وَدِّع هُرَيرَةَ إِنَّ الرَكبَ مُرتَحِلُ
وَهَل تُطيقُ وَداعاً أَيُّها الرَجُلُ
-الأعشى-
وَدِّعْ هُرَيْرَةَ إنْ أَتَاكَ خِطَابُهَا
فَلَقَدْ جَفَتْكَ وَأُتْرِجَتْ أَبْوَابُهَا
-مازن الشريف-
هريرة الشعر:
ما بين "هريرة" الأرض و"هريرة" السماء؛ هريرة الجمال والشعر. وما بين زمن هريرة المرأة العاديّة التي يجب أن تعيش الطقوس وتعمّر الأرض وتملؤها بالحياة بتعدد الحالات والعلاقات وبين هريرة التي يجب أن تبقى في البال والذاكرة كرمز وعنوان كلّ مرتقٍ وجنّاوي جميل؛ مسافة عمر وفرق دهور وتجارب شتى بعدد من أتوا لهذه الأرض وتغنّوا وتشبّبوا وعاشوا وارتحلوا.. تبقى هريرة الشريف هي المرغوبة المطلوبة بعد رحلة المعاناة وحب الاستقرار والوصول، وهريرة السماء هي سكينة النفس وثمار التجارب الحلوة التي واجهت العواصف وتحمّلت عوامل الطقس من حرّ وقرّ وعانت وصبرت حتى تجذّرت ونمت وتفرّعت وكبرت وأعطت ثماراً.
الحاجة للواقعية والرغبة في الارتقاء والسّموّ:
نحن بحاجة دائماً لهريرة الأعشى الغرّاء الفرعاء المصقول عوارضها والتي تمشي الهوينى كما يمشي الوجي الوحل بتأنٍ وهدوء ودلال ورويّة… وبحاجة لهريرة مازن الشريف تلك التي لا تكتمل النفس وتنتهي مسيرة الحياة الحقيقية السامية إلا بها.. إنها اكتمال الروح ونضج التجربة وشعشعة الجوهر الإنساني حين يتجلّى لذاته بأبهى اشراقاته ولكن لن يتأتّى ذلك إلا بعد تحمّل إعراض هريرة الروح الحبيبة ريثما ترضى وقد أنضجت محبوبها البشري على نار الاستواء فحينها تفتح له الأبواب المغلقة وتعانقه عناق المشتاق الذي صبر واستحق لمس محبوبته.. وما محبوبته إلا سماء نفسه وقربه من عرش الحضرة الكونية فيخلد في جنات ونعيم قرب واستقرار مأوى إذ لا لغو ولا نصب ولا تعب ولا ظمأ ولا انتظار ولا تعذيب… بل شراباً عذباً طيبا.
هريرة في الشعر العربي:
في الشعر العربي "هريرة " هي اسم لمحبوبة الشاعر، وقد اختلف في تحديد شخصيتها الحقيقية، إذ يُقال إنها اسم مستوحى من عالم الجن أو مجرد اسم رمزي للمحبوبة، وقد أصبحت رمزاً للغزل والوداع في الشعر الجاهلي.
فإن كان لفظ"هريرة" في اللغة تصغير هُرَّة وهو القِط، لكنها في الشعر تستخدم كاسم علم للمرأة المحبوبة أو المجهولة.
و في بعض السياقات، قد تعني "هريرة" الكراهية أو النفور، كما في قولهم "لم يستطع إخفاء هريرته".
يظهر الاسم أيضاً في أشعار أخرى كرمز للمحبوبة التي أعرضت عن الشاعر."صدت هريرة عنا ما تكلمنا":
عموماً هريرة أصبحت رمزاً للجمال والحب الضائع، ومن خلال قصيدة الأعشى، اكتسب الاسم شهرة واسعة في تاريخ الشعر العربي.
في معلقة الأعشى:
القصيدة: تبدأ المعلقة بـ "ودّع هريرة إن الركب مرتحلُ وهل تطيق وداعاً أيّها الرجلُ"
وعند الشريف تبدأ القصيدة : وَدِّعْ هُرَيْرَةَ إنْ أَتَاكَ خِطَابُهَا.. فَلَقَدْ جَفَتْكَ وَأُتْرِجَتْ أَبْوَابُهَا
فالشريف أراد قصيدته محاكاة لقصيدة الأعشى لكن عارضاً آخر من عالم الروحان اعترضه فيقول في ليلة كتابتها:
في هذه الليلة خطر ببالي قول الأعشى في معلقته الشهيرة:
وَدِّع هُرَيرَةَ إِنَّ الرَكبَ مُرتَحِلُ
وَهَل تُطيقُ وَداعاً أَيُّها الرَجُلُ
غَرّاءُ فَرعاءُ مَصقولٌ عَوارِضُها
تَمشي الهُوَينا كَما يَمشي الوَجي الوَحِلُ
كَأَنَّ مِشيَتَها مِن بَيتِ جارَتِها
مَرُّ السَحابَةِ لا رَيثٌ وَلا عَجَلُ
وفكرت أن أكتب معارضة لها، لكن روحان الشعر أراد لي قصيدة أخرى ارتجلتها بسرعة.
