السيدة زينب (ع) والملحمة الكربلائية  في شعر الشيخ الدكتور مازن الشريف وفكر الإمام الشهيد علي الخامنئي

بواسطة رجاء شعبان
30 يوليو، 2026

محاور الموضوع:

-قصيدة “وقف الزمان” للشاعر مازن الشريف (تفاصيلها)

– السيدة زينب في صبرها وحزنها

-الوقوف عند قصيدة (في الرحاب الزينبيّة) لمازن الشريف

– جوانب من شخصية السيدة زينب

(ألقابها – دورها – خُطبها )

-خُطَب السيدة زينب ودورها السياسي والإعلامي وإشهار النصر المعنوي – ميزات خُطَب السيدة زينب

-خطبة السيّدة زينب ليزيد بن معاوية في الشام -فضل زينب وتأثيرها -حالة السيدة زينب الوجدانية الإيمانية أمام جسد أخيها الحسين

– زينب الأنثى الّلينة التي َلا تنثني إلا للحقّ

-فلسفة السيد الشهيد علي الخامنئي في ملحمة زينب الكبرى عليها السلام

-خاتمة


***


زينب تنهّدي في قلبي تنهيدة الفخر لأتنفّسك دهراً من الحسن لا يشيخ.. لن أتكلّم عن صبرك فالصبر تكلّم عنك! ولكن سأتكلّم عن وجعك.. عن فؤادك المكلوم والطافح نوراً بِحَمْلِ الرسالة المحمدية يا عبق الكلمة ونور القرآن يتلألأ بك حين يشتدّ الظلام ويحتاج من يسرجه حين الألسن تسكت عن قول الحقّ وتخاف طغيان الشّرّ، أيّتها القويّة بذاتك، الممدودة برسالتك، المخلوقة لقضية ربّك.. يا ابنة عليّ والزهراء… تنطقين بعزمٍ لا يلين.

…..

يقول الشاعر مازن الشريف:
مَن مثلُ زينبَ في البلاءِ صبورةٌ
إذْ ينجلي الإخلاصُ والإيمانُ
هيَ بِنتُ حيدرةََ وبِنتُ محمّدٍ
بِنتُ الفواطمِ سِرُّها الإحسانُ
تمشي على وجعٍ وينزُفُ قلبَها
وتئنُّ خلفَ دموعِها الأوطانُ

فمَن مثل زينب بالصبر والحزن والإيمان وتحمّل المشاقّ واستنزاف الجرح، وقد وصفها الشاعر المحبّ والوارث لآل البيت خير وصف، ووضع يده على الجراح يشفيها بعد طول الزمان ويعيد لها حقّها ويُبرز جوهرها ويُظهر خير إظهار قيمتها العظيمة والجليلة؟!

نعم مازن الشريف خلّد آل البيت وجدّهم المصطفى وخدم هذا الدين القائم عليهم وتابع مسيرة زينب وأبيها وأمها وأخويها، والأولياء الصالحين من قبل جدّها وبعده… وأتقن فيهم الشعر واكتمل البرهان وتناهى البيان إذ أخذ جماله منهم وفي وصفهم.

يقول في قصيدته:

وقف الزمان
وقفَ الزَّمانُ فَمَا هناكَ زمانُ
وتصدَّعتْ لِمُصابِكَ الأكوانُ
وبكى عليكَ المُصطفى ووصيُّه
ُوخديجةُ الكبرى لها أشجانُ
وبكاكَ رُسِلُ اللّه عندَ إمامِهِم
وبكى الملائكُ وانجلى البرهانُ
وبكتْ عليكَ الأرضُ وهي مُليمةٌ
وفَجاجُها والبيدُ والشطآن

لمصابك يا حسين تصدّعت الأكوان وبكاك النبي والإمام علي وحزنت لأجلك السيدة خديجة، حتى أنّ رسل الله بَكَتْكَ عند إمامهم المصطفى المختار والملائكة معهم، وتمّت الحجّة وانجلى البرهان. كذا الأرض بكت عليك وهي متألّمة بمنعطفاتها وبيدائهاوشطآنها.

يا أشرفَ الماشينَ فوقَ تُرابِها
مَن زُلزِلَتْ لِقتالِهِ الأركانُ
يا خيرَ أهلِ اللّهِ قُطْبَ زمانِهم
قدْ حاصروكَ وطوّق الشَّيطانُ

فيا حسين أنت أشرف الماشين فوق التراب، لأجلك تزلزلت أركان الأرض، يا خير أهلها، يا قطب زمانك وإمام عصرك، حاصروك وأحاط بك الشيطان من كل جانب.

وأرادَ أهلُ الزِّيغِ قَتْلَ مُحمّدٍ
في جسمِكَ المَكدودِ يا ظمآنُ
الصَّبرُ إنْ ناديتَ جاءَ مُلبّياً
هلْ تاهَ عنكَ ليُجْهَلَ العنوانُ

قتلكَ أهل الكذب وتزييف الحقائق يا حسين، وأرادوا بقتلك قتل محمد النبي ومحو رسالته العظمى، فانتقموا بجسدك المرهق تحت سيوفهم أيها الظمآن الذي استشهد وقد حرموه وأهله شرب الماء. يا من إذا ناديت الصبر جاءك ملبيّاً النداء، فهل أضاع الصبر طريقه فيجهل عنوانه دونك؟

وإذا اليقينُ أرادَ حجَّةَ وقتِهِ
أسرى إليكَ ليُعرَفَ الإيقانُ
مَن كابنِ فاطمةَ البتولِ شجاعةً
وشهادةً ذُهِلَتْ لها الأزمانُ

وكذا اليقين لو أراد حجّةً وبرهاناً ليعلن صدقه ومشروعيّته في ذاك الوقت فلن يجده إلا عندك يا هادي اليقين ليقينه.

فمن يكون كابن فاطمة الزهراء السيدة الطاهرة في الشجاعة والاستبسال وتقديم الشهادة كأولوية وفنّ عظيم أخذت ألباب العقول وذهلت بها الأزمان؟

مَن كالحُسينِ ومَن كَصبرِهِ شاهدٌ
أنْ لابنِ حيدرِ ينحني الشّجعانُ
مَن مِثلُ ضرغامِ المعاركِ باسلٌ
مغوارٌ لم يرجفْ لديهِ جَنَانُ

من يكون مثل الإمام الحسين ومن يكون مثله الصبر الذي يشهد أنّ لابن حيدر ينحني الفوارس الأبطال والشجعان، ومن مثل هذا الأسد في الحروب باسل شامخ لا ينحني، مقدام لا يتراجع ولا يفرّ في المواقف الصعبة التي يعجز عنها الليوث، لا يرتجّ ولا يرتجف، جبّار لم يهتزّ له قلب ولم يضعف في النوازل؟

وإذا السِّهامُ أتتكَ قمتَ مُكبّراً
مِن حولكَ الأبطالُ والفرسانُ
أولادُ خيرِ المرسلينَ، وصحبِهِم
وحبالُ عزمٍ شدَّها الرَّحمنُ

إذا جاءَتْكَ السهام قمت مكبّراً باسم الله أكبر، ومن حولك يجتمع الأبطال والفرسان. أنتم أولاد وذريّة خير المرسلين المبعوثين الهادين وصحبهم، وأنتم حبال الرحمن القويّة الممدودة التي قوّاها الله لتكون صلة الوصل بينه وبين المخلوق.


يا آلَ أحمدَ يا وراثةََ جدِّهم
بينَ البريَّةِ أنتم الفُرقانُ
الصابرونَ على البلاءِ تجمّلاً
والثابتونَ على الإباءِ تفانَوا

فيا آل أحمد أنتم وراثة جدّكم النبي المصطفى بين الخلق. أنتم هم الفيصل والكتاب المسطور الذي يفرق بين الحق والباطل. الصابرون دوماً على البلوى تصبّراً وإيماناً ويقيناً بالله، الثابتون على الدين والمروءة قد فنوا في الله.

