الشاعر مازن الشريف بين الحزن والحب في ملاحم آل البيت وملحمة الإمام الحسين

بواسطة رجاء شعبان
7 يوليو، 2026

وحزني على الآلِ حزنٌ عظيمٌ
كَمِثلِ البراكينِ والزّعْزعِ
وما في فؤادي من الحزنِ شيءٌ
كَحزني على نزفِكَ الأوجعِ

محاور البحث:
– ملحمة الحسين وأهمية تجديد ذكرى هذه الملحمة شعريا.
– من صدى الملحمة ومازن الشريف في قصيدته. -من طابع الحزن إلى طابع الحب.
– أسباب خروج الإمام الحسين
– عظيم شأن الحسين
– الشاعر أبو تمام وموالاته لآل البيت
– الشاعر مازن الشريف في شعر المحبة والموالاة لآل البيت (قصيدة يا سائلاً- قصيدة أواليكم)
– أهمية وجود شاعر مثل مازن الشريف
– قصيدة أنا من حُسين (أبعادها)


مقدمة: 
ما زلنا في رياض الشعر وروضة الإمام الحسين عليه السلام وجنائن الخمائل من القصائد الوارفة للشاعر والمبدع الكبير مازن الشريف، أحد روضات الإمام الحسين، حبّاً وشعراً وولايةً ونسباً ووراثةً محمدية شريفة من السادة الأشراف آل البيت عليهم السلام.

ملحمة الحسين وأهمية تجديد ذكرى هذه الملحمة شعرياً:
بدايةً لابدّ أن نقف على أطلال المأساة لننطلق منها إلى ساحات الوغى والقتال بالحب والاستشهاد بالإمام حباً وتعظيماً وتبجيلاً ولو كان ذبحاً بالوصف والدموع.
فالحسين شفاء والحسين دواء من الجراح، الحسين أمل ومنتهى الصفاء، أغاني الحياة حين يعزفها الموت وأغنيات الخلود حين تزفّها التضحيات.
الكلام فيك يا حسين كالنبع يتفجّر كدمائك المزكاة، جعلت للدم بريق النجاة وطهرته فإذ به غيث من السماء.
يا حسين والقلب يرتجف أمامك واليد تخط وسامك، نستعين بحبرك ونكتب بشاعر محب لك، خلقه الله ليحبك وليحب أبيك وأمك وجدك وعمك وأولادك ومن أحبّك، ويوالي ويؤيد أهل الله وآل بيت جدك، مداداً من الحبر الإلهي ومدداً من العالم الملائكي يجلي به حبك ويترجم بجمهرة رواحينه ريحان حبك.

يا حسين تقبّل مني شكرك بأن منحتني فرصة ذكرك بنبض في قلب أوقد عشقك، فجئنا إلى رياض ملحمتك نقطف من مشاهد وردك وينمو في دمنا شريان ريّك.
فرغم الحب ما قدرنا قبل على الاقتراب من حياض حرفك، لكنك الودود الشهم الأصيل من آل السماحة واللطف، كيف لا نتجرأ على الاعتراف بقربك، وأنت الحبيب وأنت القريب من قلب الله! القرب منك صلاة وذكرك تسبيح وحبك سجود خشوع في حضرة الخالق والوجود.

يا حسين أوقف نزيف وجعك وامسح دموع أمك واقلب سيف جدّك حوّله إلى يراع من أمان لنقدر أن نقترب من حِمام طفّك.

من صدى الملحمة ومازن الشريف في قصيدته:
مضت كربلاء كواقعة زمنية ولكن صداها دائم أبد الدهر لا ينقضي ملحمة المجد يتردد صداها في كل زمان وينطبع أثرها لكل مكان. منطلق موضوعنا قصيدة جميلة للشاعر مازن الشريف، بعنوان: من صدى الملحمة، تكلّم فيها شاعرها بصيغة المستقبل، أي أن الحدث لم ينقض والفعل سيكون في الزمن الآتي، وهذه دلالة تضمينية غير مباشرة على استمرارية التأثير بالشاعر فهي ليست قضيّته الماضية كذكرى عابرة في الزمان، بل قضية العمر المستمرة والباقية بأثرها كأنها هنا الآن.
الشاعر يقول مخاطباً الإمام الحسين بطل كربلاء ومحورها الأصل شهيدها القائد والإمام الجوهر، شهيد الملحمة الإلهية في الدفاع عن دين جدّه النبي محمد (ص):
سأسقي من أدمعي ترابك حيثما كنتَ واستشهدت، و سيبكيك كلّ مَن هو معي، ويصف الشاعر حاله بأنّ فؤاده جريح من هذا الكرب الكبير، ولكن له حرف فصيح لن يدع حبره يجفّ، هذا الحرف سيخلّد ذكراك يا حسين، فهو ذبيح يقطر دماً وألماً عليك، لن يكتفي. ولن يشبع من الكتابة لك والبكاء عليك:

سأسقي ترابَكَ من أدمعي
ويَبكيك يا سيّدي مَن معي
فؤادٌ جريحٌ وحرفٌ فصيحُ
ذبيحٌ من الدّمع لم يَشْبَعِ

-ثم نجد الشاعر يقول علنيّاً بالصوت العالي وأمام الملأ: بأنك أنت الإمام يا حسين بما وُعيتُ به وعاينته فيك وعرفته عنك وبما لم أعه بعد من فضائل جمّة بحقك، يعجز المرء عن إدراك كنه منتهاها.
-ففي أرضّ الطّف حتى الحجارة قامت تخلّد ذكرى هذا المصرع الجلل، والدهر قام يحكي تاريخك المجيد مهنّئاً ومباركاً تاريخك الأبيض الناصع.
يا ملحمة الرجال في الصبر يشير إليك أنت فيما لو سألوه أيهما الأشجع والأشد صبراً! فأنت الذي علمت الصبر كيف يكون في هذه الربوة القفراء.

وأشهدُ أنّكَ أنتَ الإمامُ
بِما قدْ وُعِيتُ وما لم أعِ
وفي الطَّفِّ حتّى الحجارةَُ قامت
تُخلِّدُ ذكراكَ في المَصرَعِ
وقامَ لكَ الدَّهرُ يحكي الإباءَ
فَطوبى لتاريخكَ الأنصعِ
وإن سألوا الصّبرَ أيُّ الرِّجالِ
يشيرُ لكَ المجدُ بالإِصبَعِ
فأنتَ الذي علّمَ المجدَ درساً
مِنَ الصّبرِ في الرَّبوةِ البلْقَعِ

-وإن متَّ عطشاناً يا حسين فالجنة موردك من الماء، ومياه الأرض هي الظمأى بعدك تتلقّف ظلّك وتتبع خطاك عساها تستمدّ من طيفك ومن كل خطو لك عليها موارد ارتوائها، فذكرك الظمأ والارتواء:

وذا الماءُ في ظمئٍ كنتَ فيهِ
فرُويتَ في الجنّةِ الأوسعِ
وظلّتْ مياهُ الأراضينَ ظَمْأَى
وضمَّتْ خيالَكَ بالأذرعِ

ثم ينتقل الشاعر لوصف تفاصيل الوجع: السهم الذي أصابك يا حسين مازال يهذي غير مصدّق كيف اندسّ بحقد في أضلعك!
وطعنة شيطان من الأنس أصابتك تمادت في حقدها وغلّها لتصيب نورك المشعشع وكل ما يصل إليك ويتّصل بك.
أما رأسك المذبوح المرفوع على الرمح كانت تسبح باسم الله، وأختك زينب شريكة الوجع صامدة كهذا الرأس المرفوع نوراً، لم تجزع إيماناً بالله ولم تدع العدو ينتشي بما فعله من وهم النصر، وكذا الخيل التي لا خير فيها، يجرونها على جسدك الشريف ترضّك بِشرّها، جاء الموت فيها مسرعاً يحكي حكايات وجعك وحقدهم.