وهذا نص القصيدة:
وَدِّعْ هُرَيْرَةَ إنْ أَتَاكَ خِطَابُهَا
فَلَقَدْ جَفَتْكَ وَأُتْرِجَتْ أَبْوَابُهَا
بَانَتْ وَقَدْ بَانَ الجَفَاءُ بِوَجْهِهَا
وَحُرُوفُ هَجْرٍ قَدْ أَبَانَ كِتَابُهَا
يَا أَيُّهَا الظَّمْآنُ فِي كَبَدِ النَّوَى
لَا تَنْتَظِرْ حَتَّى يُغِيثَ شَرَابُهَا
هِيَ فِي المَدَى حُلْمٌ وَطَيْرٌ سَابِحٌ
فِي الجَوِّ لَمْ يَعْطِفْ عَلَيْكَ سَحَابُهَا
هِيَ فِي الهَوَى طَيْفٌ وَوَعْدٌ كَاذِبٌ
عَذْبٌ بِهَاجِرَةِ الغَرَامِ عَذَابُهَا
وَهِيَ الَّتِي مَا زِلْتَ تَرْقُبُ وَصْلَهَا
وَيَجِيءُ بِالصَّدِّ المُميتِ جَوَابُهَا
هِيَ سَاعَةٌ لِلبَيْنِ لَسْتَ تَرُدُّهَا
مِثْلَ القِيَامَةِ لَا يُرَدُّ حِسَابُهَا
فَارْأَفْ بِقَلْبِكَ أَنْ يَمُوتَ صَبَابَةً
وَانْظُرْ لِنَفْسِكَ أَنْ يَحِلَّ عِقَابُهَا
وَارْحَلْ عَنِ الطَّلَلِ الَّذِي مِنْ بَعْدِهَا
أَقْوَتْ مَرَابِعُهُ وَسُفَّ تُرَابُهَا
وَأَزِلْ مِنَ الوَلَهِ العَتِيِّ كَلَامَهَا
لَمَّا دَنَتْ يُدْنَى عَلَيْكَ حِجَابُهَا
فَلَقَدْ يَمُوتُ الصَّبُّ مِنْ حُرَقِ الجَوَى
وَلَقَدْ يَذِلُّ الصَّلْدُ لَيْسَ يَهَابُهَا
وَلَقَدْ رَأَيْتُ الخِدْرَ خِدْرَ هُرَيْرَةٍ
كَمْ يَظْمَأُ الوَلْهَانُ ذَاكَ سَرَابُهَا
تَسْبِي العُيُونَ وَإِنْ تَبَدَّتْ مَرَّةً
طَارَتْ عُقُولُ النَّاسِ ضَاعَ صَوَابُهَا
وَعَجِبْتُ مِنْ لَيْلَيْنِ حُزْنِي وَشَعْرِهَا
وَمِنَ الَّتِي يُحْيِي الرَّمِيمَ رُضَابُهَا
وَيحَ الَّذِي قَدْ صَالَ فِيهِ غَرَامُهَا
آهٍ عَلَى أُسْدٍ تُذَلُّ رِقَابُهَا
وَإِذَا الجَمِيلَةُ أُتْرِفَتْ بِلِبَاسِهَا
أَنَّتْ مِنَ الوَجَعِ القَوِيِّ ثِيَابُهَا
رَيْحَانَةٌ مَيْسَاءُ ذَاعَ أَرِيجُهَا
لَانَتْ لِعَاشِقِهَا وَلَانَ خِطَابُهَا
فَارْجِعْ إِذًا يَا مَنْ تُرِيدُ وِصَالَهَا
عَانِقْ هُرَيْرَةَ قَدْ أَتَاكَ خِطَابُهَا
الجفاء والدعوة للوداع:
يدعو الشاعر لوداع هريرة حين يصله خطابها فقد جفت وابتعدت وأوصدت أبوابها جيداً بالإغلاق.. فلا مجال للعودة وقد أظهرت الجفاء حين ظهرت بوجهها قليلاً وحروف الهجر في كتابها الذي يجب أن تفهمه لوحدك يا عزيزي الظمآن المتروك في جوف النأي والبعد عنها، ودّعْها ولا تنتظر حتى تغيثك بشربة ماء، فهي من الغيب ليست مضمونة تسكن المدى كطير سابح لا يحطّ وكحلم ليس حقيقة تلمسه وتصل إليه، فلن تشعر بك وتعطف عليك، لأنّ تكوينها ليس من تكوينك، لا تعرف الهوى كالبشر، وستبدو فيه كخيال ووعد كاذب لن يصدق بالتحقّق، هذا الوعد بحرقة البعد يعذب عذابه، فمهما ترقّبتَ وصلها لن يأتي الجواب إلا بالصّدّ، فهي ليست إلا ساعة للفراق لن تقدر أن تمنعها، كالقيامة لا نستطيع رد حسابها، فارأف بقلبك أن تميته الصبابة واعتنِ بنفسك قبل أن يفوت الوقت وتلقى العاقبة، وابتعد عن ذكر مرابعها فقد انمحت آثار ترابها وعفا ومحا الزمن بقاياها! وتخلّصْ من التولّه وانسَ كلامها الذي يوهمك بالاقتراب فهي لا تقترب إلا لتبتعد وكلما بانت وظهر لك أنّها دنت تسدل الحجاب بينك وبينها أكثر، فأرح نفسك يا صديقي ( ولا تتعلّق بأذيال الوهم والسراب) فقد يموت المشتاق الهائم من نيران الهجر واشتعال الشوق وتوقّده في الحشا، وقد يذلّ القويّ الذي قرّر المجابهة دون خوف. وإنني رأيت هذا الخدر المختصّ بالعشق والغرام خدر هريرة المدلّلة التي تشغفنا بِحبها ووصلها وعرفت أن الظمآن إليه لن ينال لظمئه من مائها إلا السراب.
وصف ظهور المحبوبة:
ورغم ذلك الجفاء فهريرة الغيب المدللة الأنثى الجليلة الجميلة، تغتال العيون فيما لو تبدّت وظهرت للناظرين، تجعل عقول الناس تطير لو أدركتها فلم تعد تميّز الصّحّ من الخطأ.
وإني لأعجب من ليلَين يحيطان بي حزني وشعرها المنساب المنسدل كالليل (الليل هنا كناية عن الاحتجاب)، هي التي تحيي الرميم من العظام وتعيد الحياة للميت فيما لو قبّلته ولامست برضابها جبهة مَن تلمسه..