أمّا الحرائرُ فالشُّموسُ تغارُ مِن
ذاكَ السَّناءِ ويذهلُ الإمكانُ
حتّى المحالُ يرى وتعجُبَ عينُهُ
إذْ حازَ سرَّ اللّهِ ذا الإنسانُ

أما الحرائر من نساء آل البيت فالشموس تغار من نورهن المتلألئ وسنائهن المشعّ وقد تخطّى الممكن والمألوف، فَهنّ الاستثناء الذي وصل حدّ الآية والمعجزة.

مَنْ مِثلُ زينبَ في البلاءِ صبورةً
إذْ ينجلي الإخلاصُ والإيمانُ
مَنْ أمُّها يا سائلاً عنها ومَن
آباؤها لا زورُ لا بهتانُ
هيَ بِنتُ حيدرةََ وبِنتُ محمّدٍ
بِنتُ الفواطمِ سِرُّها الإحسانُ
كانتْ ترى الرَّحمنَ قلباً شاهداً
وتقولُ يا ربَّاهُ يا ديّانُ
باركْ بهذا الذِّبحِ واقبلْ نَزْفَهُ
هذي الدِّماءُ لعزِّكُم قُربانُ
تمشي على وجعٍ وينزُفُ قلبَها
وتئنُّ خلفَ دموعِها الأوطانُ
يا أيُّها الليلُ الخبيرُ بأمرِها
يا جرحُ يا أوجاعُ يا أحزانُ
ضمّدْ جِراحَ الصّابراتِ على النَّوى
حيثُ الأسى والظُّلْمُ والطّغيانُ
لا ذنبَ قدْ عانينَ إلّا أنَّهُ
على جدِّهنَّ تنزّلَ القرآنُ
خبِّرْ يزيداً أنَّ نارَ جهنَّمٍ
تشتاقُ أنْ تلقاهُ يومَ يُدانُ

نعم ليس هناك مثل زينب في الصبر على البلاء، إذ يتبلور بها الإخلاص والإيمان جليّاً بارقاً، فمن أمّها؟ اسأل أيها السائل عنها وعن آبائها حيث يتجلّى الصدق فلا كذب ولا ادّعاء، فهي بنت حيدرة عليّ الكرّار، بنت الفواطم فاطمة البتول الزهراء التي عصمها الله وطهّرها وفاطمة بنت أسد جدّتها أم أبيها التي شرّفها الله بولدها عليّ، فطمهم الله عن السوء وأعطى زينب سرّ الإحسان و التي سرّها من سرّهم وهو أعلى مقام بالتقرّب عند الله، جعلها سبحانه تراه بقلبها عياناً وصارت في مرتبة الشهود العظمى تنادي الرحمن وتناجي الله في مشهد الحسين الشهيد المذبوح: اللهمّ يا واهب يا معطي تقبّل منّا هذا الذبح العظيم قربان لعزّكم وبقاء كلمتكم واستمرار أمركم وجلالكم، بكامل إيمانها وذروة احتسابها عند الله وتجلّي روح الحقّ والشكر بها. هذه التي تتعالى عن آلامها وتمشي فوق نزف الجرح وتبكي لحالها الأمصار والأوطان. ولا خبير بحزنها إلا الليل حيث تكتم آهاتها فيسمعها هذا الصمت الممتدّ بالجرح والحزن، والوجع يطول ويطول. فيا ليل لطالما سترتَ كلّ شيء فَضمِّدْ جراح الصابرات من آل البيت المكلومات اللواتي لم يعد لديهن إلا الجراح يتواسين بها وخفْفّ هول الشعور بالظلم والأذى والأسى والطغيان، فلا ذنب لديهنّ إلا أنهنّ من أهل و ذرّيّة محمد رسول الله الذي تنزّل القرآن عليه وصار المكلّف بالهداية للناس. وخبّر يزيد اللعين القاتل أنّ يومه قادم، فسيوفي الدين وقد قتل دينه بالحسين ونكّل به بِذرّيّته، وسيأتي اليوم الذي يقاضَى فيه ويُحاسب لا محالة وسيكون الدَّيْن غالياً جدّاً ودفع الثمن باهظاً من عند الله هذا الذي عادى الله ونبيّه وخرّب دينه.


تفاصيل السيدة زينب في صبرها وحزنها:

-نعم الشاعر الدكتور مازن الشريف ذكر تفاصيل لزينب، فزينب تفاصيل والتفاصيل هي مَن صَنَعَتْها وخاصة الحزن والأسى والصبر على النوائب وإعطاء دروس بالحق والدين وحفاظة رسالة الحسين.

فكثير مَن يقول: زينب جبل الصبر.. زينب أم النوائب.. أم المصائب.. كناية عمّا واجهت منها، زينب الشموخ والكبرياء.. زينب العالمة… لكن أليس لصبر زينب تفاصيل؟ وإن كان العنوان العريض الذي تصدّر المشهد: الصبر! كيف يأتي هذا الصبر؟ من دون مشاعر؟ من دون إحساس؟ من دون حزن؟

تمشي على وجعٍ وينزُفُ قلبَها
وتئنُّ خلفَ دموعِها الأوطانُ
يا أيُّها الليلُ الخبيرُ بأمرِها
يا جرحُ يا أوجاعُ يا أحزانُ
ضمّدْ جِراحَ الصّابراتِ على النَّوى
حيثُ الأسى والظُّلْمُ والطّغيانُ

هذا جزء من تفاصيل حزن زينب الذي وصل القاع ثم سما وارتفع وجاهد النهوض فوق الأسى بمعجزة الصبر للوصول إلى قمة اليقين والإيمان بقضاء الله وقدره وتقبّل كل ما يأتي فداء مرضاته وإثبات هذا الإيمان وإعطاء دروس فيه. لأن محبة الله ليست كلام منمّق وادّعاء، هو درب من الأهوال يعين تحمّله الصبر، وصبر زينب لم يأتِ هكذا بلمسة حرير ورقية ساحر أو تعويذة ملاك ولا شفاعة جدّ من دون استحقاق، بل جاء من حزنها، وقوّتها، نشأ من رقّتها وانكسارها. وليس سهلاً ما تعرّضت له دون أن تتصدّع بداخلها وتنهار بذاتها، لتكون آية التحدّي والوقوف والثبات والفناء في حب الله.


الشاعر مازن الشريف في قصيدته: (في الرحاب الزينبية) يعبّر عن تألّمه لحال زينب ويتماهى جرحه بجراحها فيغدو الجرح واحد والحال ذاته، ينادي طالباً العفو والقرب والنظرة منها وقد وضع القِيَم حيث مواضعها، وقيّم زينب التقييم الصحيح:

ناديتَ زينبَ والجراحُ كأنَّها
شقَّ الصّخورِ بِركنِ أرضِ مُجدَبِ
أنا من حُسينٍ يا مشيرةُ نِسبَتي
ما زلتُ في كبَدِ النَّوى حَسَنُ أبي
فَبِحقِّ حقِّك عندَ جاهِ المصطفى
وبِجاهِ أمِّكِ والإمامِ الأطيبِ
وبِحَقِّ صبرِكِ والهمومُ كثيرةٌ
وبِحَقِّ دمعِكِ بعدَ فَقْدِ الأقربِ
وبِحقِّ تَقواكِ العظيمةِ والإِبا
جُودِيْ عليَّ بِنظرةٍ لِتَحُلَّ بِي
أنوارُ ربِّ العالمينَ فكلُّ مَن
يَحظى بِنَظرةِ زينبَ لم يُحْجَبِ
يا فلذةَ الزَّهراءِ هذا مقصِّرٌ
جمَّ الذُّنوبِ فَمَن لِصَبٍّ مُذنبِ

فمن يحبّ الله سيثبت حبّه جمراً وصبراً لينال ثمراً، وآل بيت الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم هم أهل الله وحفظة عرشه وخدمه، اختمروا وجعاً وفنوا في حبّه، ضحّوا في سبيله فكانوا النور على دربه.