وسهمٌ بِجَنْبَيْكَ ما زالَ يهذي
قد اندسَّ حقدُهُ في الأضلعِ
وطعنةُ شيطانِ أنسٍ تمادتْ
لِتحرِقَ في نورك الشّعْشَعِي
ورأسٌ على الرُّمحِ سبَّحت ربّي
وقلبُ العقيلةِ لم يجزعِ
وخيلٌ على الجِسمِ لا خيرَ فيها
وذا الموتُ في جريها المُسرعِ

يتابع الشاعر في ذكر سجايا ومبادئ الإمام الحسين مخاطباً ذاته الكريمة: أنت الذي قام يهدي الناس بقلب برق بنور التقى. وأنت السبيل لكل خير ممكن، طريق الهداية يمر من خلالك:

وأنتَ الذي قامَ في النّاسِ يهدي
بِقلبٍ بِنورِ التُّقى ألمَعِي
وأنتَ السّبيلُ إلى كلِّ خيرِ
دليلُ طريقِ الهدى المهيَعِ

-ونجد الشاعر يركّز على الفكرة الأساسية للمعركة: أعلنتَ بأنك تريد الإصلاح في دين جدك النبي المصطفى (وقد شُوّه الدين ونُزع وخرج عن طريقه النبوي الصحيح) وناديتَ من يقف معك؟ وكأن الحزن في عينيك كان يجيب ويعرف فيقول لهذه الدنيا الفانية خذي أو اتركي! وقد صارت وراء ظهرك :

وناديتَ: أَقبلتُ في دِينِ جَدِّي
أُريدُ الصّلاحَ فَمن ذا معي
وفي حزنِ عيْنَيْكَ صوتٌ يقولُ
لدنيا الفناءِ خُذي أو دَعِي

-يعود الشاعر لإبراز مشاعره الغالبة ويصف شدّة تأثّره: لهفي عليك وشوقي إليك يا راكب براق الشهادة ، وحزني على الآل كلهم كبير وعظيم يعتمل بي كالزلازل والبراكين. وليس في القلب والمهج من حزن أشدٍ عليّ من حزني على دمك النازف الموجع:

لهْفِي عليكَ ووجدي عليكَ
أَيَا راكبَ الأبلقِ الأكسعِ
وحزني على الآلِ حزنٌ عظيمٌ
كَمِثلِ البراكينِ والزّعْزعِ
وما في فؤادي من الحزنِ شيءٌ
كَحزني على نزفِكَ الأوجعِ

ثم يختم الشاعر قصيدته بشيء من إقرار الحكمة، ووضع ميزان الفصل في محبة الحسين فيقول: وقعَ في شرك المحبّة من يدّعيها ادّعاء ظاهرياَ ولم تنغرس في قلبه حقيقةً.
فمن يحزن بصدق ومال إلى قضيتك يشعر تجاهك بالأسى، فذاك مقياس محبّته لك وغير ذلك كذب ونفاق. (الحزن عليك هو الفيصل بين المحبة الصادقة والإدعاء):

غوى في المحبّةِ مَن يَدَّعيْها
وحبُّكَ في القلبِ لم يُزرَعِ
وحقّقَها الحزنُ دوماً عليك
وخابَ لدى اللهِ مَن يدَّعي

وفي النتيجة يحسم الشاعر قضية الحق: الحق لن يتّبعه إلا تقيّ ونقي، لم تخدعه حقائق مزيفة وسير مغلوطة وباطلة ولم تغره دنيا غرور. وقد خاب المدّعون في الدين ولم يحبوك أو يؤيدوك (ساووا بينك وبين عدوّك بجهالة فشقوا وأساؤوا) . وليس أشقى من شقي لم تدمع عيونه لمقتل الحسين:

ولا يَتْبَعُ الحقَّ إلا تقيٌّ
نقيٌّ وفي الدّين لم يُخدعِ
وما في عيونِ الشّقاءِ شقيٌّ
كَعَينٍ على السِّبط لم تدمعِ

أهميّة القصيدة:

القصيدة ركّزت على إظهار المشاعر تجاه الإمام الحسين، وأبرزت معالم قضيته وعدالة ملحمته وسبب معركته، كما ركزت على مزايا الحسين ونوره وهدايته، وعطشه وحزن الحجارة عليه مكان مصرعه، وصورة رأسه المرفوعة على الرمح تسبّح الله وتتلألأ بالنور، وصبر زينب وعدم جزعها، لتنتهي بحكمة جوهريّة عن التقوى والمحبة الحقيقية التي لا يعرفها أهل النقاق، ولتحسم الجدل وميزان محبة الحسين، فالدمع والحزن لأجله هما المقياس في الموالاة الحقيقية للحسين الذي يمثل رسالة جده في آل البيت عليهم السلام.

لغة القصيدة:
لغة بسيطة مفهومة مألوفة التعبير، بصور معبّرة وألفاظ مناسبة للموضوع.

أما فكرة القصيدة:
فجاءت سردية تعرض مشهد مؤلم من حادثة كربلاء وتفاعل الشاعر الحزين مع هذا المشهد بانسيابية رائعة ونبرة إصلاحية ليس فيها تحريض أو إيماء لشيء إلا لعرض حق مكلوم وتعبير صارخ موجع عن حبّ عميق لشخصية الإمام وعدالة قضيته.
فمن يقرأ القصيدة لن يتعثّر بفكرة غير واضحة أو يغصّ بجملة مستهجنة، ومشاعره ستبقى ثابتة ضمن حدود الاتزان والانفعال الوجداني المقنع والهادئ العميق دون ثورة حماسيّة تشبيبيّة متطرّفة تُذكِّي نار الفتنة أو مشاعر انفعالية تأجّجيّة متهورة تُشعل نيران المذهبيّة.

-هكذا هي لغة الشاعر مازن الشريف هادئة ذات نبرة وجدانيّة ولهجة ناعمة متسامية الهدف، نقبّة الجوهر، ليست تحريضية ولا فيها مواربة أو هواجس نفسية وميول ايديولوجية ليست في محلّها، بل لغة تحقيقية منبعها تاريخي استذكاري تعظيمي لأهل مقام يستحقّه أصحابه، يحوّله بلطف لقصيدة شعرية يعبّر من خلالها عن مكنوناته ويبرز الجوانب المثالية والوجه الإنساني الأنصع لكل حدث أو قضية.

من طابع الحزن إلى طابع الحب:
سننتقل إلى قصيدة أخرى في هذا السياق ولكن يغلب عليها طابع الحبّ أكثر من الحزن، ولو أن الحب والحزن وجهان للملحمة الحسينية! أليس الحسين حب غامر مطلق في التضحية بأغلى ما يكون في سبيل إعلاء كلمة الله؟
أليس ماجرى معه يُبكي الحزن نفسه من هول ما يكون من نبعه وفيضه وتعبيره؟ الحسين خير وحُسن ودين وحب وأمان، رحمة الدين الصحيح، ليس ثورة أو قيام وخروج لأجل الدنيا بل محصّلة لثورة أُعلِنت عليه ظلماً وبهتاناً ووضعوا لها مبرّراَ كاذباً من عندهم كالخروج عن السلطة الحاكمة بقصد الخلافة السياسية والملك! لذلك هي بدت من الحسين ثورة ولكن لأجل رفض الخنوع و التزامها بمبادئ الدين الحنيف، دين محمد الزكي. قضية الحسين قضية الكون في التمسك بالخير والقيم وعدم السماح للشر في التمادي، ثورة اشتعلت وليس هو مَن أشعلها، فُرِضت فدافع حسينها عن مبادئها في حماية تراث الأجداد، ومن جدّه؟ وأي دين يدافع عنه؟ أليس دين الله الإسلام؟!

أسباب خروج الإمام الحسين:
إذاً، الحسين لم يخرج لمكسب مادي ولا لعرض دنيوي، بل هو المثال المطلق في التخلي عن كل هذا، أمام رسالة نبيلة ورب عظيم كريم يستحق التضحية بأغلى ما يكون من ملك وحال وأهل.
الحسين لن يجبر أحد على الوقوف معه، وجاء تلبيةً لنداء من طلبوا منه إخراجهم من هذه المظلومية وتصحيح مسار الشريعة بعد تشويه الدين الذي لعب به الطاغية يزيد وتحريفه عن مساره النيّر إلى ظلام دامس وفسق وفجور، فكان حريّ به أن يلبي النداء ولم يتراجع حين خذله الجميع، واتخذ من أهل بيته وقود لهذا الموكب الأبي والمركب التي اقتلعته الأمواج (أمواج الغدر والظلم) لكنه بقي برمزيته يعني البطولة على أصولها والشهادة في أعلى مراتبها والكرامة في عنفوانها.

عظيم شأن الحسين:
الحسين مهما حاولوا تصغير شأنه وقلب المعايير فهو كبير عظيم الشأن يمثل معيار الخير. الحسين حياة جميلة ومبادئ راسخة لا تقتلعها عواصف ولا تضاهيها جبال.