قوّة المحبوبة وشدّة تأثيرها:
ويا ويح من صال بدمه غرامها فإنها تلوي رقاب الأسود فكيف عن عاشقها يا ويله من جمالها حين تتبدّى له بكل أناقة ملابسها، ستئنّ الثياب من جلالتها وثقل تأثيرها التي تمسّ جسدها تلك الريحانة المنتشية عطراً صاحبة القد والخصر النحيل! ستلين للعاشق الذي أقنعها وأحبتّه أخيراً بعد كل هذه الاختبارات العنيفة بالهجر والبعد وإبداء الجفاء، وستعود إليه طريّة ناعمة القدّ والملمس، في خطابها كلام الحب والغزل فيما لو رضت وقبلت باللقاء.
الدعوة للرجوع:
فارجع أيها المشتاق الذي تقف على الأطلال ولا تملّ من الأبواب الموصدة بوجهك، عد إليها عانقها بعد أن وصلك خطابها بأن أبوابها مفتوحة لك، تنتظرك بكل شوق الحنين الذي عشته أنت لها.
بنية القصيدة:
كما رأينا القصيدة منقسمة إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول وفيه الوداع والدعوة له ( اللاأمل).
والقسم الثاني الإغراق في اليأس وتقديم المبرّرات لذلك، وما يشمله من الدعوة إلى عدم الأخذ بهريرة وبالأطلال وعدم الوقوف عندها كثيراً أو الجري وراءها وترقّبها، لكثرة ما تسبّبه من الحزن والعذاب وإغلاق الأبواب في وجه من ينظر إليها.
والقسم الثالث: يظهر بريق أمل ودعوة للعودة لأحضانها فهي إن عشقت تلين لمحبوبها وتجعله منعماً في أحضانها تسبي العيون وتأخذ بالعقول بنظرة من نظراتها.
يتخلّل ذلك مناورة وشرح مرافق للحالات، فالخطاب شعري والدعوة منطقية في تسلسلها البنيوي الشعري، من الأسباب وصولاً إلى النتيجة بعد شرح المضمون.
هريرة الغيب رمزية:
وإن كانت هريرة رمزاً لإمرأة الجمال والحب الضائع، لكن في قصيدة مازن الشريف هريرة الضياع لا تعدو كونها تربية أخلاقية، فدلالها ليس مزاجاً وهوى في نفس وسلوك مريدها وعاشقها، بل تعليم وتطوير، والسالك في طريقها سيلقى الويلات حتى يصل للنتيجة ، كالعريس الذي تطلب عروسه مهراً غالياً جداً، فلا ييأس ويبقى طالبها، ويفعل المستحيل لإرضائها والسعي للحصول على ثمن وجوده بجانبها، ولكنه ذاك السعي الشريف النبيل القوي الشجاع، الصابر الهمام، الهائم الكلف، الوجد الصائم في عشق محبوبه عن عشق سواه، فلا مغريات له ولا شيء يحيده عن مطلبه، حينها تقتنع العروس الجميلة التي أوصدت الأبواب بوجه طالبها وتفتح له ذراعيها ويلين خطابها وتنشر عبيرها وتحيطه بخصرها المائس اللين وحضنها الريان الممتلئ دفئاً وحباً وشغفاً.
العبرة:
هي دعوة للسالك بألّا يستهين بدرب حبيبته "محبوبته" من الحضرة السماوية العليا، فمهما قست عليه فهي تحنّ وتريده الأكمل أمام ذاته وقد تخلّص من ضعفه وأذاب بالبعد والهجر والحرقة أشواك نفسه فاحترقت في لظى الهاجرة ولهيب الشوق وحرقة الجفاء.
هريرة الأعشى:
أما هريرة الأعشى فترمز لهريرة العشق الأرضي وما فيه من علائق متشابكة وفوضى المشاعر وتخبّطات العشق، فكلٌّ يعشق أحداً لا يريده ومن يريده لا يريده مريده! وأثناء الجفاء واليأس يلجأ العاشق إما إلى الحسرة أو العتاب أو التفاخر أو المقارنة بزمن الشباب أو التشبّب بالشرب وفتيان الحوانيت وما إلى ذلك من جنون العشق العبثي:
عُلَّقتُها عَرَضاً وَعُلَّقَت رَجُلاً
غَيري وَعُلَّقَ أُخرى غَيرَها الرَجُلُ
والأعشى واللهو صنوان لا يفترقان:
فَقَد أُخالِسُ رَبَّ البَيتِ غَفلَتَهُ
وَقَد يُحاذِرُ مِنّي ثُمَّ ما يَئلُ
تعريج عام على القصيدة:
إنّ القصيدة الشهيرة التي يُطلق عليها قصيدة "ودّع هريرة" نسبةً إلى مطلعها ويعدّها العرب إحدى معلقات الشعر الجاهلي تعود إلى الشاعر الجاهلي الأعشى الكبير، وهو يُكنّى بأبي بصير واسمه ميمون بن قيس بن جندل بن شرحبيل بن ربيعة بن نزار، وينتسب إلى قبيلة بكر بن وائل الكبيرة، لم ترد عن نشأته وظروف حياته أخبار كثيرة وواضحة، لكن أُشير إلى أنه كان كثير الأسفار والتنقل يمدح الأشراف والسادة، وقد عُرِف عنه جودة شعره في مختلف الأغراض الشعرية، ورقيّ مستواه الفني وتغنّيه به، حتّى عُدّ واحداً من فحول الشعر الجاهلي وأعلامهم وأُطلق عليه لقب صنّاجة العرب.
والصناجة هي آلة موسيقية إيقاعية (الصنج) أو الشخص الذي يضرب بها، لذا فاللقب يعني أنه أشهر من يغني الشعر ويطرب به الناس.
ومما جاء من شرح عن الأعشى ما يلي:
نظم الأعشى معلّقته هذه التي يقول في مطلعها "ودّع هريرة إنّ الركب مرتحلُ" على البحر البسيط، وهي تقع في 66 بيتًا، غرضها الأساسي هجاء يزيد بن شيبان وتهديده بالثأر، وافتخار الشاعر بقبيلته وقومه في الحرب وتفوقهم عليه.