وفي تفاصيل زينب الشعرية سيذكرها شاعرها، محبّها، شاعر آل البيت خادمهم وولي أمرهم بخدمتهم، شاعر الزمان بالحق، وريثهم ووارث الأئمة، يعيد الحقّ لزينب وآهاتها وكربلائها وآل بيتها، في قصيدة مفحمة بتفاصيل حبهم وتخصيص زينب والحرائر ممّن كانوا معها في تلك المأساة المشرّفة التي غدت برهان الحق الساطع. فمن مثل زينب إلا آل بيتها ومن مثل مازن الشريف ليكتب عن زينب ويعبّر بجميل قصيده عن فحوى محبّته وعذوبة لوعته! ؟

لا تَعْتَبي إنْ جئتُ عِندَكِ عاشقاً
ما كنتُ أولَّ عاشقٍ كي تَعْتَبِي
أو تَعْجَبي مِن حالِ قلبٍ متيَّمِ
قدْ هامَ في نورِ الجمالِ الزَّيْنَبي
أنا قطرةٌ مِنكم وتربُ نعالِكُم
دُوسِيْ عَلى جِسمِ المُحبِّ وقرِّبِيْ
منِّي الجِنانَ لِكي أنالَ شفاعةً
مِنكُم لِربِّ النّاسِ أبلُغُ مَطلَبي

ومعرفة تفاصيل هذا الجبل من الثبات والشموخ والإباء المتجسّد في زينب مهمّة جدْاً لتعلم مسيرة الصبر كم هي مكلفة وغالية في طريق الإيمان الحقيقي القاسي وكأس محبّته الصافية، وترجمتها موقفاً لا قولاً وتنظيراً فقط، كم ترهق وتهلك من لم يملك نيّة وفطرة الإيمان والسعي به والتمسّك فيه تحت أي الظروف ومهما حصل، فكثيراً ما نرى الناس يعبدون الله على خير أعطاه لهم، فإن تحوّل الحال معهم لضرّاء وولّى زمن السّرّاء ولّوا معه منقلبين، يعبدون الله على حرف كما وصفهم القرآن:

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج: 11].

والآية تصف حال ضعيف الإيمان الذي يعبد الله بشروط، فإن استقرّت أحواله الدنيوية استمرّ في العبادة، وإن أصابته محنة أو ابتلاء ترك دينه وانقلب عن طاعته.

لكن زينب وآل البيت خارج هذا التوصيف، هم عابدون بالمطلق لله، أهل بيته، يتولّون شؤون أمره ويهدون إليه في الخلق، مدارس في حب الله والتعرّف إليه، والسير في سبله، منهم يأخذ شاعرهم ومتولّي شؤون عشقهم وخادمهم: (مازن الشريف) المكمّل لمسيرتهم، والمعترف بفضلهم، الزارع في أرضهم، يحصد سنابل خيرهم ويهبها باسمهم في سبيل ربّهم.

يقول في قصيدته التي يهديها لعشّاق زينب عليها السلام:

في الرحاب الزينبيّة
هديّة لعشاق زينب عليها السّلام
يا نفسُ كُفّي عن الهوى لا تلعبي
ما كانَ فرضُ محبَّةِ أنْ تتعبي
أم زارَ طيفٌ للأحبِّة فانجلى
نورٌ يحيِّرُ من جمالِ الكوكبِ
وأتتْ مواكبُ آلِ بيتِ مُحمَّدٍ
فاحتارَ لبُّكَ في سناءِ الموكبِ
وسَرَتْ مراكبُهم بِبَحرِ سعادةٍ
فَسَرى الغرامُ بِخافقَيْكَ لِتركَبِي
يا نفسُ ما هذا الغرامُ وسقمُهُ
في أيِّ بحرٍ قدْ سلكتِ بِمَركبي
أنا محضُ عشقٍ في حُشاشةِ مُغْرَمِ
جَمِّ الصَّبابةِ قد توسّّلَ بالنَّبي
يدعو العليَّ وذا عليُّهُ قد دَنَا
مِن مَشرِقِ الأسرارِ نحوَ المغربِ

فالشاعر مازن الشريف لا يختبئ وراء حيائه أو عنفوانه، بل يجابه ويجاهر بتواضع ويعترف بثقة بعظمة النبي وآله وبمكانة زينب، فهو العارف بفضلها ومكانتها، على مكانته يطلب منها أن تعلّم روحه الإباء وتؤدّبه، وأن تقبله خادماً في رحابهم! وهذا الخادم الجميل الذي هو منهم ولهم له ميعاد في القدس باسمهم، متوّج بسّر وروح المصطفى صلى الله عليه وآله وسلّم.

ها علِّمِي قلبي الوُثوقَ بِحبِّكُم
ها عِلَّميْ روحيَ الإباء وأدِّبيْ
ها فاقبليني خادماً لِرحابِكُم
ها فاسْكُني كلِّي فإنِّكِ زيْنَبي
واللهِ مذّ ذقتُ الغرامَ بأرضِكم
ما ذقتُ غيرَ صَبَابةِ المُتوثِّبِ
للقُدسِ ميعادٌ وإنِّي قادمٌ
في الفجرِ بالمَددِ القويِّ المُرعبِ
وبِميمِ هاءٍ ثمَّ دالٍ حُجَّتي
ومُحمديّ في البريّةِ مَشرَبي


جوانب من شخصية السيدة زينب

(ألقابها – دورها – خُطبها )


ألقابها: لُقبت السيدة زينب عليها السلام بألقاب عديدة تدلّ على مكانتها العالية، وأبرزها: عقيلة بني هاشم، أم المصائب، والحوراء.

عقيلة بني هاشم: ويعني المرأة الكريمة النفيسة المخدرة في قومها، وهو أشهر ألقابها. أم المصائب: لكثرة ما رأت وشهدت من رزايا ومصائب، وخصوصاً في كربلاء. الحوراء: وصف لجمال خلقها وطهارتها وسمو صفاتها. العالمة غير المعلمة: للدلالة على علمها اللدني وفهمها العالي دون تعليم بشري. عابدة آل علي: لكثرة تهجدها وقيامها وعبادتها. بطلة كربلاء: لصبرها وشجاعتها وموقفها العظيم بعد استشهاد الإمام الحسين.

خُطَب السيدة زينب ودورها السياسي والإعلامي وإشهار النصر المعنوي

خطبها: مثّلت خطبها (عليها السلام) بعد واقعة كربلاء امتداداً ثورياً لرسالة الإمام الحسين، حيث فضح خطابها البليغ سياسات الأمويين. أبرزها خطبة زينب في الكوفة التي وبّخت فيها أهلها بشدة لخذلانهم. وخطبة السيدة زينب عليها السلام الشهيرة في الشام في مجلس يزيد التي تحدت فيها الطاغية بصلابة.

ميزات خُطَب السيدة زينب: تتميز خطبها (عليها السلام) الكربلائية ب: البلاغة وقوة البيان: فقد اتسمت بأسلوب لغوي رفيع وقدرة عالية على التأثير في الجماهير، وقد وُصفت بلاغتها بأنها امتداد لبلاغة أبيها الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) .

فضح السلطة: استعملت خطبتها في دمشق لتبيين حقيقة ما جرى، وكسر هيبة يزيد، مبيّنة أن ما أصاب أهل البيت هو كرامة ومنزلة رفيعة عند الله وليس كما صوّره الأمويون.

التأثير التاريخي: ساهمت هذه الخطب في تحويل مسار الأحداث، ومنع طمس القضية الحسينيّة، وقلبت موازين الرأي العام في عقر دار الأمويين لتصبح صرخة خالدة في وجه الظلم. فخطاب السيدة زينب (ع) أحد عوامل تحريك التاريخ.

خطبة السيّدة زينب ليزيد بن معاوية في الشام:

تميّزت السيدة زينب عليها السلام ابنة أمير المؤمنين عليه السلام بمواقفها البطولية والرائدة في مواجهة الظلم والطغيان الأموي، ولا سيما بعد أحداث واقعة كربلاء، ومن ذلك أنه عندما وجّه عبيد الله بن زياد، آل الحسين عليه السلام إلى يزيد بدمشق، ومثلوا بين يديه أمر برأس الحسين، فجيء به في طست، فجعل ينكت ثناياه بقضيب في يده وهو يقول من أبيات:
ليت أشياخي ببدر شهدوا… جزع الخزرج من وقع الأسل
لأهلوا واستهلوا فرحاً… ثم قالوا يا يزيد لا تشل
فجزيناهم ببدر مثلها… وأقمنا ميل بدر فاعتدل

فقالت عليها السلام:
“الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على رسوله وآله أجمعين، صدق الله سبحانه حيث يقول: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا السُّوأَى أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِؤُون﴾(الروم:10).