وإذ نجد الآن مَن يهاجم حضرة الشيخ والشاعر مازن الشريف، فكأنهم بذاك الحقد الذي كان مع يزيد وأتباعه، ويصفهم الدكتور بأنّهم (تشابهت قلوبهم) ، فالوارثة بالحب، بالدم. وأحياناً تكون بالبغض والحقد كذلك.
ومع أن لآل البيت محبين، كيف لا، وهم أهل المظلومين، المحتاجين، هم لصاحب الحق، و لمن ضاع حقه، لأهل العلم، هم مقياس العقل والتوازن والهداية الذين ييسّيرون لليسرى ويجنّبون العسرى، إلا أنّ الحق كما وصفه الإمام علي ليس له صاحب، يقول عليه السلام: أيها الحق لم تترك لي صاحب.
وإن كان من انبرى من الشعراء للتغنّي بمناقبيّة آل البيت وبمكارمهم والوقوف في صفّهم، فقد تصدّى لهم أصحاب السلطة الذين أخذوا الخلافة الإلهية التي وهبها الله لنبيّه وآل بيته كما منحها للأنبياء من قبله، فالخلافة لمساعدة الخلق في شؤون عيشهم وتدبيرها، وليست سلطة بشرية تخيف وتقتل باسْمِها وتلعب بالملك، أو سطوة فرعونية استكبارية تخدم أصحاب المصالح الدنيئة فقط.
وليست لملاحقة أهل الله الحقيقيين وخاصة من عرف بولائه لأهل البيت، وسجْنِه أو قَتْله والتشنيع به، وللأسف هذا ما حصل بعد الرسول:
وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (144) آل عمران
وكثير من الشعراء الذين قالوا كلمة الحق ومدحوا آل بيت النبي، فكانت النتيجة غالباً قطع ألسنتهم. ولكن الله غالب على أمره وكلمته هي التي ستبقى وهم كلمته.
هناك شعراء ثبتوا على محبة آل البيت وجاهروا بحبهم في قصائدهم وهنا سنذكر شاعر كبير،
(وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (21) يوسف

هناك شعراء ثبتوا على محبة آل البيت وجاهروا بحبهم في قصائدهم وهنا سنذكر شاعر كبير.

الشاعر أبو تمام وموالاته لآل البيت:
لقد قيلت قصائد كثيرة في حق آل البيت لكن أكثرها كان نصيبه الحرق أو التغييب؛ وما بقي إلا النذر القليل مما وصلنا، هنا سنعرّج على أبيات قالها أبو تمام الذي اشتهر بولائه لأهل البيت وأكثر من خلدهم في أشعاره.
لكن في البداية لابد أن نعطي فكرة ونضيف معلومات عن هذا الشاعر الفطحل الذي لم نعرف عنه سوى القليل بأنه شاعر، والتفاصيل تكشف لنا شخصيّة فذّة ومؤلف عبقري وموسوعي كبير في زمانه وعصره، فماذا قيل عنه؟
جاء في مقال نشره موقع العتبة الحسينية المقدسة بتاريخ 31/12/201 واخترنا منه بعض المقتطفات:


-أبو تمام: (188 ــ 231 هـ / 803 ــ 845 م)
قال من قصيدة تبلغ (61) بيتاً:
والهاشميونَ استقــــــلّتْ عِيرَهم من (كربلاءَ) بأثقلِ الأوزارِ
-ولأبي تمام قصيدة أخرى في مدح أهل البيت (عليهم السلام) تبلغ (59) بيتاً يقول منها في كربلاء:
ولإطفـــاءِ نورِ ما أنزلَ اللهُ من الــبــيِّــناتِ والأحـكــــامِ
شاهداتٌ بذاكَ أيّـــــامُ صفيـ ـنَ وأعظمْ بـــهــنَّ مِــن أيّامِ
ثُمَّ يومٌ بـ(كــربلاء) وأحْـــدا ثٌ به صَدَّعَتْ مُتونَ السَّلامِ
وقد ذكر هذه القصيدة الشيخ حسين بن علي آل سليمان القديحي البحراني فقال: (ولأشعر الشعراء أبي تمام الطائي في أهل البيت (عليهم السلام) وأثبتناها هنا من حيث أنها ليست موجودة في ديوانه المطبوع)
ولعلها كانت هي التي أشار إليها الباحث إبراهيم عبد العزيز السمري بقوله: (كان ــ أي أبي تمام ــ مُتخفِّياً عن الخليفة المأمون بسبب قصيدته في مدح العلويين)
الشاعر أبو تمام: حبيب بن أوس بن الحارث بن قيس بن الأشجع بن يحيى بن مزينا بن سهم بن ملحان بن مروان بن رفافة بن مر بن سعد بن كاهل بن عمرو بن عدي بن عمرو بن الحارث بن طئ جلهم بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن كهلان بن سبا بن يشجب ابن يعرب بن قحطان)
ولد أبو تمام في قرية جاسم من قرى الجيدور من أعمال دمشق (سوريا).
وهو أحد أعمدة الأدب العربي ورائد التجديد فيه، قال عنه الجاحظ: أحد رؤساء الإمامية وقال عنه اليافعي: (الأوحد من شيوخ الشيعة في الأدب في العصور المتقادمة، ومن أئمة اللغة، ومنتجع الفضيلة والكمال، كان يؤخذ عنه الشعر وأساليبه، وينتهي إليه السير، ويلقى لديه المقالد، ولم يختلف اثنان في تقدمه عند حلبات القريض، ولا في تولعه بولاء آل الله الأكرمين صلوات الله عليهم، وكان آية في الحفظ والذكاء حتى قيل: إنه كان يحفظ أربعة آلاف ديوان الشعر غير المقاطيع والقصائد) وقيل عنه أيضاً: (إنه أخمل في زمانه خمسمائة شاعر كلهم مجيد).
شغف أبو تمام بالعلم وأولع بالشعر فتلقفهما في كل مكان يذهب إليه وذكر ابن عساكر من شيوخه: (العطاف بن هارون، وكرامة بن أبان، ويحيى بن إسماعيل الأموي، وسلامة بن جابر النهدي، ومحمد بن خالد الشيباني، وقِلابة الجرمي، ومالك بن دلهم، وعمرو بن موسى السروي، وصهيب بن أبي صهباء)
ويقول عمر فروخ عن هؤلاء الشيوخ: (قد يكون هؤلاء شيوخاً لأبي تمام تلقى العلم والأدب عليهم وتخرج على أيديهم، وقد يكونون شيوخاً اتفق أن سمع أبو تمام منهم حديثاً بعد حديث، وكتب عنهم إملاء بعد إملاء)
وهذا يعني أنه لم يدرس على أيديهم درساً خاصاً، بل كان ممن استمع إليهم ويؤيّد ذلك ما روي (إن أبا تمام لما رحل إلى مصر طلبا للتكسّب أخذ يسقي الماء في المسجد الجامع وكان يستمع إلى ما يلقى في حلقاته من أمالي العلم والأدب ويتنقل من حلقة إلى حلقة، ويصغي إلى شيء من القصص، وإلى شيء من التاريخ، وإلى شيء من الشعر، وإلى شيء من الفقه، والحديث والفلسفة وغيرها ويحفظ ما استطاع أن يحفظ)
وهكذا كوَّن أبو تمام ثقافة ذاتية موسوعية فاق بها أساتذة ذلك الزمان، وكان منبعه الأول في العلم هو القرآن الكريم، يقول عمر فروخ: (كان حافظاً للقرآن، عارفاً بالحديث وبعلوم العربية، كثير الإطلاع على التاريخ، ما عمَّ منه وما خص، حسن المشاركة في علم الكلام وفنون الفلسفة، أما في الأدب والنقد وفروع البلاغة فكان ــ مما يبدو لنا في ديوانه ــ إماماً كبيراً)
وقد زخر ديوانه بمفردات وألفاظ القرآن الكريم يقول الدكتور نجيب البهبيتي: (لا أعرف شاعراً من شعراء العربية تأثر بالقرآن تأثر أبي تمام به)
هاجر أبو تمام بلده إلى مصر وعمل في نقل الماء إلى المسجد للسقاية وكان في ذلك الوقت صبياً، فكان يخفق قلبه لمجالس الأدب والشعر فيستغل فرصة فراغه لحضور هذه المجالس حتى تملّكه الشعر فأفرغ له قلبه وعقله فنطق بهما شعراً، ثم هاجر إلى سامراء بدعوة من المعتصم لما سمع به بعد أن بلغت شهرته البلاد والآفاق، ثم هاجر إلى عاصمة الشعر في وقتها بغداد ومنها إلى قزوين ثم إلى الموصل التي كانت آخر محطات حياة الشاعر وفيها توفي ودفن.
وفي كل البلاد التي زارها كان يضفي (روح الظرف ومكارم الأخلاق وكرم النفس وطيبة القلب) وكان بعيداً عمّا يقع بين الشعراء من التباغض والحسد، (مُترفّعا وقوراً شديد الاعتداد بنفسه والاخلاص لها ولفنه) فكان مثالاً للشاعر الصادق المتواضع الذي يُعلِّم ويتعلم ويترك أثراً طيباً وذكرى جميلة في نفوس من يلتقون به ويعاشروه يقول ابن كثير عن شعراء تلك الفترة: (وكان أبو تمام من خيارهم ديناً وأدباً وأخلاقاً)
وقال الدكتور شوقي ضيف: (والحق أنه كان وقوراً، وكان يترفع عن الدنايا، وكان مخلصاً لدينه كما كان مخلصاً لعروبته)
وقال الدكتور إبراهيم ملحم أسود: (كان أبو تمام كبير النفس، عالي المقام، أبيّ مُترفّع عن الذل والمهانة وانحطاط النفس في حضيض ذل الطلب والاحتقار وخساسة القدر والتمرغ في بيوت الأمراء والملوك الذين كان يمدحهم، كما كان يفعل كثير غيره من الشعراء فتراه شريفاً في طلب عطائه بكامل اللياقة والأدب مع حفظ النفس في مقامها..)
وشهد له الشعراء وغيرهم بذلك ومنهم البحتري الشاعر الكبير حيث روى الخطيب السمعاني: (أن الحسين بن إسحاق قال للبحتري: الناس يزعمون أنك أشعر من أبي تمام فقال: والله ما ينفعني هذا القول ولا يضر أبا تمام والله ما أكلت الخبز إلا به ولوددت إن الأمر كما قالوا ولكني والله تابع له لائذ به آخذ منه، نسيمي يركد عند هوائه، وأرضي تنخفض عند سمائه).
وهذا القول من البحتري ليس مجاملة، بل حقيقة شهد بها التاريخ، فقد لجأ في بداية رحلته مع الشعر إلى أبي تمام بحمص وقرأ له بعض أشعاره (أبو تمام وكانت الشعراء تقصده لذلك)، فلما سمع أبو تمام شعر البحتري أصغى إليه وترك من عنده من الشعراء الذين جاؤوا لنفس الغرض فلما أتم البحتري قراءته قال له: أنت أشعر من أنشدني، فكيف حالك ؟! ــ يقصد حالته المادية ــ فشكى إليه البحتري الفقر والفاقة التي كان عليها. فكتب أبو تمام إلى أهل معرّة النعمان وشهد له بالحذق وشفع له إليهم وقال له: امتدحهم. فسار إليهم فأكرموه بكتاب أبي تمام ووظفوا أربعة آلاف درهم فكانت أول مال أصابه، وبقي أبو تمام يشجع البحتري ويشيد بشعره حتى أصبح من الشعراء الكبار فكان صنيعة أبي تمام، وقد قرأ له البحتري يوما بعض أشعاره فاهتز أبو تمام وقال له: أنت أمير الشعراء بعدي. فأكبر البحتري هذه الشهادة فقال: هذا القول أحب إليّ من كل ما نلته.
كما بقي البحتري معترفاً بفضل أبي تمام عليه ملازماً له حتى بعد أن أصبح من قمم شعراء عصره فقيل له: أنت أشعر أم أبو تمام ؟! فقال: جيده خير من جيدي، ورديئي خير من رديئه
وقال البحتري لعلي بن إسماعيل النوبختي: (والله يا أبا الحسن، لو رأيت أبا تمام الطائي لرأيت أكمل الناس عقلاً وأدباً وعلمت أن أقل شيء فيه شعره).
عرف أبو تمام إضافة إلى شاعريته الكبيرة بذكائه الحاد ونظرته الثاقبة للأمور يقول الصولي: كان أبو تمام إذا كلمه إنسان أجابه قبل انقضاء كلامه، كأنه كان قد علم ما يقول فأعد جوابه).
وقال الدكتور طه حسين: (فأبو تمام له ذكاء حاد، يحس الشيء قبل أن يقع، كان حاضر البديهة حضوراً غريباً جداً، مفحِما للذين يخاصمونه، حاد الشعور، يحس الأشياء حساً سريعاً، ويتأثر بها تأثراً عميقاً، ذكاؤه يمتاز بشيء من العمق لم يكن لغيره من الشعراء، إذا تعرض لمعنى من المعاني تعمقه، يدهش الناس بما يظهره من المعاني المختلفة)
وقال أبو عبد الله الرقي الكاتب يصف أبا تمام: (رأيت رجلاً علمه وعقله فوق شعره)
وقال الدكتور عبد الله حمد المحارب: (إن أبا تمام وعى كل صنوف المعرفة في ذلك الوقت، واختص بكل ما يمت إلى الشعر بسبب)
وقال له المعتصم: يا أبا تمام أمراء الكلام رعية لإحسانك.
وقال ابن الأثير أما أبو تمام فرب معان وصيقل ألباب وأذهان وقد شهد له كل معنى مبتكر لم يمش فيه على أثر...)
وقال ابن خلكان: (كان أوحد عصره في ديباجة لفظه ونصاعة شعره وحسن أسلوبه)
ورغم أن الزمخشري لم يعتمد الشعراء المحدثين في استشهاداته اللغوية والنحوية إلا أنه عد شعر أبي تمام بمنزلة ما رواه في ديوان الحماسة فقال: (إنه وإن كان محدثاً لا يُستشهَد بشعره في اللغة فهو من علماء العربية، فاجعل ما يقوله بمنزلة ما يرويه). كما استشهد بشعره أبو علي الفارسي في الايضاح والتذكرة وابن جني.
كما كان أبو تمام شاعراً مؤلفاً (فكان بذلك أول شاعر عني بالتأليف) ، وكان أول من نبه إلى تآليفه الآمدي حيث يقول: (كان أبو تمام مشغوفاً بالشعر مشغولاً مدة عمره بتخيّره ودراسته وله كتب اختيارات فيه مشهورة معروفة فمنها: (الاختيار القبائلي الأكبر)، اختار من كل قبيلة قصيدة، وقد مر على يدي هذا الاختيار، ومنها اختيار آخر ترجمه (القبائلي)، اختار فيه قطعاً من محاسن أشعار القبائل، ولم يورد فيه كبير شيء للمشهورين، ومنها: الاختيار الذي تلفظ فيه محاسن شعر الجاهلية والإسلام، وأخذ من كل قصيدة شيئاً حتى انتهى إلى إبراهيم بن هرمة، وهو اختيار مشهور معروف بـ(اختيار شعراء الفحول) ومنها اختيار تلفظ فيه أشياء من الشعراء المقلين والشعراء المغمورين غير المشهورين وبوَّبه أبواباً وصدره بما قيل في الشجاعة وهو أشهر اختياراته وأكثرها في أيدي الناس ويلقب بـ(الحماسة)، ومنها (اختيار المقطعات) وهو مبوَّب على ترتيب الحماسة... ومنها (اختيار مجرد في أشعار المحدثين) وهو موجود بين أيدي الناس، وهذه الاختيارات تدل على عنايته بالشعر، وإنه اشتغل به، وجعله وكده، واقتصر من كل الآداب والعلوم عليه، وإنه ما فاته كبير شيء من شعر جاهلي ولا إسلامي ولا محدث إلا وقرأه واطلع عليه)
وتعرف هذه الاختيارات بالحماسة الكبرى، والحماسة الصغرى، والفحول، والاختيار القبائلي الأكبر، والاختيار القبائلي الأصغر، والمقطعات، وكتاب المجرد في أشعار المحدثين، وقد فصل الحديث عنها السيد محسن الأمين وعدد شروحها فعد شروح الحماسة فكانت أربعة وثلاثون شرحاً
ثم يذكر الأميني قصيدة أبي تمام (الغديرية) وهي في مدح أمير المؤمنين (عليه السلام) وذكر فضله وخصاله ومناقبه، وما تضمنته قصيدته من أحاديث للنبي في فضل أمير المؤمنين ومنها حديث النبي (من كنت مولاه فهذا علي مولاه)
وهذا الإسقاط والتضييع المتعمد للشعر الشيعي ليس بجديد فقلما تجد شاعراً شيعياً لم يتعرّض له ومنهم أبو تمام.
شعره:
يقول أبو تمام في (الغديرية) التي يمدح فيها أمير المؤمنين والتي تبلغ (73) بيتاً:
فعلتمْ بأبنــــــــــــاءِ النبيِّ ورهطِهِ أفاعيلَ أدناها الخيـــــــــــانةُ والغدرُ
ومن قبلِهِ أخـــــــــــــــلفتمُ لوصيِّهِ بداهيةٍ دهيــــــــــــــاءَ ليسَ لها قدرُ
أخوهُ إذا عدَّ الفخارُ وصــــــــهرُه فلا مثلهُ أخٌ ولا مثــــــــــــلهُ صهرُ
وشدَّ به أزر النبــــــــــــــيِّ محمدٍ كما شدَّ من مــوسى بهارونِهِ الإزرُ
وما زالَ كشّافاً دياجيـــــــرَ غمرةٍ يمزِّقها عن وجــــههِ الفتحُ والنصرُ
هوَ السيفُ سيفُ اللهِ في كلِّ مشهدٍ وسيفُ الرســــولِ لا ددانٍ ولا دثرُ
ثوى ولأهــــــــلِ الدينِ أمنٌ بحدِّهِ وللواصمينَ الدينَ في حــــــدِّهِ ذعرُ
بأحدٍ وبدرٍ حينَ مــــــــاجَ برجلِهِ وفرسانُه أحدٌ ومــــــــــــاجَ بهمْ بدرُ
ويومَ حنينٍ والنضيرَ وخيـــــــبرٍ وبالخندقِ الثــــــاوي بعقـوتِهِ عمرو
سما للمنايا الحمــرِ حتى تـكشّفتْ وأسيافُه حــــــمرٌ وأرمـــــاحُه حمرُ
مشاهدُ كان اللهُ كاشــــــفَ كربِها وفارجَـــــــه والأمرُ ملتـــــبسٌ إمرُ
ويومَ الغديرِ استوضحَ الحقُّ أهلَه بضحيآءِ لا فيها حجـــــابٌ ولا سترُ
أقامَ رسولُ اللهِ يدعوهمُ بـــــــــها ليقربهمْ عرفٌ وينــــــــــــــآهمُ نكرُ
يمدُّ بضبعيِــــــــــــــهِ ويعلمُ: أنه وليٌّ ومولاكم فهل لــــــــكمُ خبرُ ؟!
يروحُ ويغدو بالبيـــــــانِ لمعشرٍ يروحُ يهمْ غمرٌ ويــــــغدو بهمْ غمرُ
فكانَ لهم جهرٌ بإثبــــــــاتِ حقِّه وكانَ لهمْ في بـــــــــــزِّهم حقِّه جهرُ