شرح موجز لأبيات القصيدة:
يفتتح الأعشى قصيدته بمقدمة غزليّة على عادة الشعراء الجاهليين، فيودّع محبوبته التي اسمها "هُريرة" ومشاعر الحزن والضعف تُسيطر عليه، فقد تهيأ الركب للرحيل ولم يعد هناك مفرّ من الوداع، وفي هذه اللحظات يُسيطر عليه خيال المحبوبة ويتجلّى أمام عينيه.
ويبدأ الشاعر في تصوير محبوبته بنبرة متحسّرة؛ فهي بيضاء حسنة الوجه، شعرها كثيف وطويل، وأسنانها بيضاء مصقولة، وهي تمشي مشية رزينة متمهلة يُهيأ لمن يراها أنها تمشي في أرض مليئة بالأوحال فلا تقوى على المشي سريعاً، وكأنها سحابة تمرّ في الفضاء، وفي أثناء مشيتها تلك تصدر أصوات الحلي في معصميها وساقيها وكأنّه حبّ نبات العِشرق قد حرّكته الرياح.
وَدِّع هُرَيرَةَ إِنَّ الرَكبَ مُرتَحِلُ
وَهَل تُطيقُ وَداعاً أَيُّها الرَجُلُ
غَرّاءُ فَرعاءُ مَصقولٌ عَوارِضُها
تَمشي الهُوَينا كَما يَمشي الوَجي الوَحِلُ
كَأَنَّ مِشيَتَها مِن بَيتِ جارَتِها
مَرُّ السَحابَةِ لا رَيثٌ وَلا عَجَلُ
تَسمَعُ لِلحَليِ وَسواساً إِذا اِنصَرَفَت
كَما اِستَعانَ بِريحٍ عِشرِقٌ زَجِلُ
يُشير الشاعر إلى أنّه ليس وحده من وقع في حبّ هُريرة، بل كانت تلفت نظر كلّ من يراها فيقع في حبها، وخُلقها السمح يقربها من ملّ مَن يُجاورها، كما أنها تتمتّع بالكثير من الصفات الحميدة؛ فهي لم تؤذِ أحداً، ولا تتدخّل فيما لا يعنيها، ولا تسترق السمع إلى أسرار الناس، لكنها في المقابل غير مُعتادة على الكدّ والاهتمام بشؤون المنزل كبقية النساء، وعندما تقوم إلى جارتها تتحامل على نفسها وتشعر بالوهن والكسل، فيهتزّ جسمها الناعم وتضطرب أردافها الضخمة، ويجفو وشاحها عن خصرها.
بعد ذلك ينطلق الشاعر في خياله واصفًا مواضع الفتنة والإغراء التي تمتلكها محبوبته وكأنّها تمعّن بها وفحصها بنظرات دقيقة، فمرفقاها صغيران اختفت عظامهما في ساعديها الممتلئين، وقدماها صغيرتان جفا باطنهما عن الأرض، ورائحتها عبقة مخلوطة بالمسك والياسمين تمتلئ بها طريقها حين تسير.
لَيسَت كَمَن يَكرَهُ الجيرانُ طَلعَتَها
وَلا تَراها لِسِرِّ الجارِ تَختَتِلُ
يَكادُ يَصرَعُها لَولا تَشَدُّدُه
إِذا تَقومُ إِلى جاراتِها الكَسَل
إِذا تُعالِجُ قِرناً ساعَةً فَتَرَت
وَاِهتَزَّ مِنها ذَنوبُ المَتنِ وَالكَفَلُ
مِلءُ الوِشاحِ وَصِفرُ الدَرعِ بَهكَنَةٌ
إِذا تَأَتّى يَكادُ الخَصرُ يَنخَزِلُ
صَدَّت هُرَيرَةُ عَنّا ما تُكَلِّمُنا
جَهلاً بِأُمِّ خُلَيدٍ حَبلَ مَن تَصِلُ
أَأَن رَأَت رَجُلاً أَعشى أَضَرَّ بِهِ
رَيبُ المَنونِ وَدَهرٌ مُفنِدٌ خَبِلُ
نِعمَ الضَجيعُ غَداةَ الدَجنِ يَصرَعَها
لِلَّذَةِ المَرءِ لا جافٍ وَلا تَفِلُ
هِركَولَةٌ فُنُقٌ دُرمٌ مَرافِقُها
كَأَنَّ أَخمَصَها بِالشَوكِ مُنتَعِلُ
إِذا تَقومُ يَضوعُ المِسكُ أَصوِرَةً
وَالزَنبَقُ الوَردُ مِن أَردانِها شَمِلُ
يستكمل الشاعر في هذا المقطع من القصيدة وصف محبوبته بأنها روضة أزهرت ورودها وجاد عليها المطر وأشرقت عليها الشمس لتنعكس على جداولها المحاطة بالنباتات الخضار الجميلة وتفوح منها رائحة طيبة، ونتيجة ذلك كلّه تعلّق بها الشاعر ووقع في حبّها، لكنها لا تبادله هذا الحبّ وتحبّ رجلًا غيره لا يأبه بها ولا يُعطيها اهتمامًا، فيضحك متعجّباً من هذا الأمر وهذه المصادفات.
كما يتعجّب الشاعر من صدّ هذه المحبوبة عنه، فلو أنها رأته في أيام شبابه وفي إقبال الأيام عليه لكان حالهما غير ذلك، لكنها رأته رجلًا أضرّ به الزمن وعضّه الدهر حتى بدا كالأسد المخبول، فكان لقاؤهما خشناً جافياً.