أظننتَ يا يزيد حيث أخذت علينا أقطار الأرض، وآفاق السماء، فأصبحنا نساق كما تساق الأسارى أن بنا على الله هوانا، وبك عليه كرامة، وأن ذلك لعظم خطرك عنده فشمخت بأنفك، ونظرت في عطفك (ما أنت عليه من السلطان)، جذلان مسروراً، حين رأيت الدنيا لك مستوسقة، والأمور متّسقة، وحين صفا لك ملكنا وسلطاننا فمهلاً مهلاً، أنسيت قول الله تعالى: ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾. (آل عمران:178)

أمن العدل يا ابن الطلقاء، تخديرك حرائرك وإماءك، وسوقك بنات رسول الله سبايا، قد هتكت ستورهنّ، وأبديت وجوههنّ، تحدو بهنّ الأعداء من بلد إلى بلد، ويستشرفهن أهل المناهل والمعاقل، ويتصفّح وجوههنّ القريب والبعيد، والدّني والشّريف، ليس معهنّ من حماتهن حمي ولا من رجالهن ولي، وكيف يرتجى مراقبة من لفظ فوه أكباد الأزكياء، ونبت لحمه من دماء الشهداء، وكيف يستبطأ في بغضنا أهل البيت من نظر إلينا بالشنف(بالطمع) والشنآن(البغض)، والأحن(ما في القلب من شجون) والأضغان ثم تقول غير متألم ولا مستعظم:
لأهلّوا واستهلّوا فرحاً… ثم قالوا يا يزيد لا تشل

منحنياً على ثنايا أبي عبد الله سيّد شباب أهل الجنّة تنكتها بمخصرتك وكيف لا تقول ذلك، وقد نكأت القرحة، واستأصلت الشأفة، بإراقتك دماء ذرّيّة محمّد صلى الله عليه وآله ونجوم الأرض من آل عبد المطلب وتهتف بأشياخك زعمت أنّك تناديهم فلتردن وشيكاً موردهم ولتودنّ أنّك شللت وبكمت ولم تكن قلت ما قلت وفعلت ما فعلت.

اللهمّ خذ لنا بِحقّنا، وانتقم ممّن ظلمنا، واحلل غضبك بمن سفك دماءنا، وقتل حماتنا.

فوالله ما فريت إلا جلدك، ولا حززت إلا لحمك، ولتردنّ على رسول الله صلى الله عليه وآله بما تحملت من سفك دماء ذرّيّته وانتهكت من حرمته في عترته ولُحمته، حيث يجمع الله شملهم، ويلم شعَثَهم، ويأخذ بحقهم ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾.(آل عمران:169)

وحسبك بالله حاكماً، وبمحمد صلى الله عليه وآله خصيماً، وبجبرئيل ظهيراً، وسيعلم من سوّل لك ومكّنك من رقاب المسلمين بئس للظالمين بدلاً وأيكم شرّاً مكاناً، واضعف جنداً.

ولئن جرّت علي الدواهي مخاطبتك، إني لأستصغر قدرك وأستعظم تقريعك، وأستكثر توبيخك، لكن العيون عبرى، والصدور حرّى.

ألا فالعجب كل العجب، لقتل حزب الله النجباء، بحزب الشيطان الطلقاء، فهذه الأيدي تنطف من دمائنا، والأفواه تَتَحلّب من لحومنا وتلك الجثث الطواهر الزواكي تنتابها العواسل، وتعفّرها أمهات الفراعل(أمهات الضباع) ولئن اتخذتنا مغنماً، لتجدنا وشيكاً مغرما، حين لا تجد إلا ما قدمت يداك وما ربّك بظلام للعبيد، وإلى الله المشتكى وعليه المعول.

فكد كيدك، واسع سعيك، وناصب جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا، ولا يرحض عنك عارها، وهل رأيك إلا فند وأيامك إلا عدد، وجمعك إلا بدد، يوم ينادي المناد ألا لعنة الله على الظالمين.

والحمد لله رب العالمين، الذي ختم لأوّلنا بالسعادة والمغفرة ولآخرنا بالشهادة والرحمة، ونسأل الله أن يكمل لهم الثواب، ويوجب لهم المزيد ويحسن علينا الخلافة، إنه رحيم ودود، وحسبنا الله ونعم الوكيل”.


هذه هي السيدة زينب وهذا جزء من عظيم بيانها وشديد بلاغتها الممزوجة بحبر القرآن والمُسرجة بنور آياته.


مَن يسمعها ويقرأ كلماتها تُصيبه القشعريرة ويمتلئ شعوره فخراً وعزّاً وشموخاً يستمدّه منها، هي قرآن زمانها.

لقد فضحت يزيد واستصغرته وأرته حجمه الحقيقي بعد أن كان يتمايل ويتبختر مفتخراً بجريمته ، مغترّاً بنذالته، مبتهجاً بنصره التافه، فقالت وفي قولها حدّ الدموع حين تتحوّل لسيوفٍ طاعنة:

(ولئن جرّت علي الدواهي مخاطبتك، إني لأستصغر قدرك وأستعظم تقريعك، وأستكثر توبيخك، لكن العيون عبرى، والصدور حرّى) .


(فوالله ما فريت إلا جلدك، ولا حززت إلا لحمك).


وحريّ بالشاعر مازن الشريف حين يقول:

مَن مثلُ زينبَ في البلاءِ صبورةٌ
إذْ ينجلي الإخلاصُ والإيمانُ

فضل زينب وتأثيرها:

زينب هي الندّ ليزيد تقطّعه إرباً إرباً بكلامها وتستردّ حقّ جدّها وتُعلي راية أبيها وتستنهض دموع ومظلوميّة أمها بكلام كالخنجر يستذكر الحقّ ويجدّد عهد بقائه ويسترجعه فيبقى حجّة لا يموت. زينب حكمة بالغة كَحدّ السيف.. جعلت من يزيد وجيشه الذي – لم يحسب لها حساباً- مهزلة النصر الذي توهّموه ومن الحسين آية النصر الحقيقية التي يتعامى عنها العدو، هي إثبات الحق والجهر به وفضح العدو والأقوام المنافقة، كان لسانها لسان العرش ينطق بمنطق الملائكة وأنبياء الله وقرآن جدها ببلاغة أبيها وفصاحة أهلها.. زينب قلب المأساة الذي ينبض بالحب ولا يستسلم اَمام غدر أناس الزمان لأجل محبوب مُبجّل جلَّ في علاه، نطقت عن لسان كل ولي صالح بكلامها.. فكانت زينب حبيبة أبيها، مَن أضاء قنديلها، تشعل منه فتيل النور.. صرخات لا تتوقّف بوجه الظلم وتمجيد الحسين بالحق والحق بالحسين.. أليس الحسين إمام الزمان في زمانها؟ أليست هي يده اليمنى وقضيته قضيتها التي اختارها، وقضيتهما قضية رسول الله جدها؟ ومن جدها؟ أليس رسالة وكلمة الله وقرآنه وشريعته ونوره في خلقه؟!!!


حالة السيدة زينب الوجدانية الإيمانية أمام جسد أخيها الحسين:

وقفت السيدة زينب (عليها السلام) عند جسد الإمام الحسين في معركة كربلاء، وهو في رمضاء الصحراء، وصاحت بكلمات يملؤها الحزن والرضا، بحالة من رقّة الوجدان ومصفّى الإيمان ونادت تناجي النبي: “يا محمّداه! صلّى عليك مليك السماء، هذا حسينٌ بالعراء، مُرمّلٌ بالدماء، مقطَّع الأعضاء”.