ويقول في قصيدته التي أشرنا إليها والتي تبلغ (59) بيتاً:
حَصْحَصَ الحــقُّ فاسهري أو فــــنامي عن ملامـي ستحتوينَ مـلامي
زعمتْ أنَّ بــالشــــــــــــــــــــــآمِ بقايا صـدقتْ مـن مؤلِّـهي الأصـنامِ
وجمــــــــــــــاعيّة وما اجتــمــعتْ إلّا بحـلٍّ يـعفــــــــــــــونَه بحـرامِ
أنا من ســـــــــــاكِني الشــــــــامِ ولكنـ ـي بريءٌ من رأيِ أهلِ الـشامِ
مـــــــالــها لا وعـــتْ ألــم تــرَ إجـلا بـــهم للفســــــوقِ في كلِّ عـامِ
ولإطفــــاءِ نورِ ما أنـــــــــــــزلَ اللهُ مــــن البيِّنــــــــــاتِ والأحـكامِ
شاهــــــــــداتٌ بــذاكَ أيَّامُ صــــفّــيـ ـنَ وأعــظِــمْ بهنَّ مـــــــــن أيّامِ
ثمّ يـــومٌ بـ (كـربـلاءَ) وأحــــــــــــدا ثٌ به صــدَّعــتْ متونَ الــسلامِ
ثمّ يومٌ أقـــــــــــــــلَّ بالـحــــرَّةِ القـو مُ وأفــشــى فيـــــهِم منَ الأيـتامِ
بكراديـــــسَ ألهموا ســــــــــخَط الله فـــعاشــــــــــــــوا بذلكَ الإلـهامِ
لم يكونــوا غـــــــداةَ بــدرٍ ولا فــي أحـدٍ والسيــــــــوفُ فيه دوامــي
في هَــناتٍ يحنينَ ذا الـقـامة الشــطـ ـبِ ويكثـــــرنَ مــن قتيلِ الغلامِ
حيــث لا تـرأمُ الكـريـــــــهةُ منــهم كلَّ ماضٍ جـنـــــــــــــانُه قـمقامِ
كعلـــيٍّ طـابَ اســـــــــــمُه وأخــيه جعفرٍ أو كحمـــــــــــزةَ المـقدامِ
عــــاشَ هذا خيـــــرُ البـريةِ حــاشا سيدَ المرسليـــــــــنَ نورَ الظلامِ
أحفظتمْ ما جاءكمْ فـي ذوي الــذمَّـ ـــــــــة من منعـــــهمْ مِنَ الظلامِ
ونسيتمْ لا بلْ تنـــــــــاســـــيتمُ ما ثبَّــــــــــــتَ اللهُ في ذوي الأرحامِ
سوف تــســتـوبئونَ شـــربَكمْ الآ جـنَ والمرتعَ الحمـــــــادَ المسامي
وتـعــبّـونَ في صحـــــــونٍ ملاءٍ من غرامٍ مصــــــــــــــــفَّقٍ بغرامِ
أنا ممَّا فــعــلتمــــــــــــــوهُ برِيٌّ أحوذيٌّ في يقظتي ومنــــــــــــامي
تــتــحاشانيَ التخــازُر فــي اللحـ ـظِ عيونٌ مستشــــــــرفاتٍ مَقامي
ربِّي الله والأمــــــــيــــــــنُ نبيي صفوةُ اللهِ والوصـــــــــــيُّ إمامي
ثم ســبطا محمــــــــــدٍ تــــــالياهُ وعليٌّ وباقرُ العلمِ حـــــــــــــــامي
والــتقيُّ الزكـــيُّ جعفرُ الطــــيـ ـبُ مأوى المعـــــــــــــترِّ والمُعتامِ
ثم مــوسى ثم الرضا علم الفضـ ـلِ الذي طالَ ســــــــــائرَ الأعلامِ
والــــمــــصفّى محــمدُ بن عليٍّ والمعرّى مــــــــــن كلِّ سوءٍ وذامِ
أبــرزتْ منه رأفـــةُ اللهِ بالنـــــا سِ لتركِ الظــــــــــــلامِ بدرَ التمامِ
فرعُ صدقٍ نمى إلى الرتبةِ العلـ ــيا وفرعُ النبــــــــــيِّ لاشكَّ نامي
فــهــو ماضٍ على البديهةِ بالفيـ ــــــــــصلِ من رأيِ هِبـرِزِيّ هُمامِ
عالمٌ بالأمورِ غارتْ فــلــم تــنـ ــــــــــــجمْ هذا يكـــــــونُ بالإنجامِ
بالأمورِ التي تــبــيـــتُ تــقاسيـ ـــــــــــها على حين سكــــرةِ النوَّامِ
هـؤلاءِ الألـى أقــامَ بـهــمْ حجَّـ ـــــــــــــتُه ذو الجــــــلالِ والإكرامِ
عصبةٌ لستُ منكراً أنـنــــي يفـ ــــــــــنى قعودي بحبِّهمْ وقيـــــامي
هوَ خلفي وعن يميني وعـن ذا ت شمـــــــــالي مرتَّـــــــبٌ فأمامي
فغريرٌ غزالُ فاطــــــمةِ الـزهـ ــــــــــر غريرٌ لو تعقــــلونَ فِطامي
أيها الناصبُ المصرُّ عسى أن تــنــجــلي هبـــــــــــوةٌ وانفكُّ دامي
في بني هاشمٍ وودِّهم صِـــــر تُ أراميـــــكَ في الـــديــــــنِ أُرامي
وبهم فتنتي ولولاهُمُ اقتــــــــد ت ولـــكــن مــــنيَّتي بسهــــــــــامي


مات أبو تمام ودعبل الخزاعي في سنة واحدة وقد رثاهما البحتري بقوله:
قد زاد في كلفي وأوقد لوعتي‏ مثوى حبيبٍ يوم ماتَ ودعبلِ‏
أخويَ لا تزل السمــــاءُ نحيلة تغشــــاكما بسماءِ مزنٍ مسبلِ‏
جدثٌ على الأهوازِ يبعدُ دونه‏ مسرى النعيِّ ورمَّة بالموصلِ‏
..............