ما رَوضَةٌ مِن رِياضِ الحَزنِ مُعشَبَةٌ
خَضراءُ جادَ عَلَيها مُسبِلٌ هَطِلُ
يُضاحِكُ الشَمسَ مِنها كَوكَبٌ شَرِقٌ
مُؤَزَّرٌ بِعَميمِ النَبتِ مُكتَهِلُ
يَوماً بِأَطيَبَ مِنها نَشرَ رائِحَة
وَلا بِأَحسَنَ مِنها إِذ دَنا الأُصُلُ
عُلَّقتُها عَرَضاً وَعُلَّقَت رَجُلاً
غَيري وَعُلَّقَ أُخرى غَيرَها الرَجُلُ
وَعَلَّقَتهُ فَتاةٌ ما يُحاوِلُها
مِن أَهلِها مَيِّتٌ يَهذي بِها وَهِلُ
وَعُلِّقَتني أُخَيرى ما تُلائِمُني
فَاِجتَمَعَ الحُبَّ حُبّاً كُلُّهُ تَبِلُ
فَكُلُّنا مُغرَمٌ يَهذي بِصاحِبِهِ
ناءٍ وَدانٍ وَمَحبولٌ وَمُحتَبِلُ
قالَت هُرَيرَةُ لَمّا جِئتُ زائِرَها
وَيلي عَلَيكَ وَوَيلي مِنكَ يا رَجُلُ
ثم يصف الشاعر نفسه في مجلس خمر مع أصحابه؛ فيسألهم عن السحاب العارض الذي مرّ أمامه وبقي نظره معلقًا به لم يصرفه عنه ما كان فيه من لهو، وماذا يرون فيه وأين يتوقّعون نزوله، وهم في حدس وتخمين كلّ يتوقّع الأرض التي سيصيبها هذا العارض بمائه ذاكرين أسماء مواضع عديدة، مثل: نمار، وبطن الخال، والعسجدية، والأبلاء، وغيرها، لكنّ الشاعر يراها أنها ستسقي ديار محبوبته التي أصبحت بعيدة لا تقصدها الخيل ولا الركبان.
يا مَن يَرى عارِضاً قَد بِتُّ أَرقُبُهُ
كَأَنَّما البَرقُ في حافاتِهِ الشُعَلُ
لَهُ رِدافٌ وَجَوزٌ مُفأَمٌ عَمِلٌ
مُنَطَّقٌ بِسِجالِ الماءِ مُتَّصِلُ
لَم يُلهِني اللَهوُ عَنهُ حينَ أَرقُبُهُ
وَلا اللَذاذَةُ مِن كَأسٍ وَلا الكَسَل
فَقُلتُ لِلشَربِ في دُرنى وَقَد ثَمِلوا
شيموا وَكَيفَ يَشيمُ الشارِبُ الثَمِلُ
بَرقاً يُضيءُ عَلى أَجزاعِ مَسقِطِهِ
وَبِالخَبِيَّةِ مِنهُ عارِضٌ هَطِلُ
قالوا نِمارٌ فَبَطنُ الخالِ جادَهُما
فَالعَسجَدِيَّةُ فَالأَبلاءُ فَالرِجَلُ
فَالسَفحُ يَجري فَخِنزيرٌ فَبُرقَتُهُ
حَتّى تَدافَعَ مِنهُ الرَبوُ فَالجَبَلُ
حَتّى تَحَمَّلَ مِنهُ الماءَ تَكلِفَةً
رَوضُ القَطا فَكَثيبُ الغَينَةِ السَهِلُ
يَسقي دِياراً لَها قَد أَصبَحَت عُزُباً
زوراً تَجانَفَ عَنها القَودُ وَالرَسَلُ
ثم يتجه الشاعر بعد وصفه الدقيق -بالتحديد في الأبيات من 35 إلى 44- لأيّام شبابه وحياته في الحوانيت ومع الغانيات وأصحاب اللذة واللهو والساقي الذي يلفّ يسقيهم الخمر إلى الحديث عن الغرض الأساسي من القصيدة وهو هجاء يزيد الشيباني، فيوجّه له رسالة مفادها التهديد والوعيد ونعته بالصفات القبيحة، إذ يصفه بأنه حين ينفر الناس للقتال وتشبّ الحرب وينتشر المقاتلون يبدو كوعل أحمق ينطح صخرة ليفلقها لكنه لا يُضيرها وإنما يكسر قرنه ويشقّه، ويستمرّ بعد ذلك بهجائه والحديث عن ضعفه ومساوئه.
وينتقل الشاعر بعد ذلك إلى الفخر بنفسه وبقبيلته ويعدد القبائل التي عادوها فقهروها ومنهم أسد وقُشير، فيقول كنّا إذا قاتلناهم قتّلناهم تقتيلًا وكانوا هم الجناة على أنفسهم بما جاروا علينا، وفي المقابل لنا أحلاف يقفون إلى جانبنا ويصبرون على النضال فاحذر يا ابن شيبان ولا تستهِن بنا.