قالت وقد امتلأ قلبها تسليماً لله: “اللهم تقبل منّا هذا القربان”. واستعانت به في شكواها: “ونحن بناتك سبايا. إلى الله المشتكى، وإلى محمّد المصطفى…”.

وقد وصفت حال الحسبن: “بأبي المهموم حتّى قضى، بأبي العطشان حتّى مضى”.

زينب الأنثى الّلينة التي َلا تنثني إلا للحقّ

بنظرة على موضوعنا في القضية الكربلائية وشخصية عظيمة كانت محوراً كبيراً فيها كالإمام الحسين عليه السلام، هي شخصية السيدة زينب ودورها المهمّ في هذه الملحمة التاريخيّة، وما اُشتهرت به من صبر وجبروت وتحدّي الطاغوت، سنسلّط الضوء على تفاصيل هذا الصبر وجزئيّات أساسيّة شكّلت ما عُرِفَ وانتشر عن شخصية هذه السيّدة. فهل كانت السيدة زينب امرأة من صبر فقط؟ ومن أين يأتي الصبر؟ أليس من الوجدان الذي يتولّد عنه أي شعور آخر من الانفعال كالتسرّع وعدم الصبر مثلاً ؟ أليس الصبر من الإيمان ومنظومة القيم الأخلاقية والاجتهادية؟ حين يتكلّمون عن زينب فكأنهم يتكلمون عن امرأة حديدية صنعت من آلة وليست إنساناً له مشاعر وقلب يتفطّر حزناً قبل أن يسلّم قلبه لله، فكأن إيمانها جاء طبيعة فطرية ولا فضل لها باجتهاد ومكابدة! وللحق هذا يضيّع معالم أعظم امرأة تملّكت الرّقة قبل القوة والعاطفة قبل الواجب وامتلأت حباً وحناناً فأفاضت منه عقلاً ودرباً وسقت مواقفاً وعلّمت رجالاً وأزهرت ديناً وأينعت خيراً وأثمرت جمالاً، وحافظت على رسائل نبوّة وودائع أئمة ووداعة راهبات وتبتّل ناسكات وعطف أم وحنان أخت وحبيبة.

زينب هنا ليست جانب واحد في قضية الحسين؛ قضية الشهادة والبيع لله فحسب، بل قضية الأنثى الّلينة التي لا تنحني للعاصفة ولا تنثني إلا للحقّ، لا تأخذها الهواجس ولا تضعفها العواطف أمام حب الله ومعرفة قيمة أئمته، وأوليائه، هي منهم ولهم تكمل الرسالة المحمدية بأعظم مشاهد للمرأة العاقلة المعلمة المتعلمة العالمة الرقيقة الصدّيقة ذات البلاغة والحسب والنسب وطيب الكلام وحدة الذكاء… هي ختام كربلاء وبدئها الحقيقي بإعلان النصر.. القضية ابتدأت بالإمام الحسين شقيقها ومرت بأبي الفضل العباس أخوها حامل راية الجيش؛ راية رسول الله، وتفرّعت لأغصان مباركة حملت وأثمرت الكثير من قصص الشهادة والتضحية كاستشهاد علي الأكبر، لتختم بها خير ختام وتعلن انتصار الحياة على الموت، الشهادة على السلطة الطاغية، حفظت الإمام زين العابدين بن الحسين بحنكتها ودافعت عنه بمنطق شريعة رسول الله، فهزمت الحاقدين رغم كيدهم والذين حاولوا قطع وبتر نسل رسول الله من العترة الطاهرة الزكية.


فلسفة السيد الشهيد علي الخامنئي في ملحمة زينب الكبرى عليها السلام


(هل كانت لكربلاء أن تكون من دون زينب) ؟

أكملت زينب المسيرة التي ابتدأها الحسين وكانت لسانه الناطق من بعده بلسان جده.

وهنا في هذا المجال إذ نجد كلاماً رائعاً وفلسفةً عظيمة لجوانب مهمّة في شخصية السيدة زينب وقضيّتها في كربلاء أضاءها أحد الأئمة الذي صار شهيداً على نهج الإمام الحسين مستمداً جوانب ثباته وصبره من هذه السيدة العظيمة ومن إمامها الحسين في حادثة كربلاء، إنه الشهيد علي الخامنئي رحمه الله! من أعطى العدو درساً لن ينساه وفتح باستشهاده كربلاء جديدة تتحدّى طغيان هذا العصر، مَن قال لا! ولم يستسلم أو يتخاذل بل واجه وصبر وصمد واحتسب لله أمره فاستشهد راضياً مرضيّاً على طريق ودين جدّه ومولاه الإمام الحسين سلام الله عليه. ومجسّداَ مقولة الإمام: هيهات منا الذّلة.. فاللإمام علي الخامنئي كلام عبقري واستثنائي في رؤيته للسيدة زينب من جوانب وزوايا متعددة، سلّط فيها الضوء على أهميّة تواجدها في عاشوراء ودورها المحوري العظيم.

فمن أين تنبع عظمة زينب؟ يرى الإمام الشهيد القائد علي الخامنئي رحمه الله أنّ:ّ

زينب الكبرى عليها السلام امرأةٌ عظيمة. فمن أين تنبع هذه العظمة التي تحملها هذه المرأة الجليلة في أعين الشّعوب الإسلاميّة؟ فهل نابعة من كونها كانت ابنة عليّ بن أبي طالب عليه السلام؟


يقول الإمام الشهيد أسكنه الله مع الشهداء وآل البيت والصدّيقين في عليّين:

إنّ زينب الكبرى عليها السلام امرأةٌ عظيمة. فمن أين تنبع هذه العظمة التي تحملها هذه المرأة الجليلة في أعين الشّعوب الإسلاميّة؟ لا يصحّ القول بأنّها نابعة من كونها كانت ابنة عليّ بن أبي طالب عليه السلام، أو أخت الحسين بن عليّ والحسن بن عليّ عليهما السلام، فالنّسب لا يُمكنه دومًا أن يخلق مثل هذه العظمة، لقد كان لجميع أئمّتنا بناتٌ وأمّهاتٌ وأخوات ولكن من منهنّ كانت كزينب الكبرى عليها السلام؟! فإنّ قيمة وعظمة زينب الكبرى إنّما تنبع من موقفها وحركتها الإنسانيّة والإسلاميّة العظيمة على أساس التكليف الإلهيّ. فعملها وقرارها ونوعيّة حركتها، كلّ ذلك منحها هذه العظمة. وكلّ من تقوم بمثل هذا العمل، حتّى ولو لم تكن بنت أمير المؤمنين عليه السلام، فإنّها ستحصل على مثل هذه العظمة. فمنشأ هذه العظمة هو من هنا، أوّلًا من تشخيصها للموقف، سواءٌ قبل تحرّك الإمام الحسين عليه السلام إلى كربلاء، أم في لحظات المحنة في يوم عاشوراء، أم في الأحداث القاصمة التي تلت شهادة الإمام الحسين عليه السلام، وثانياً من اختيارها لما يتناسب مع كلّ موقف، فهذه الخيارات الّتي صنعت زينب عليها السلام.

فقبل التحرّك إلى كربلاء، نجد أنّ وجهاء، كابن عبّاس وابن جعفر وشخصيّات معروفة في صدر الإسلام، ممّن يدّعي الفقاهة والشّهامة والرّئاسة قد تحيّروا ولم يكونوا يعلمون ما يفعلون، ولكنّ زينب الكبرى لم تُصب بالحيرة، وأدركت أيّ طريقٍ ينبغي أن تسلكه، ولم تترك إمامها وحيدًا وتذهب. فهي لم تُدرك صعوبة الطّريق فحسب، بل شعرت به أكثر من غيرها. لقد كانت امرأةً حاضرة لأن تُضحّي بأسرتها لأجل أداء المهمّة، ولهذا أحضرت أطفالها وأبناءها معها. كانت تشعر بكيفيّة الواقعة. في تلك السّاعات العصيبة حيث لا يقدر أقوى النّاس على إدراك ما ينبغي عليه فعله، لقد أدركت (السيّدة زينب عليها السلام) ذلك ودعمت إمامها وجهّزته لمذبح الشهادة. وبعد شهادة الحسين بن عليّ عليه السلام، وحين أظلمت الدنيا وتكدّرت القلوب والنفوس وآفاق العالم، أضحت هذه السيّدة الكبرى نورًا ومنارةً. لقد وصلت زينب عليها السلام إلى حيث لا يصل سوى أعظم النّاس في تاريخ البشريّة – أيّ الأنبياء.