مازن الشريف في شعر المحبة والموالاة لآل البيت:
إن كان كل عصر ملأ أركان سماعه شاعر قدير اللغة غزير المعاني، ومنهم رغم الضغط بقوا على ولاء آل البيت فخَلّدوا وخُلّدوا بهم؛ فإن هذا العصر برحب فسحة الشعر والفكر فيه يحتاج لمن يحمل الراية ويكمل المسيرة في الاستشعار والمديح لآل البيت عليهم السلام، شاعر جريء قوي مقدام في قول الحقيقة وقد فعل ذلك الشاعر الدكتور مازن الشريف وتخطّى أعتاب الوصف الواجب إلى دخول فسحات وسماوات الحب وتخليد جمال وجودهم بعظيم المدائح والشعر.
فلا داعي لنسأل عن هذا الشاعر الكبير الذي يملأ الدنيا ويشغل ساحات العلم والفكر والشعر على عين الزمان، فهو يعرّفنا عن نفسه وخاصة في محبة النبي وآل النبي، كيف لا وهو شيخ جليل له من العلم اللدني (المحمدي والخضري) وله ومن بلاغة اللغة ما ورثه من أبيه الإمام علي، ففي قصيدة "يا سائلاً" سيجينا شعراً مَن يكون؟

أيكون حنظل وعلقم الحاقدين عدا عن كونه عسل الأحبة؟ نعم! هو سيف آل البيت، نفحة سرّهم، وارث عزّهم، فارس الحرب وأسدها الضرغام، حيدري القلب والجسم قويّ من علي ، محبّته فاطمية ، كالشمس تشع على الظلمة، فداء أبنائها ( زينب والحسين ) وفداء عمّها (حمزة)، وارث منهم الصلابة والإباء. محب لإمامه الحسن، لا يترك حبّه، وقد أخذ شيمة الصبر على البلاء من الإمام الحسين:

يا سائلاً عنّي وعن أسمائي
أنا حنظلٌ للحاقدِ المستاءِ
أنا علقمٌ للجاحدين جميعِهم
عَسَلُ الأحبَّة ِفي كؤوسِ صفاءِ

أنا سيفُ آلِ البيتِ نفحةُ سرِّهِم
ولقد ورثتُ العزَّ عن آبائي
أنا فارسُ الهيجاءِ ليثُ وطيسِها
أنا حيدريُّ القلبِ والأعضاءِ

أنا فاطميٌّ في المحبّة لم أزل
شمساً تشُعُّ بعَتمةِ الظّلماءِ
أنا لابنها ولبنتِها ولعمِّها
منهم ورثتُ صلابتي وإبائي
حَسَنٌ إمامي لا أبارحُ حبَّهُ
أنا من حسينٍ صابرٌ لِبلائي

الشاعر كذلك موالٍ للصالحين، نفحة من الولي القادر من اسم الله القادر: عبد القادر الجيلاني، وعودة للكرّار في صولته على الأعداء. وهو كرامة للإمام الرفاعي وسائر أهل الله في الأرض.

أنا نفحةُ الجيليّ بين أحبّةٍ
أنا صولةُ الكرّارِ في الأعداءِ
أنا للرفاعيِّ الإمامِ كرامةٌ
ولكلِّ أهلِ الله في الأرجاءِ

مَن شَتَمَهُ بِنقص فقد جمّله و زاد من شيمه وزانه وزيّنه، كما قال للمتنبي: (إذا أتتك مذمّتي من ناقص.. فهي الشهادة لي أنّي كامل) ولكن لا يجيب العواء بالعواء، فهو الأسد القوي، يهزم خصمه بيد كالرمح تنفذ في صدر اللعين الذي لا يجيد إلا الكلام والثرثرة من بعيد دون القدرة على المواجهة.
فالشاعر يجيب السائل عنه متماهياً في أحواله، يردّ كيد الأعداء: أنا ربّ الفصاحة أملك مفاتيح الكلمة والحرف، مسموع القول، مجيب النداء، فقل ما تشاء أيها الجاهل المستاء من قدرتي فإننّي كالسحب تمطر بياناً ولفظاً وبلاغةً في التأليف والإنشاء والإخبار والإعلام بالأشياء، أعرف كيف أردّ الجواب وأدافع عن نفسي دون النزول لمستواكم الذي هو العواء. فكما قال أبو تمام: (وَذُو النَّقْصِ فِي الدُّنْيَا بِذِي الفَضْلِ مُولَعُ) :

من سبّني بِسَفاهةٍ قد زانني
أنا لا أجيبُ عواءَهم بِعواءِ
إنِّي الهُزبرُ الضَّرغميُّ ولي يدٌ
كالرّمحِ في صدرِ الشّقيّ النّائي

أنا فَطْحَلُ الأشعارِ أملكُ حَرفَها
وتجيبُ في لمحِ الخفاءِ ندائي
قُلْ ما تشاءُ أيا جَهُولُ فإنّني
كَالمزنِ في الإخبارِ والإنشاءِ

أنا مازن أزن الكلام قبل أن أقوله، ولا أتكلّم عن هوى، عزيز قوم من السادة الشرفاء أنتمي لأسيادي من بني الزهراء.
وقلوب حواسدي فازت لكن بالنار، وكفّي فاض بالحبّ الطاهر الصافي كجوهري النقي من الماء.

أنا مازنٌ ومُوازنٌ حرفَ الهوى
وشريفُ قومٍ هم بنو الزَّهراءِ
بالنّارِ قد فارتْ قلوبُ حواسِدي.
بالحبِّ قد فاضتْ أكفُّ الماءِ

ومع مسك ختام هذه القصيدة ننتقل إلى الموالاة المطلقة في قصيدة مُغنّاة بالذكاء الاصطناعي تحمل عذب الألحان وسحر النغم وإعجاز ماخلفه العقل وهداه الله لآدم الإنسان واُستخدمَ حالياً. وأحدث ما كتبه الشاعر الدكتور مازن الشريف " أواليكم" ونشرها كأغنية على وسائل التواصل المتاحة باسمه، نصل إلى أعلى قمم الحبّ والاعتراف.
إذ يقول:
الجديد الجميل الذي يسرّ قلوب المحبّين الموالين، ويقطع أذناب أبناء اللائكة(هند بنت عتبة) أعداء الملائكة ويوجعهم لفرط جماله وعذب مقاله. "أواليكم"
كتبتها صباح اليوم. يقصد به ( الجمعة 3 تموز 2026 ) وأعددتها في حلة رائعة تليق بمقام أحباب روحي وسادتي وآبائي آل بيت رسول الله.

الكلمات:

أُوَالِيكُمْ أُوَالِيكُمْ
وَأُرْضِي خَالِقِي فِيكُمْ
فَأَنْتُمْ سَادَتِي حَقًّا
وَإِنِّي مِنْ مَوَالِيكُمْ
أُوَالِي جَدَّكُمْ طهَ
وَكَرَّارًا بِبَلْوَاهَا
وَزَهْرَاءً وَغَرَّاءً
وَحَوْرَاءً بِيُمْنَاهَا
إِذَا مَا الصَّبْرُ عَانَدَهَا
مَضَتْ لِلَّهِ شَكْوَاهَا
لَكَمْ أَصْبُو لِنَظْرَتِهَا
لَكَمْ أَهْفُو لِلُقْيَاهَا
وَكَمْ أَرْنُو لِآتِيكُمْ
أُقَبِّلُ طُهْرَ أَيْدِيكُمْ
أُوَالِيكُمْ أُوَالِيكُمْ
.....
أُوَالِيكُمْ لِكَيْ أَحْيَا
فَأَنْتُمْ لِلْفَتَى مَحْيَا
وَعِيسَى فِي مَرَابِعِكُمْ
وَهَارُونٌ كَذَا يَحْيَى
وَإِبْرَاهِيمُ جَدُّكُمُ
بِكُمْ وِجْدَانُنَا أَحْيَا*
وَرَبُّ الْكَوْنِ أَكْرَمَكُمْ
مَحَا أَعْدَاءَكُمْ مَحْيَا
وَكَمْ أَعْطَى لِيُرْضِيكُمْ
أَلَا خَابَتْ أَعَادِيكُمْ
أُوَالِيكُمْ أُوَالِيكُمْ
......
أُوَالِيكُمْ وَلَا أُخْفِي
وَنَظْرَةُ عَطْفِكُمْ تَكْفِي
وَإِنْ جِسْمِي بِهِ سَقَمٌ
فَنَفْحَةُ وُدِّكُمْ تَشْفِي
وَإِنْ حَالِي بِهِ عِوَجٌ
فَأَنْتُمْ سَادَةُ الْعَطْفِ
وَإِنْ أَبْلَتْنِيَ الدُّنْيَا
بِمَا تُبْدِي وَمَا تُخْفِي
فَأَنْتُمْ يَا غَرَامَ دَمِي
غَمَامُ الْفَضْلِ وَاللُّطْفِ
وَإِنِّي خَادِمٌ لَكُمُ
وَكَمْ قَدْ صِحْتُ بِالطَّفِّ
أَلَا يَا طَفُّ تَسْمَعُنِي
وَفِيكَ الصَّفُّ لِلصَّفِّ
حُسَيْنِيٌّ أَنَا قَلْبِي
حُسَيْنِيٌّ أَنَا طَرْفِي
حُسَيْنِيٌّ أَنَا جُرْحِي
حُسَيْنِيٌّ أَنَا وَصْفِي
فَهَلْ فِي الْعِشْقِ مَا يَعْفُو
وَهَلْ فِي الْحُزْنِ مَا يُعْفِي
وَهَلْ دَمْعِي سَيُرْضِيكُمْ
فَقَلْبِي هَائِمٌ فِيكُمْ
أُوَالِيكُمْ أُوَالِيكُمْ

فليس أجمل ولا أسلس من هكذا كلام، وليس أرق من هكذا قلب، وليس أسمى من هكذا وصف وحال، عميق هو مازن الشريف وشاعرٌ رهيف شفّاف، إنّه لشيء يُشفي القلب العليل ويروي الروح الظمآنة منذ عطش الحسين وآل الحسين وجذر الحسين وجدّ ونسب الحسين. ارتواء النبض بالحب ونفحة الروح حين تعانق الأحباب بعذب من موسيقى العِذاب، وطرب القرب رغم الغياب، فالحضور يغدو قائم وكأن الزمن طوي فصرنا حيث نحب، وكأن عالم الغيب فُتِح لنا فغدونا طيّبين ساكنين في جنّة الأنس من دنيا الأرض.
نعم مازن الشريف بشخصيتة الجسورة والمحبّة شفى غليلنا، وأراح ضميرنا وهدّأ بالنا.

