَا بِوَصْلٍ قَدْ أَعَلْ ( سقاه تباعاً)
فَلَعَلَّ بَوْحَهُ قَدْ أَعَلْ ( أدخل فيه الإعلال)
وَالْعِيسَ فِي ظَمَإٍ أَعَلْ ( أصدرها قبل ريّها)
أَقْسَمْتُ أَنَّ الْحُسْنَ كَلَّ (لم يجد من يرثه)
مِنْ بَعْدِهِ وَالسِّحْرُ كَلَّ (ضعف)
مُذْ قَالَ لِلْمُشْتَاقِ كَلَّا
ذَا الصَّبُّ بِالْهِجْرَانِ كَلَّ (تعب)
يَهْذِي الْغَرَامُ بِهِ هَجَرْ (هذى)
وَبِهِ الْمُوَلَّهُ قَدْ هَجَرْ (أولع به)
كَمْ هَدَّ رُكْنَهُ إِذْ هَجَرْ (تركه واعتزله وأعرض عنه)
وَلَهُ بِشَوْقٍ قَدْ هَجَرْ ( أوثقه بالهجار أي الحبل)
هذه القصيدة تؤكد قول سارتر بأنّ: “الشعراء هم أناس يمتنعون عن اعتبار اللغة مجرد وسيلة.. الشاعر نفض يده دفعة واحدة من اللغة-الأداة، واختار اختياراً نهائياً الموقف الشعري الذي يعتبر الكلمات أشياء لا مجرد دلائل، أي إنّ الشاعر يتمرّد على الموقف الذي يعتبر اللغة مجرّد أداة تواصل نفعي، تماماً كما يتمرّد الإنسان، متى تحقّقت الوفرة والغنى، عن اعتبار اللباس مجرّد وسيلة لاتّقاء البرد، وهذا معنى قول أرشيبالد ماكليش:
لا ينبغي للشعــر أن يــدل بل ينبغـــي أن يكــــــون
ختام:
هذا هو مازن الشريف.. أمير الشعر والأدب بلا منازع ، وأمير اللغة العربية وسيد بلاغتها.. وارث علم محمدي عظيم وسليل فوارس وبلغاء وفصحاء وفقهاء في الدنيا والدين.
نرجو أن نكون قد وفقنا في هذا العرض البسيط لجانب من جوانب اللغة وعلم البديع وخاصة عند هذا الشاعر العظيم.