إِمّا تَرَينا حُفاةً لا نِعالَ لَنا
إِنّا كَذَلِكَ ما نَحفى وَنَنتَعِلُ
فَقَد أُخالِسُ رَبَّ البَيتِ غَفلَتَه
وَقَد يُحاذِرُ مِنّي ثُمَّ ما يَئلُ
وَقَد أَقودُ الصَبى يَوماً فَيَتبَعُن
وَقَد يُصاحِبُني ذو الشِرَّةِ الغَزِلُ
وَقَد غَدَوتُ إِلى الحانوتِ يَتبَعُني
شاوٍ مِشَلٌّ شَلولٌ شُلشُلٌ شَوِلُ
في فِتيَةٍ كَسُيوفِ الهِندِ قَد عَلِموا
أَن لَيسَ يَدفَعُ عَن ذي الحيلَةِ الحِيَلُ
نازَعتُهُم قُضُبَ الرَيحانِ مُتَّكِئاً
وَقَهوَةً مُزَّةٌ راوُوقُها خَضِلُ
لا يَستَفيقونَ مِنها وَهيَ راهَنَةٌ
إِلّا بِهاتِ وَإِن عَلَّوا وَإِن نَهِلوا
يَسعى بِها ذو زُجاجاتٍ لَهُ نُطَفٌ
مُقَلِّصٌ أَسفَلَ السِربالِ مُعتَمِلُ
وَمُستَجيبٍ تَخالُ الصَنجَ يَسمَعُهُ
إِذا تُرَجِّعُ فيهِ القَينَةُ الفُضُلُ
مِن كُلِّ ذَلِكَ يَومٌ قَد لَهَوتُ بِهِ
وَفي التَجارِبِ طولُ اللَهوِ وَالغَزَلُ
وَالساحِباتُ ذُيولَ الخَزِّ آوِنَةً
وَالرافِلاتُ عَلى أَعجازِها العِجَلُ
أَبلِغ يَزيدَ بَني شَيبانَ مَألُكَةً
أَبا ثُبيتٍ أَما تَنفَكُّ تَأتَكِلُ
أَلَستَ مُنتَهِياً عَن نَحتِ أَثلَتِنا
وَلَستَ ضائِرَها ما أَطَّتِ الإِبِلُ
تُغري بِنا رَهطَ مَسعودٍ وَإِخوَتِهِ
عِندَ اللِقاءِ فَتُردي ثُمَّ تَعتَزِلُ
لَأَعرِفَنَّكَ إِن جَدَّ النَفيرُ بِنا
وَشُبَّتِ الحَربُ بِالطُوّافِ وَاِحتَمَلوا
كَناطِحٍ صَخرَةً يَوماً لِيَفلِقَها
فَلَم يَضِرها وَأَوهى قَرنَهُ الوَعِلُ
لَأَعرِفَنَّكَ إِن جَدَّت عَداوَتُنا
وَاِلتُمِسَ النَصرُ مِنكُم عوضُ تُحتَمَلُ
تُلزِمُ أَرماحَ ذي الجَدَّينِ سَورَتَنا
عِندَ اللِقاءِ فَتُرديهِم وَتَعتَزِلُ
لا تَقعُدَنَّ وَقَد أَكَّلتَها حَطَباً
تَعوذُ مِن شَرِّها يَوماً وَتَبتَهِلُ
قَد كانَ في أَهلِ كَهفٍ إِن هُمُ قَعَدوا
وَالجاشِرِيَّةِ مَن يَسعى وَيَنتَضِلُ
سائِل بَني أَسَدٍ عَنّا فَقَد عَلِموا
أَن سَوفَ يَأتيكَ مِن أَنبائِنا شَكَلُ
وَاِسأَل قُشَيراً وَعَبدَ اللَهِ كُلُّهُمُ
وَاِسأَل رَبيعَةَ عَنّا كَيفَ نَفتَعِلُ
إِنّا نُقاتِلُهُم ثُمَّتَ نَقتُلُهُم
عِندَ اللِقاءِ وَهُم جاروا وَهُم جَهِلوا
كَلّا زَعَمتُم بِأَنّا لا نُقاتِلُكُم
إِنّا لِأَمثالِكُم يا قَومَنا قُتُلُ
حَتّى يَظَلَّ عَميدُ القَومِ مُتَّكِئاً
يَدفَعُ بِالراحِ عَنهُ نِسوَةٌ عُجُلُ
تعليق على المعلّقة " القصيدة" وتبرير موجب لها:
القصيدة من المعلقات التي فتنت العرب وتعلّقوا بها وفتنوا، نحن نتكلّم عن زمن كان فيه الشاعر هو الفنّان والمخرج والرسول والحكواتي والبليغ والمفخرة… فكيف عن فحول الشعراء وأصحاب المعلقات من القصائد؟ هم لولا يكونون ذلك ما كانت قصائدهم وصلت لمرتبة المعلقة! هم بمثابة أشهر مشاهير أهل الفن والإبداع، نجوم عصرهم.
وإن كانت القصيدة فيها من الجرأة بوصف المكنونات جميعها فلا عجب، الشاعر يعكس الحالات النفسية والاجتماعية والعادات والتقاليد، فهو مرآة لقيم المجتمع وحال المرأة فيه وشكلها ومنظور الحب في ذاك الوقت عند الأقوام والقبائل.
وإن كان موضوع المغامرات العاطفية هو السائد بعد الوقوف على الأطلال فهي لأنّها حياة طويلة جداً عاشوها في تلك الصحاري والبوادي التي ليس فيها إلا أصوات الذئب والليل الطويل والمدى الممتدّ بالصمت والوحشة دون أي ملهيات ووسائل تواصل قد تشغلهم.
فهم أبطال وفوارس ونبلاء وعشاق وإننا نفتخر بإبداعهم الشعري والوصفي أياً كان.
ولكن هذه مقارنة شريفة محايدة لِعَصرَين ساد في الأول الحياة الصعبة وبساطة التفكير والانشغال بأمور البيئة والقبيلة بعيداً عن تفكير السماء وجوانب الروح والغيب والفضاء إلا كسقف لهم وإحساس يحرّكهم ونجوم يتقفّونها ويأنسون بضوئها و مناجاتها.. وما بين عصر وصل حدّ التطور التكنولوجي والفكري وما فيه مما لا يمكن حصره من وسائل تقنيّة وتسلية وترفيه وليس فقط الوقوف على الأطلال وتجرّع أقداح الخمر.
الشاعر مازن الشريف وتجلّي القصيدة من عالم الروحان:
ومع شاعر مثل مازن الشريف الذي أخذ من العرب فصاحتهم وسرى معهم وبهم حيث مراقي الفكر ومعارج الروح للوصول إلى مصطلح القصيدة الروحانية والوحي الذي يأتي بالشعر من عالم الروحان.. وحيث تنجلي الفضاءات وتبدو الروح أمامه كسقف السماء الصافية بعد مطر منهمر.