أهمية وجود شاعر مثل مازن الشريف:

مع خلاء هذا العصر من شاعر فذّ موال لآل البيت نجد ه في الساحة انبرى بجدارة يملأ هذا الفراغ الكبير، فإن كان يوجد محبّون لكن نحتاج لشاعر، وإن كان يوجد مناصرون لكن نحتاج لقائد، وإن كان يوجد مضلّلون فنحتاج لمحقّق يظهر الحقائق، وإن كثر المتأوّلون فنحتاج لصادق، وإن انتشر المفكّرون المبالغون أو ذوي الإتجاه الواحد أو المدسوس فإنّنا نحتاج لمفكر ذو منطق سليم وتاريخي مدقّق ينطق بالحقيقة دون تزييف ودون تأجيج، إنّه الشاعر والمحقق والمدقق والعاشق والموالي والوارث والقوي والمِقدام الجريء الجسور المهذب في نشر علوم آل البيت والتغني بمكارهم وإحياء ذكرهم، فلا يكفي أن نجترّ بعض العبارات ولا أن نردّد ذات الأغنيات المنقوصة، نحتاج لثقافة وعي جديدة هدفها ومنطلقها الخير وهي عند هذا المفكّر الشاعر العظيم.
وإلى جميل شعره سنبعث نحلنا يرشف بعض رحيق أزهاره من بساتين قصائده، ونحاول أن نذكر معه تلك الذكرى ونتفاعل فنبحث ونستذكر السطور ونفتح صفحات القصائد والمحبّين، عسانا نضيف سطراً واحداً في حروف الأبجدية لمحبة الإمام الحسين والإعلان عن أن حبّه باق ورسالته تتجدّد في الأرواح والأجيال، فحسين حقٌّ لنا وواجب علينا ولايته، ومحال أن يموت، حدث ما حدث! ليعلّمنا أصول المحبة الإلهية ويتركنا في فضاءاتها نسرح ونكتشف قواعد العشق الحقيقية ومبادئ الشهادة والحياة الحقّة.
وللنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عبارة تختصر شخص الإمام الحسين تقول: حسينٌ منّي وأنا من حسين. نجد الشاعر الدكتور يستمد منها معنى لقصيدته ويفيض ويأتي بالأصيل والجديد،

عنوان قصيدته: أنا من حسين
يقولها بأعلى الصوت صرخةً بوجه المناكدين وهمسةً بأذن المحبين: أنا من حسين وحسين منّي، لن يمنعني عن سبيله بحر يحاصرني ولا عدو يغدرني، لا أرضى الدنيا من دون أئمة كالشموس تسطع فوق الظلام.
وإن كانوا عذبوا قلبي فإني أحبّهم فالكرام تعشق الكرام. فهم ما عذّبوا قصد العذاب، إنما العذاب من شدة الشوق لهم وعظيم جمالهم الذي أشعل الغرام فحسبته عذابا وهو غراما.
فحبهم العذب لروحي، منقوش على عظامي، محال أن أنكث عهدهم، ومن بعدهم يكون موتي. والجنة لا أريدها إلا لأنها بجوار مقامهم! هؤلاء بِحبهم نلت العناية وقد رفع الله رايتي وأعلى من مقامي وشأني.
والحب منذ الصغر، بل قبل عهد الفطام شربت صفو حبهم، وعشقتهم فالنور يحن لأصله ويعشقه، إذ سار سرّهم بي فالموّله أنا ظامئ لهم.

أنا من حُسين

أنا من حسينٍ والحسينُ إِمامي
والبحرُ خلفي والعدوُّ أمامي
لا أرتضي الدُّنيا بِهَجْرِ أئمّةٍ
أنوارُهم كالشّمسِ بعد ظلامِ

قد عَذّبوا قلبي وإنّي أُحبُّهُم
إنَّ الكرامَ أحبّةٌ لِكرامِ
ما عذّبوا قصدَ العذابِ وإنّما
أشواقُهم وجمالُهم وغَرَامي

عَذُبَ على روحي تألّقُ ذِكرِهم
مِن عشقِهم كالنَّقشِ فوقَ عِظامي
أنا لستُ أنكُثُ عهدَهم من بعدِهِم
مَن بَعدِهم موتي وكأسُ حِمامي
ألا لستُ أطلُبُ مسكناً في جنّةٍ
إلّا لِحُسنِ جوارِهم لمُقامي
وبِحبِّهم قد نِلتُ خيرَ عِنايةٍ
رفعَ المهيمنُ رايتي ومَقامي

أحببتُهُم مذّ كنتُ طِفلاً ناشئاً
وشرِبتُ صفوَ الحبِّ قبلَ فِطامي
وعَشِقتُهم والنّورُ يعشَقُ أصلَهُ
والسّرُّ سارَ والمولَّهُ ظامي

والشاعر يقسم ممتنّاً بأنّ آل البيت لم يهجروه بل أقبلوا عليه وتقبّلوا نجواه وكلامه المرسل إليهم.
فيا سادتي وقادتي وشهادتي أمشي إليكم على جمر النار.

والّلهُ ما هَجَروا ولكن أقبلُوا
وتقبّلُوا منّي نجيَّ كلامي
يا سادتي يا قادتي وشهادتي
أمشي إليكم فوقَ جمرٍ ضِرامِ

وينطلق الشاعر صوب المنطقة النفسية بداخله ليعترف بأنه يتقدّم نحوهم ويجرّ خلفه ذنب لم يسمح له بإحساس الأمن والسلام، فالنفس هي من تخون لكن الدم الصافي لم ينكث عهد الوفاء، فأنظروا يا آل البيت هذا المتيّم بكم نظرة المتسامي.
هذه النظرة بعدها تأتيه نصرة، ويرتاح قلبه بها في الهيام الهانئ المستلذّ المطمئن.
لا أخاف العدو بمعركة أو واقعة، ثابت الأقدام، مقدام قوي.

وأجرٌ خلفي ذنبٌ أم جريرةٌ
حمقاءُ لم تسمحْ بيومِ سلامِ
نفسي التي خانتْ ولم ينكُثُ دمي
فَهِبُوا المتيَّمَ نظرةَ المُتسامي
هي نظرةٌ للصّبِّ بعدَها نُضرةٌ
وحياةُ قلبٍ في لذيذِ هُيامِ
أنا لا أخافُ من العدوِّ بِوقْعَةٍ
أنا ثابتُ الأقدامِ والإقدامِ

ويلامس الشاعر لبّ المنطقة الشعورية، وعودة إلى الحبّ فيقول: أنا أحبّ مُحبّهم وأحبهم وفي الله نفحات حبي وسلامي. ويؤكد محبّته الدائمة والمستمرة حتى لو لام اللائمون، فالعاشق لا يلتفت لكلام العواذل.

إنّي أحبُّ مُحبَّهم وأحبُّهمْ
في الله نفحُ مَحبَّتي وسلامي
إنّي وإنْ لامَ العواذلُ عاشقٌ
هل عاشقٌ أصغى لِحرفِ مَلامِ

(أنا صرخة الحق) : يا من وصل أعالي السماء برقيّه وأصبح روحاً شفيفاً وهو في عالم الأجسام، خذ نبض قلبي إلى النبي وآله، فما أنا إلا صرخة للحقّ مازالت تحت الضغط والركام. واذكر لهم حالي أنت أعلم به من طول بعاد واشتداد الغرام.

( البيعة للآل وليس البيع) : ويطيل الشاعر في وصف حالته الوجدانيّة وهذا دليل التعلّق بأعتاب أهل البيت مُجدّداً عهد الولاء ومؤكّداً الوفاء فيقول: أنا الذي بايعتهم وما بعتهم، فيهم وصلت لقمّة الوفاء وأطرافه.