في الواقع إنّ كربلاء من دون زينب عليها السلام ما كانت لتكون كربلاء. وما كانت عاشوراء من دون زينب الكبرى عليها السلام لتكون تلك الحادثة التّاريخيّة الخالدة. لقد برزت هذه الشّخصيّة لابنة عليٍّ عليه السلام من أوّل الحادثة إلى آخرها، بحيث يشعر المرء أنّ حسينًا ثانيًا كان في لباس امرأةٍ وفي ثوب ابنة عليّ. وفي غير ذلك، ماذا كان سيحدث بعد عاشوراء؟ لعلّ الإمام السجّاد عليه السلام كان ليُقتل، ولعلّ نداء الإمام الحسين عليه السلام ما كان ليصل إلى أحد.

(زينب قبل شهادة الإمام الحسين)

في تلك المرحلة، وقبل شهادة الإمام الحسين بن عليّ عليه السلام أيضًا، كانت زينب كمواسٍ وصديقٍ وشخصٍ لم يشعر الإمام الحسين عليه السلام مع وجوده بالوحدة أو بالتّعب. إنّ المرء ليُشاهد مثل هذا الدّور في وجه زينب عليها السلام وفي كلماتها وفي حركاتها.
(هل شعرت السيدة زينب بالاضطراب)

لقد شعرت زينب عليها السلام بالاضطراب مرّتين، وكانت قد ذكرت هذا الاضطراب للإمام الحسين عليه السلام. أحدها، كان بعد مجيء خبر شهادة مسلم، عندما جاء الإمام ونقل بعض المسائل ووصلت الأخبار المختلفة. فحضرة زينب عليها السلام هي في النّهاية امرأة ذات عواطف جيّاشة وتمتلك مشاعر المرأة المرهفة، كما أنّ مظهر هذا الغليان في الشعور هم آل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم. ففي عين الصّلابة والقدرة والشجاعة والمقاومة إزاء المصائب، نجد مرّةً أخرى أنّ هذه الأسرة نفسها هي مظهر النّبع الفوّار والزلال للرّهافة الإنسانيّة والرّحمة البشريّة. ولو ضربت الحسين بن علي عليه السلام مثالًا على ذلك، فهذا الّذي كان يقف أمام العالم كلّه، أمام بيداء الذّئاب المفترسة، ويقاوم وحده ولا يهتزّ، لكنّه يضطرب أمام الأشياء الصغيرة. مثلما حدث عندما صُرع ذلك الغلام الحبشيّ الأسود، فجاء الإمام عليه السلام ووقف على رأسه. كان هذا غلاماً أسود ومن المخلصين والمحبّين، لعلّه جون، غلام أبي ذر، ولكن بلحاظ الوضع الاجتماعيّ والثّقافة الاجتماعيّة التي كانت سائدة آنذاك ـ وإن لم يكن بين المسلمين في النّهاية طبقة رفيعة جدًّا ـ فإنّه لم يكن صاحب مرتبة شريفة ورفيعة. فعندما يُقتل ـ حسنٌ، هناك الكثيرون ممّن كانوا قد قُتلوا من أشراف الكوفة والوجهاء والمشهورين فيها، كحبيب بن مظاهر وزهير بن القين وغيرهم، من الّذين يُعدّون من الكبراء والمشهورين فيها، لقد استُشهدوا بجانب الإمام الحسين عليه السلام، وعندما سقطوا لم يُظهر حضرة (الإمام) مثل هذه الحركة (التي أظهرها تجاه هذا الغلام)، بل خاطب أمثال مسلم بن عوسجة قائلًا: إن شاء الله تؤجر من الله ـ فعندما يُقتل هذا الغلام الأسود الّذي ليس له أحد ولا ولد ولا أسرة تنتظره لتبكي عليه، يأتي الحسين بن عليّ عليه السلام ويقوم تجاهه بنفس تلك الحركة التي قام بها تجاه عليّ الأكبر، فيقف على رأسه ويضع رأسه المدمّى في حجره لكنّه لا يهدأ، فقد رآه الجميع كيف أنّه انحنى ووضع وجهه على وجه هذا الغلام الأسود. هكذا هي العاطفة الإنسانيّة الفوّارة!

لهذا، فإنّ زينب هي امرأة ذات عواطف ومشاعر جيّاشة، فلم تكن في ذلك الوقت امرأة عاديّة، فهي أخت الإمام الحسين عليه السلام، أختٌ تُحبّ الإمام الحسين عليه السلام إلى درجة العشق، أختٌ تركت زوجها وعائلتها وأتت مع الإمام الحسين عليه السلام، لكنّها لم تأتِ وحدها، بل أحضرت معها ابنيها عونًا ومحمّدًا، من أجل أن يكونا معها على طريق الله، ولو اقتضى الأمر التضحية فليستشهدا. لقد أحسّت بالخطر في إحدى المحطّات أثناء الطريق، فذهبت وعرضت الأمر على الإمام الحسين عليه السلام: أخي! إنّني أشعر بالخطر وأرى الوضع خطيرًا. لقد كانت تعلم أنّ القضيّة هي قضيّة شهادة وأسر، لكنّها شعرت بالضّغط في ظلّ تلك الأحداث التي كانت تغلي لهذا راجعت الإمام الحسين عليه السلام، وهنا لم يقل لها الإمام الحسين عليه السلام شيئًا كثيرًا، لقد قال لا يوجد شيء، والذي يريده الله سوف يحدث، ما يقرب من هذا المضمون، “ما شاء الله كان”. ولا نرى زينب الكبرى سلام الله عليها بعد ذلك أنّها قالت شيئًا للإمام الحسين عليه السلام أو سألته عن شيء أو أنّها شعرت بانقباضٍ نفسيٍّ وقامت بنقله إليه، سوى في ليلة عاشوراء، هناك حيث يُمكن أن يُقال إنّ زينب الكبرى عليها السلام وأول ليلة عاشوراء قد فقدت صبرها من شدّة الغم، يقول الإمام السجّاد عليه السلام الّذي كان مريضًا: كنت نائماً في الخيمة وكانت عمّتي زينب عليها السلام جالسةً قربي تداويني، وكانت الخيمة المجاورة لنا هي خيمة أبي عليه السلام، فقد كان جالسًا، وكان جون غلام أبي ذر، مشغولاً بإعداد سيف حضرة الإمام عليه السلام، والجميع يُهيّئ نفسه لأجل القتال في الغد، يقول: رأيت فجأةً أبي يدندن ويقرأ أشعارًا كان مضمونها بأنّ الدّنيا قد أدبرت والدّهر غدّار والموت قد أقبل:
“يا دهر أفٍّ لك من خليل كم لك في الإشراق والأصيل”.

فعندما كان ينشد شخصٌ هذا الشّعر فقد كان هذا دليلًا على أنّه أصبح واثقًا من أنّه سوف يرتحل عن هذه الدنيا عمّا قريب. يقول الإمام السجّاد عليه السلام: سمعت هذا الشّعر وأدركت رسالته ومعناه وعلمت أنّ الإمام الحسين عليه السلام ينعى نفسه، ولكنّني تمالكت نفسي. نظرت لأرى عمّتي زينب عليها السلام فجأةً وقد غرقت في حزنٍ شديد، فنهضت وذهبت إلى خيمة أخيها وقالت له: أخي! أراك تنعى نفسك. لقد كنّا إلى اليوم نأنس بك، وعندما رحل أبونا عن هذه الدّنيا قلنا يوجد إخوة لنا، وعندما استُشهد أخي الإمام الحسن عليه السلام، قُلت ما زال لديّ الإمام الحسين عليه السلام، ولقد استأنست بك طيلة هذه السنوات، واعتمدت عليك وأنا اليوم أراك تنعى نفسك.