بعض المفارقات ونقاط مشتركة بين الأعشى والشريف:
ما بين هريرة الحسّيّة وهريرة المعنويّة.. هريرة الموجودة التي ترتحل وهريرة البعيدة التي ربّما تقترب.. كما وصف الشاعر مازن الشريف هناك هريرة من عالم الروحان.. وعالم الروحان لاشك مختلف بمعانيه ومغزاه عن عالم البشر ولو تقاطع معه في النهاية، إذ يشترك في هذا الخطاب إمرأة تدعى هريرة، ويبدو أن هريرة في الشعر غدت رمز الوداع والحب المرتحل، فهل ستختلف المعادلة في نتيجتها عند الشاعر مازن الشريف الذي استهلّ قصيدته بذلك وكدنا نقتنع بضرورة البعد واستحالة الوصل!؟
وَدِّعْ هُرَيْرَةَ إنْ أَتَاكَ خِطَابُهَا
فَلَقَدْ جَفَتْكَ وَأُتْرِجَتْ أَبْوَابُهَا
بَانَتْ وَقَدْ بَانَ الجَفَاءُ بِوَجْهِهَا
وَحُرُوفُ هَجْرٍ قَدْ أَبَانَ كِتَابُهَا
يَا أَيُّهَا الظَّمْآنُ فِي كَبَدِ النَّوَى
لَا تَنْتَظِرْ حَتَّى يُغِيثَ شَرَابُهَا
هِيَ فِي المَدَى حُلْمٌ وَطَيْرٌ سَابِحٌ
فِي الجَوِّ لَمْ يَعْطِفْ عَلَيْكَ سَحَابُهَا
ففي مقدمة قصيدته يقول بأنها جفت وأغلقت الأبواب، فهي بانت ولكن الجفاء بان بوجهها وقرار الهجر كان فحوى كتابها، ونصيحة إلى الظمآن الماكث في جوف النوى والبعد ألا ينتظر شراباً من غيثها، فهي ليست إلا كحلم وطير سابح في المدى لم يعطف سحابها عليك بالطلّ والطلّة والهطول، وهي في الهوى ليست في الواقع من شيء إلا كطيف ووعد كاذب يعذب بصحراء الغرام لكن بعذابه.
فلو بقيت تنتظر وتترقب وصالها فلن يأتيك الجواب إلا بالصدّ والهجران، وليس فيها من رغد العيش والكسل كما جاء عند الأعشى بوصف محبوبته، بل هي أبعد من ذلك عند الشاعر الشريف؛ هي قاسية وحازمة كالقدر المحتوم بالبعد، هي ساعة الفراق والحساب لن تقدر على الخلاص منها كالقيامة لابد من مجيئها وتحققها.
هِيَ سَاعَةٌ لِلبَيْنِ لَسْتَ تَرُدُّهَا
مِثْلَ القِيَامَةِ لَا يُرَدُّ حِسَابُهَا
هذا عند الشاعر مازن الشريف أما عند الأعشى فالقصيدة هي الأصل بمخاطبة هريرة وبتوديعها فيقول:
وَدِّع هُرَيرَةَ إِنَّ الرَكبَ مُرتَحِلُ
وَهَل تُطيقُ وَداعاً أَيُّها الرَجُلُ
الاثنان استهلّا بالوداع، لكن وداع هريرة الأعشى بسبب الإرتحال عن المكان وهريرة الشريف بسبب غلقها للأبواب من دون تحركها:
وَدِّعْ هُرَيْرَةَ إنْ أَتَاكَ خِطَابُهَا
فَلَقَدْ جَفَتْكَ وَأُتْرِجَتْ أَبْوَابُهَا
هريرة عند الأعشى: نجدها حسية وقد استطرد جمالاً وتفصيلاً بوصفها المرهف الدقيق الرقيق:
غَرّاءُ فَرعاءُ مَصقولٌ عَوارِضُها
تَمشي الهُوَينا كَما يَمشي الوَجي الوَحِلُ
كَأَنَّ مِشيَتَها مِن بَيتِ جارَتِها
مَرُّ السَحابَةِ لا رَيثٌ وَلا عَجَلُ
تَسمَعُ لِلحَليِ وَسواساً إِذا اِنصَرَفَت
كَما اِستَعانَ بِريحٍ عِشرِقٌ زَجِلُ
يَكادُ يَصرَعُها لَولا تَشَدُّدُها
إِذا تَقومُ إِلى جاراتِها الكَسَلُ
هِركَولَةٌ فُنُقٌ دُرمٌ مَرافِقُها
كَأَنَّ أَخمَصَها بِالشَوكِ مُنتَعِلُ
إِذا تَقومُ يَضوعُ المِسكُ أَصوِرَةً
وَالزَنبَقُ الوَردُ مِن أَردانِها شَمِلُ
هريرة عند مازن الشريف: معنوية، نجح في تقفّي صفاتها وصفاً شمولياً تعريفيّاً عميقاً منمّقاً:
هِيَ فِي المَدَى حُلْمٌ وَطَيْرٌ سَابِحٌ
فِي الجَوِّ لَمْ يَعْطِفْ عَلَيْكَ سَحَابُهَا
هِيَ فِي الهَوَى طَيْفٌ وَوَعْدٌ كَاذِبٌ
عَذْبٌ بِهَاجِرَةِ الغَرَامِ عَذَابُهَا
وَهِيَ الَّتِي مَا زِلْتَ تَرْقُبُ وَصْلَهَا
وَيَجِيءُ بِالصَّدِّ المُميتِ جَوَابُهَا
هِيَ سَاعَةٌ لِلبَيْنِ لَسْتَ تَرُدُّهَا
مِثْلَ القِيَامَةِ لَا يُرَدُّ حِسَابُهَا
الوصف البديع عند الشاعرَين:
عند الشريف:
وَلَقَدْ رَأَيْتُ الخِدْرَ خِدْرَ هُرَيْرَةٍ
كَمْ يَظْمَأُ الوَلْهَانُ ذَاكَ سَرَابُهَا
تَسْبِي العُيُونَ وَإِنْ تَبَدَّتْ مَرَّةً
طَارَتْ عُقُولُ النَّاسِ ضَاعَ صَوَابُهَا
عند الأعشى:
ما رَوضَةٌ مِن رِياضِ الحَزنِ مُعشَبَةٌ
خَضراءُ جادَ عَلَيها مُسبِلٌ هَطِلُ
يُضاحِكُ الشَمسَ مِنها كَوكَبٌ شَرِقٌ
مُؤَزَّرٌ بِعَميمِ النَبتِ مُكتَهِلُ
يَوماً بِأَطيَبَ مِنها نَشرَ رائِحَةٍ
وَلا بِأَحسَنَ مِنها إِذ دَنا الأُصُلُ
الصدّ:
الأعشى: صَدَّت هُرَيرَةُ عَنّا ما تُكَلِّمُنا
جَهلاً بِأُمِّ خُلَيدٍ حَبلَ مَن تَصِلُ
الشريف: وَهِيَ الَّتِي مَا زِلْتَ تَرْقُبُ وَصْلَهَا
وَيَجِيءُ بِالصَّدِّ المُميتِ جَوَابُهَا
ضوع العطر:
الأعشى: إِذا تَقومُ يَضوعُ المِسكُ أَصوِرَةً
وَالزَنبَقُ الوَردُ مِن أَردانِها شَمِلُ
الشريف: رَيْحَانَةٌ مَيْسَاءُ ذَاعَ أَرِيجُهَا
لَانَتْ لِعَاشِقِهَا وَلَانَ خِطَابُهَا
في الخواتيم: هريرة ضاعت عند الأعشى والتقت عند الشريف:
نجد الأعشى نسي هريرة واستطرد يتحدّث عن أيّام شبابه وحياته في الحوانيت ومع الغانيات وأصحاب اللذة ليصل إلى الغرض الأساسي من القصيدة وهو هجاء يزيد الشيباني، فيوجّه له رسالة مفادها التهديد والوعيد ونعته بالصفات القبيحة، ويستمرّ بعد ذلك بهجائه والحديث عن ضعفه ومساوئه.