يا مَن رقى سُمْكَ السَّماءِ جناحُهُ
روحاً تشُفُّ بعالمِ الأجسامِ
خُذْ نبضَ قلبي للنّبيِّ وآلِهِ
أنا صرخةٌ للحقِّ تحت رُكامِ
واذكرْ لهم حالي فأنتَ خبيرُهُ
طالَ النّوى واشتدَّ عسْفُ غَرامي
وأنا الذي بايعتُهم ما بُعتُهم
فيهم بلغتُ على الوفاءِ مَرامي

(آل البيت فدوة الإسلام) :ثم يصف الشاعر آل البيت معدّداً شمائلهم، فهم السادة على الناس من بعد النبي والإمام علي، كانت حياتهم لِفدوة الإسلام. هم بالروح فدوا دين محمد رغم كل ما لحق بهم من أذى وظلم وإجرام.

هم سادةٌ للنّاسِ بعد إمامِهم
ضحّوا الحياةَ لنُصرةِ الإسلامِ
هم مَن فَدُوا بالرّوحِ دينَ محمّدٍ
رغمَ الأذى والجُورِ والإجرامِ

( لا لإخفاء الولاء لآل البيت) :
ليعود مجدّداً واصفاً حاله وموقفه من آل البيت، مقارناً بمجريات ما يكون ومصرّاً على التمسّك بهم وفضح النواصب، فيقول:
لست من فصيل العداء لهم، وممّن غالوا في كرههم لهم ووقعوا في التوهّم. كلا، ولا أخفي ولائي لهم خوف فقدان سمعتي بسبب قلة أصحاب الفهم وخشية من أن يفهمني الناس بالخطأ. فأنا لم أعش عيشة الجاهلين بربّهم ونبيّهم متغافلين قصداً في شقوة التعامي، الناكربن مقام آل محمد والممتدحين الفئة الباغية والطاغية.
هؤلاء المتقلّبون في آرائهم وأهوائهم حسب مصالحهم، كالأنعام (الحيوانات) لا همّ لها إلا معيشتها في أكلها ورزقها بأي ثمن حتى لو كان بيع الذمم. ( فضح الكفار والنواصب والمنافقين والرخيصين).

أنا لستُ من زُمَرِ النّواصبِ ويلَهم
قد أفرطوا في الكُرهِ والإيهامِ
كلّا ولا أُخفي الولاءَ تقيّةً
خوفَ الكلامِ وقلّةََ الأفهامِ
لا عشتُ عَيشَ الجاهلينَ بربّهم
ونبيِّهم في شَقوةِ المُتعامي
الجاحدينَ مقامَ آلِ محمّدٍ
والمادحينَ لطُغمةِ الظُّلّامِ
يتقلّبونَ بعيشِهم ومعاشِهم
كتقلّبِ الأنعامِ في الإنعامِ
والّلهُ ما هَجَروا ولكن أقبلُوا
وتقبّلُوا منّي نجيَّ كلامي
يا سادتي يا قادتي وشهادتي
أمشي إليكم فوقَ جمرٍ ضِرامِ

(حبّ آل البيت عهدي الدائم): ويعود الإعلان من قبل الشاعر بالفم الملآن يقول عبارته بأن حبه لآل البيت عهده الدائم في الخليقة، يجاهر بهذه الحقيقة لمن يرى بالسّر أو العلن. وحبه نار في دمه تشتعل وبحبهم رفرفت راياته، فهو الحامل للوائهم.

(حب الحسين وسيلة التقرب إلى الله): يتمدد الشاعر في ذكر فضائل حب الحسين،
وحبّ الحسين وسيلة التقرّب إلى الله، الروح فداء قلبه المقدام. حبه هو الهدية والمكافأة والهداية والوصول والوصل بالنبي وبالسيدة الزهراء ولقاهر الأصنام الإمام علي.
وحب الحسين رسالة لأخيه الإمام الحسن
تضيء كالشمس بوجهه المبتسم.

حبّي لآلِ البيتِ عَهدي في الورى
يا من يرى بالجَهر ِ والإعلامِ
حبّي لآلِ البيتِ نارُهُ في دمي
ولقد رفعتُ بحبِّهم أعلامي
حبُّ الحسينِ إلى الإلهِ وسيلتي
روحيَ الفداءُ لقلبِه المِقدامِ
حبُّ الحسينِ إلى النّبيّ هدّيتي
ولفاطمُ ولقاهرِ الأصنامِ
حبُّ الحُسين إلى أخيهِ رسالتي
شمسٌ تُضيءُ بوجهِهِ البسّامِ

(محبة آل البيت المنهج والدين والشريعة):
وختام القصيدة تأكيد على أن محبة الشاعر لآل أحمد منهجه وشريعته ودينه وشغفه المتيقّظ دوماً لا يصيبه تغيّرات الزمان وتطاول الأيام عليه .
فأنا من أبنائكم أكون نسغ متواصل من نسلكم الذي لم يُقطَع، النبي محمد رسولي والإمام علي إمامي. حقيقة ثابتة نابتة لن يغيّرها شيء.

حبّي لكم يا آلَ أحمدٍ شِرعتي
لا يعتريهِ تطاولُ الأيّامِ
أنا من بنيِّكم لا قُطِعْتُ ونسلِكم
طهَ رسولي والإمامُ إمامي

هذه القصيدة نشرت تحت شعار:
حب الحسين إيمان وبغضه نفا.
قآل البيت سفينة النجاة.
بتاريخ 26/8/2020

-قصيدة عدا عن قيمتها المعنوية في تقديم الغزير من المعاني الثريّة والأفكار القويّة فيما يخص الغرض في مدح آل البيت والتعبير عن عمق المحبة بالدم، فإنها جاءت بقيمة جمالية لفظية ثريّة بالمحسّنات البديعية من حسن تقسيم وجناس وطباق وتضاد وسجع وغيره، بِجمل عذبة موحية وموسيقى تواترية تصاعدية اللحن بالحروف منسجمة أحياناً ومتقطّعة بتوزيع هادئ وعميق، ضمن تناسب هيكيليّة العبارة في هندسة حرفية دقيقة ورقيقة لا يفعلها إلا خبير.

أمثلة على ذلك:
-والبحرُ خلفي والعدوُّ أمامي
-إنَّ الكرامَ أحبّةٌ لِكرامِ
-أنا ثابتُ الأقدامِ والإقدامِ
-وأنا الذي بايعتُهم ما بُعتُهم
كتقلّبِ الأنعامِ في الإنعامِ
-الجاحدينَ مقامَ آلِ محمّدٍ والمادحينَ لطُغمةِ الظُّلّامِ
إنَّ الكرامَ أحبّةٌ لِكرامِ
- عهدَهم من بعدِهِم
-والسّرُّ سار

خاتمة:
لا خاتمة الآن لأننا ما زلنا في أجواء الملحمة، ملحمة الحسين وصدى الملحمة.
اللهم أبقنا على محبة الحسين ومَن وصّانا بمحبتّه؛ جدّه النبي المصطفى وأهل بيته، وأدمع عيوننا واشرح صدورنا للحب الصاعد من الحزن.
ويبقى حب الحسين هو الغالب..












منشورات ذات صلة

القصيدة الكربلائية – (في رحاب جرح الحسين)

مواضيع البحث:– مقدمة (من كتاب التأملات العرفانيّة) – دعبل الخزاعي والإمام الرضا… شاهد المزيد

بواسطة رجاء شعبان
28 يونيو، 2026
“عشربن عام” ملحمة الانتظار الخالدة في الغناء

العناوين الرئيسيّة في الموضوع:-مقدّمة: عشرين عام الأغنية المعروفة لسعدون جابر وقصيدة عشرين… شاهد المزيد

بواسطة رجاء شعبان
20 مايو، 2026
ليلى في قصائد الشاعر مازن الشريف

***ماذا أقول وماذا الحرفُ يُخبرها تلك التي سحرتْ مَن رامَ يسحُرُها ذا… شاهد المزيد

بواسطة رجاء شعبان
13 مايو، 2026
أغنية أخرى و قصيدة في رؤية فلسفية للشاعر مازن الشريف

دع ذكر ليلى فليلى تخلّت            وأبقتك بين الرَّدى والخطر استوقفني هذا… شاهد المزيد

بواسطة رجاء شعبان
2 مايو، 2026
  ليلى الشعر بين قيس بن الملوّح ومازن الشريف في قصائد العشق

أنا العشّاق يا ليلى.. وفيّ العشقُ يختصرُ (مازن الشريف) ليلى! من هي… شاهد المزيد

بواسطة رجاء شعبان
22 أبريل، 2026
سعادة الوعي وفن العرفان عند الدكتور الراحل أسعد علي والدكتور مازن الشريف

" من المؤمنين رجالٌ صدقوا ماعاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه… شاهد المزيد

بواسطة رجاء شعبان
10 فبراير، 2026