لزينب عليها السلام الحق في أن تتألّم. ولعلّ الحالة الّتي كانت عليها زينب عليها السلام في ذلك اليوم كانت حالة غير عاديّة. أنا أتصوّر أنّ الوضع الذي كان موجودًا في ذلك اليوم (العاشر) بالنّسبة لزينب كان وضعًا استثنائيًّا. فلا يُمكننا مقارنة وضعها بوضع أيّ من النّساء، ولا حتّى بالإمام السجّاد عليه السلام. لقد كان وضع زينب عليها السلام وضعًا صعبًا ومرهقًا إلى حدٍّ بعيد. فجميع الرجال قد استُشهدوا في يوم عاشوراء. ولم يبقَ في عصر عاشوراء رجل واحد في كلّ المخيّم سوى الإمام السجّاد عليه السلام الّذي كان أيضًا مريضًا وكان قد سقط هناك ولعلّه كان في حالة من الإغماء. الآن إذا نظر المرء إلى هذا الوضع، مخيّم فيه ما يُقارب الثمانين أو الأربعة وثمانين نفرًا ما بين طفلٍ وامرأة، محاصرون في وسط بحرٍ من الأعداء، فكم يحتاجون من العمل والجهد؟! والبعض عطشى، والبعض جوعى، بل لعلّه يُمكن القول بأنّ الجميع كانوا عطشى وجوعى، وجميع القلوب مضطّربة وخائفة، وأجساد الشهداء مقطّعة إربًا إربًا وقد سقطت على الأرض، بعضهم إخوتهم، وبعضهم أبناؤهم. وعلى كلّ حال لقد كانت حادثة مرّة جداً ومهولة، وكان ينبغي لشخصٍ ما أن يجمع كلّ هؤلاء، وهذا الشخص هو زينب عليها السلام.

لم تكن زينب عليها السلام مجرّد شخصٍ قد فقد أخاه أو ولديه أو إخوته الآخرين أو كلّ هؤلاء الأعزّاء، ثمانية عشر شابًّا من شباب بني هاشم والأصحاب الأوفياء، لقد كان هناك شيءٌ آخر لا يقلّ أهميّة عمّا جرى وهو أنّها كانت، بين كلّ هؤلاء الأعداء، مسؤولة عن هذا الحمل الثقيل لإدارة وحراسة هذه البقيّة من النساء والأطفال الّذين تفرّقوا وتشتّتوا، كما كان عليها أن ترعى الإمام السجّاد عليه السلام أيضًا. لذا، الله وحده يعلم في بضع السّاعات تلك التي تلت وقوع الحادثة، وإلى حين حلول وقت التحرّك والرّحيل، وتحديد الأعداء ما الذي سيفعلونه بهم، في بضع الساعات تلك التي ضمّت تلك الليلة المظلمة والحالكة والعصيبة، الله وحده يعلم ما الذي جرى على زينب الكبرى عليها السلام. لهذا كانت زينب عليها السلام طوال هذه الساعات في حركةٍ دائمة تركض ناحية هذا الطفل، وناحية تلك المرأة، وناحية تلك الأمّ الثكلى، وناحية تلك الأخت المفجوعة بأخيها، وناحية ذلك الطفل الرّضيع، تقوم بحركةٍ دائمة بين الأفراد وتجمعهم وتواسيهم وتعطف عليهم. لكن في لحظة من اللحظات، كان صبرها يفيض، فتبدأ بمخاطبة أخيها، وتذهب إلى أخيها الشهيد، ملاذها الوحيد وملجأها. لدينا في الروايات أنّ زينب الكبرى جاءت إلى جسد أخيها المقطّع ونادت من أعماق قلبها: “يا محمّداه. صلّى عليك ملائكة السماء، هذا الحسين بالعراء مرمّلٌ بالدماء”3.

عندما يُقال أنّ الدمّ انتصر على السّيف في عاشوراء وفي واقعة كربلاء، وهو كذلك، فإنّ عامل هذا الانتصار هو زينب عليها السلام ، وإلا فإنّ الدمّ في كربلاء قد انتهى. واقعةٌ عسكرية انتهت بهزيمةٍ ظاهرية لقوى الحقّ في ميدان عاشوراء. أما ذلك الشيء الّذي أدّى إلى تبديل هذه الهزيمة العسكريّة الظاهريّة إلى انتصارٍ قطعيٍّ دائميّ هو شخصيّة زينب الكبرى عليها السلام. فالدور الّذي قامت به زينب عليها السلام ، هو أمرٌ في غاية الأهميّة. وقد دلّت هذه الواقعة على أنّ المرأة ليست موجودةً على هامش التاريخ، بل هي في صلب الأحداث التّاريخيّة المهمّة. القرآن أيضاً ناطقٌ بهذه المسألة في مواردٍ متعدّدة، لكنّ هذه(الحادثة) مرتبطة بالتّاريخ القريب وليست مرتبطة بالأمم الماضية، إنّها حادثةٌ حيّةٌ ومحسوسةٌ يُشاهد فيها الإنسان زينب الكبرى عليها السلام تظهر بهذه العظمة المحيّرة والسّاطعة في الميدان، وتقوم بعملٍ يذلّ العدوّ ويُحقّره، عدوٌّ قد انتصر في المعركة العسكريّة بحسب الظّاهر، واقتلع المعارضين وقمعهم وجلس على عرش النّصر في مقرّ سلطته وفي قصر رئاسته، فتسِم جبينه بوصمة العار الأبديّ وتبدّل انتصاره إلى هزيمة. هذا هو عمل زينب الكبرى. لقد أظهرت زينب سلام الله عليها أنّه يُمكنها أن تُبدّل الحجاب وعفاف المرأة إلى العزّة الجهاديّة، إلى جهادٍ عظيم.

وما بقيَ من خُطَب زينب الكبرى عليها السلام، ممّا هو في متناول الأيدي، يظهر عظمة حركة زينب الكبرى عليها السلام. فخطبتها الّتي لا تُنسى في أسواق الكوفة لم تكن كلامًا عاديًّا، ولا موقفًا عاديًّا لشخصيّةٍ كبرى، بل بيّنت بتحليلٍ عظيم أوضاع المجتمع الإسلاميّ في ذلك العصر بأجمل الكلمات وأعمق وأغنى المفاهيم في مثل تلك الظّروف. انظروا إلى قوّة الشخصيّة تلك، يا لها من شخصيّة قويّة.

فقبل يومين، كانت قد فقدت أخاها وقائدها وإمامها في تلك الصحراء، فقدته مع كلّ الأعزّاء والشباب والأبناء، وهذا الجمع المؤلّف من بضع عشرات من النساء والأطفال قد أُسروا وأُحضروا على مرأى من أعين النّاس وحُملوا على نياق الأسْر، وجاء النّاس للمشاهدة، وبعضهم كان يُهلّل وبعضهم كان يبكي، ففي خضمّ هذه المحنة، تسطع فجأةً شمس العظمة، فتستعمل نفس اللهجة الّتي كان يستعملها أبوها أمير المؤمنين عليه السلام وهو على منبر الخلافة مخاطبًا أمّته، فتنطق بالطّريقة نفسها، وباللهجة والفصاحة والبلاغة نفسها، وبذلك السموّ في المضمون والمعنى نفسه: “يا أهل الكوفة، يا أهل الختل والغدر”، أيّها المخادعون، أيّها المتّظاهرون، لعلّكم صدّقتكم أنّكم أتباع الإسلام وأهل البيت، ولكن سقطتم في الامتحان وصرتم في الفتنة عميًا، “ألا وهل فيكم إلّا الصّلِف والنّطِف وملق الإماء، وغمز الأعداء؟”4، فتصرّفكم وكلامكم لا ينسجم مع قلوبكم. لقد غرّتكم أنفسكم وظننتم أنّكم مؤمنون، وتصوّرتم أنّكم ما زلتم ثوريين، ظننتم أنّكم ما زلتم أتباع أمير المؤمنين عليه السلام، في حين أنّ واقع الأمر لم يكن كذلك. لم تتمكّنوا من الصّمود والنّجاح في الفتنة، ولم تتمكّنوا من النّجاة بأنفسكم، “… إنما مثلكم كمثل التي ﴿نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ﴾ فقد أصبحتم كالّتي بدّلت الحرير أو القطن إلى خيوط، ثمّ أرجعت تلك الخيوط ونقضتها إلى قطن أو حرير، فمن غير بصيرةٍ ووعيٍ للظّروف، ومن غير تمييز بين الحقّ والباطل، أبطلتم أعمالكم وأحبطتم سوابقكم. فالظّاهر ظاهر الإيمان، واللسان يطفح بالادّعاءات الثوريّة، أمّا الباطن فهو باطنٌ أجوف خالٍ من المقاومة أمام العواصف المعارضة. فهذا يُعدّ من الآفات.