فقد كانت هريرة مجرد استهلال وعرض لساحات المغامرات ووصف المرأة كما اعتاد الشعراء القدامى، فهو عندهم كالناموس الشعري الذي اعتادوه وكالقانون الذي يشرعن نجاح القصيدة بأنها ذات أصول وفروع مكتملة، فمن عادات العرب في أغراضهم الشعرية الوقوف على الأطلال ثم التشبب بالمحبوبة ثم أخيراً الوصول للغرض الأصلي وهنا كان الانتقام والهجاء.
فهريرة ضاعت حقاً واختفت أذيالها في هجاء يزيد الشيباني.
أما عند الشريف فبقيت القصيدة مكتملة بفكرة واحدة وظهرت نتيجتها الجميلة كمعادلة شعرية أنّه بعد الصدّ يكون اللقاء حسب درجة الاستحقاق واتّباع سبل الحلّ الصحيحة:
فَارْجِعْ إِذًا يَا مَنْ تُرِيدُ وِصَالَهَا
عَانِقْ هُرَيْرَةَ قَدْ أَتَاكَ خِطَابُهَا
مع الأخذ بعين الاعتبار أن للأعشى معلّقة فيها ما فيها من أغراض ذكر الأطلال، الغزل، الفخر والهجاء في حين اقتصر الشاعر الشريف في قصيدته على أخذ لمحة وذكرى بيت شعري من تراثنا الشعري القديم ليبني قصيدته التي يريدها في هريرة أخرى اقتصر غزلها على نمط مختلف جداً يبتعد عن الحسّ حيث مرابع المعنوي الإدراكي العميق.
وضياع هريرة عند الأعشى لا يفسد لودّ المحبوبة ولغرض الشعر قضية، واستعادة ذكرها بشعر الشريف زاد من بريق حلّتها ولمعان رونقها وأعاد إحياء الذاكرة الشعرية، مضيفاً للأعشى سحراً وجاذبية.
روعة الشعراء:
الشاعران اشتركا بوصف رائع وصور مبهرة ودقة تصويرعالية وإبداع وإخراج لا مثيل له… كلٌّ أتى من طرفه بفسيفساء من المعاني والصور والملاحم الكلامية والمشهدية.
وإن كان الأعشى أتى بمعلقة تضمّنت تفاصيل بلاغية وبديعية وشعرية؛ كذلك الشريف رغم أنه جاء بقصيدة وليست معلقة فقد اختزلت قصيدته في أبياتها الثمانية عشر جمال وجلال وتفاصيل معلّقة بأكملها.
نحن في زمن الاختزال والتخصص فلكل زمن أسلوبه وطرق عرضه.
كان لابد من معلقات في زمن ليس فيه من بطولات وكتب ومسارح وسينما ومراسلات ومنابر ثقافية سوى الشعر والآن يصعب اتباع المعلقات، وقد تفرع الإبداع والشعر إلى فنون شتّى.
هذا العصر المتسارع يحتاج لقول الفكرة باختصار أكثر مع حفاظه على مقومات الشعر والقصيدة…
وكذلك هذه المعلقات الذهبيّة حريّ بأصحاب الشعر العودة إليها وذكرها ودفعنا للتعرّف إليها وتجديدها بما يليق بعصرنا، فهي أساس تراثنا وسجلات دواويننا مما كان يحصل في تاريخنا..أليس الشعر ديوان العرب؟! وهذا ما يفعله الشاعر مازن الشريف فهو حافظ للتراث الفكري والتاريخي بأنواعه بما فيه الشعري.
ومسك الختام عن المرأة والعشق:
نختم بفقرة من رواية ولي الله للمعلم الدكتور مازن الشريف عن العشق حيث يقول:
نحرص على تعليمكم العشق على حقيقته،
ذلك العشق المعلق بأستار الحضرة، والذي لا يكون فيه تعلق إلا بالله وما يكون من الله كالتعلق بحضرة المحبوب الأعظم.
ولا يخفى ما لعشق المرأة من أثر في مسيرة السالك نحو ربه، فعشقها سبيل لعشقه، رغم اختلاف العشقين في المعنى والمبنى، ولكن دُربة القلب على نار العشق الغرامي مهمة ليقبل الاحتراق في نار العشق الإلهي.