فبهذا البيان القويّ والكلمات البليغة، وفي ظلّ تلك الظّروف الصّعبة، تحدّثت زينب الكبرى عليها السلام. فلم يكن الأمر بحيث نرى مجموعة من المستمعين يجلسون أمام زينب ويستمعون إليها وهي تتحدّث معهم كخطيبٍ عاديّ، كلا، بل كان هناك عددٌ من الأعداء، وحملة الرّماح يُحيطون بهم، وكان هناك أُناسٌ مذبذبون أمثال أولئك الّذين سلّموا مسلمًا إلى ابن زياد، وأولئك الّذين كتبوا الرّسائل للإمام الحسين عليه السلام وتخلّفوا عنه، وأمثال أولئك الذين كان ينبغي لهم أن يواجهوا ابن زياد في ذلك اليوم، ولكنّهم اختبؤوا في بيوتهم، هؤلاء كانوا في سوق الكوفة. وكان هناك عددٌ من الأشخاص الذين أظهروا ضعف النّفس، وهم الآن يشاهدون ابنة أمير المؤمنين عليها السلام ويبكون.

فكانت زينب الكبرى في مواجهة هذه الجماعات المتفاوتة الّتي لا يُمكن الثّقة بها، ولكنّها كانت تتحدّث بهذه الطّريقة المحكمة. فهي امرأة التّاريخ، وهذه المرأة لم تعد ضعيفة. ولا يصحّ اعتبارها امرأةً ضعيفة. فهذا جوهر المرأة المؤمنة حيث تُظهر نفسها في مثل هذه الظّروف الصّعبة. هذه هي المرأة الّتي تُعدّ قدوةً لكلّ الرّجال العظماء والنّساء العظيمات في العالم. فهي تُبيّن علل الثّورة النبويّة والثّورة العلويّة، وتقول إنّكم لم تتمكّنوا من معرفة الحقّ في الفتنة، ولم تستطيعوا أن تعملوا بتكليفكم، وكانت النّتيجة أن يُرفع رأس فلذة كبد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم على الرّماح. من هنا يمكن فهم عظمة زينب.

…..

للحقيقة الإمام الشهيد علي الخامنئي أغنانا بمعطيات دقيقة جداً عن السيدة زينب الكبرى، وأضاف رؤى جديدة لجوانب حسّاسة ومهمّة لن يلتقطها إلا مَن شرب من كأسها، كأس الشهامة والعلم والفهم والصبر والألم والتضحية والفداء. فكان قوله فعلاً ترجمه فيما بعد بقضية استشهادٍ عظيمة على طريق زينب وكربلاء.


الخاتمة:

لن تموت زينب

سلام لتلك التي أقسمت ليزيد إذ قالت: (فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا). نعم زينب باقية وآل البيت باقون، ترددهم الأغاني، وتجدّدهم الأجيال، ويحفظ كراماتهم الأحباب، ويجلّ قدرهم الزمان.. وسيبقى الشعر يخلّدهم والصبح يتنفّس بذكرهم، والآذان يهتف باسمهم، والصلاة لا تتمّ دونهم؛ والوقت لا يمرّ إلا عبرهم، ومازنٌ يفوح بعبقهم.

وختامها قصيدة جميلة له قالها شريفهم مازن وشاعرهم في السيدة زينب وفيهم، فيها من السلام والعشق وتجديد العهد لهم، يسرح في ساحاتهم ويبدع في مجالاتهم .

فسلامٌ الله عليهم وله ولكل محبّ مخلص في دربهم.


سلامُ الله يا أختَ الحُسين

سلامُ اللهِ يا أختَ الحُسينِأعيريني جمالَ المَشهَدَينِجمالُ اللهِ إذْ يُبدي جَمالاًيطيبُ لكلِّ ناظرةٍ بِعينِجمالُ المُصطفى يُبديه وصلاًقريبَ الحُضنِ مبسوطَ اليدَينِوإنِّي والمحبَّةُ فيكِ تحلوأحبُّكِ يا سليلةَ نيّرينأبنتَ محمَّدٍ ودم عليٍّوزينبَ موقَفَينِ وحضرَتَينِيشاهدُكَ الفؤادُ بألفِ عينٍويحضنُكَ المحبُّ بغيرِ أينِبفاطمةََ البتولِ بِخيرِ أمّوبِالحَسنِ الإمامِ وبالحُسينِبِسبطَيِّ أحمدَ وابنيّ عليّنقيُّ القلبِ عالي النسبَتَيْنإمامُ النّاسِ بعدَ إمامِ هَدْيٍتقيٌّ ساجدُ للقِبلَتَيْنِلهُ في خيبرَ آياتُ مجدٍوفي بدرَ النّزالِ وفي حُنينوحقُّ الآلِ إذْ للآلِ حقٌّعظيمٌ في قداسةِ برزَخَيْنِأفيضِيْ يا مشيرةُ كلَّ خيرٍبِفَيضٍ منكِ متّصلاً بِزيْنِفَزينُ العابدينِ كريمُ أصلٍوحبٌّ نابتٌ في الخَافقَينِأزينبُ قد أتيتُكِ بعد بَيْنٍوكم ماتَ المحبُّ بكلِّ بينِفَشُدِّي عزمَ قلبي بالودادِومُدِّيَ السِّرَ ما بيني وبينيتعبتُ من الفِراق وكلُّ صبٍّيموتُ من الصَّبابةِ مَرَّتينِأعيريني من الأنوارِ نوراأراكم فيهِ يا أختَ الحُسينِ

2016-


منشورات ذات صلة

مرثيّة الحسين بين الشريفَيْن الشَّاعرَين: مازن الشريف والشريف الرّضي

………… محاور الموضوع: –قصيدة نزف وحرف… للشاعر مازن الشريف (دراستها – تحليلها–… شاهد المزيد

بواسطة رجاء شعبان
17 يوليو، 2026
الشاعر مازن الشريف بين الحزن والحب في ملاحم آل البيت وملحمة الإمام الحسين

وحزني على الآلِ حزنٌ عظيمٌ كَمِثلِ البراكينِ والزّعْزعِوما في فؤادي من الحزنِ… شاهد المزيد

بواسطة رجاء شعبان
7 يوليو، 2026
القصيدة الكربلائية – (في رحاب جرح الحسين)

مواضيع البحث:– مقدمة (من كتاب التأملات العرفانيّة) – دعبل الخزاعي والإمام الرضا… شاهد المزيد

بواسطة رجاء شعبان
28 يونيو، 2026
“عشربن عام” ملحمة الانتظار الخالدة في الغناء

العناوين الرئيسيّة في الموضوع:-مقدّمة: عشرين عام الأغنية المعروفة لسعدون جابر وقصيدة عشرين… شاهد المزيد

بواسطة رجاء شعبان
20 مايو، 2026
ليلى في قصائد الشاعر مازن الشريف

***ماذا أقول وماذا الحرفُ يُخبرها تلك التي سحرتْ مَن رامَ يسحُرُها ذا… شاهد المزيد

بواسطة رجاء شعبان
13 مايو، 2026
أغنية أخرى و قصيدة في رؤية فلسفية للشاعر مازن الشريف

دع ذكر ليلى فليلى تخلّت            وأبقتك بين الرَّدى والخطر استوقفني هذا… شاهد المزيد

بواسطة رجاء شعبان
2 مايو، 2026