
***
ماذا أقول وماذا الحرفُ يُخبرها
تلك التي سحرتْ مَن رامَ يسحُرُها
ذا خنجرُ الوجدِ من ليلى يُمزّقني
يا حُسنَ ليلى وفي الأحشاءِ خِنجرُها
***
-مازن الشريف-
مواضيع الدراسة:
-دلالات ليلى في العشق
-قصيدة: يا حسنَ ليلى
-اللغة في شعر مازن الشريف
-هل الفنّ حرام؟ ماذا أضاف الشعر لحياة الناس؟
-عوالم من الفهم في فلسفة ليلى
-المعاني المستجلاة من الشعر والقصيدة
– ليلى الطمأنينة والسلام في قصيدة “سلّم على ليلى”
-ليلى الحزن ولواعج الشوق في قصيدة “غنّيتُ ليلى”
-خاتمة
دلالات ليلى في العشق:
إن كان المفهوم اللغوي والرمزي لليلى يأخذ معنى: الليل شديد السواد، ونشوة الخمر لشدة العشق، فإن الليل من ليلى والنشوة من الخمر المذكّر، فلكلّ ليلى ليل يحتضنها وما هي إلا جزء منه يتضمنها وتحتويه، فالليل من ليلى وليلى من الليل والليل وليلى لا ينفصلان دلالة ولا ينشقّان إلا ليُظهرا معناهما المكتمل بانشقاقهما، حينها يصل وصلهما، يشكلان مع تنهيداتهما قمراً جميلاً خاصّاً بهما، هو ابن العشق والضوء والولادة في الجمال، لأجل آية الخلق واكتمال الليل والنهار، اندماج النور والظلام، وتولّد الضّياء من العتمة كالفجر المنبثق، لينتصر المعنى الواحد الموحّد في الشعور وفي أصل الخلق: الله، خالق كلّ شيء من لاشيء بفعل كن فيكون.
(خلق الزوجين الذكر والأنثى) النجم آية 45
وإن كانت الرمزية في الشعر العربي ترمز لليلى المعشوقة التي يترك ذكرها وجداً في القلب.
-ذا خنجرُ الوجدِ من ليلى يُمزّقني.. يا حُسنَ ليلى وفي الأحشاءِ خِنجرُها
فهي كذلك الرمز المذكّر للرومانسية والغموض، والحب العذري، فليلى هي الحبيبة التي شغفت قلب قيس بن الملوح حتى الجنون، مما جعلها أيقونة للحب الذي لا يُنسى وكذلك قيس رمز للحب العذري الذي أودى إلى الجنون.
-تلك التي في هواها ضاع مغرمُها
قوافلُ الصّبرِ تاهتْ ماتَ أكثرُها
وإن كانت ليلى بالمفهوم الصوفي، تجاوزت كونها امرأة حسّيّة لتصبح رمزاً للحب الإلهي، والروح السامية، والبحث عن الحقيقة المطلقة، فهي العشق الصوفي المجرّد والمطلق بعد بحثه عن الحقيقة.
فليلى هي معادل رمزي للذات الالهية بالشعر الصوفي:
-يا مَن تغيبُ وليس البعدُ يحجُبها
لي ألفُ عينٍ بِسرِّ العشقِ تُبصرها
وليلى العامرية: رمز المحبوبة التاريخيّة، ومجنون ليلى: الشخصية التي تمثّل أعلى درجات العشق.
وحبيبة الروح: دلالة على تعلق العاشق بالمحبوب والخمر (في سياق السكر): تشبيه ليلى بنشوة الحب.
إذاً ليلى قد تأخذ معنى الوسطيّة، المنطقة الوسطى المحايدة حيث الحبّ الصافي من دون ذكورة وأنوثة، ( كالملائكة)، فهي المشاعر النبيلة والتسامي عن كلّ حسّ ولمس مع انطلاقهما منهما وتقديسهما لوجودهما، وهي كل حسّ جميل في جسد غدا معبداً للصلاة والحبّ وإظهار جمال الخالق.
فليلى ما وراء الحسّ والمكان:
غابت عن العينِ حتى جئتُ أسألها
كيف الفؤادُ برَغْمِ البعدِ ينظرُها
وتبقى ليلى كناية عن المحبوب الأعلى: تعبيراً عن حب الله، وتكون “ليلى” معادلاً لـ “ليلى” مجنون العامرية في الرمزية الصوفية.
فلكلٍّ ليلاه، الحسّية التي يعيش معها وينجب منها أولاداً، أو الخيالية التي تطوف في باله أفكاراً مثلى يلد منها آحلاماً وآمالاَ ووعوداً، وكلتا الليلتَين ضروريّتان، ولا غِنى عن هذه بتلك ولا تلك بهذه، طالما الإنسان يعيش واقعاً وخيالاً أو جسداً وروحاَ.
وربّما هناك ليلى تجمع الضّفّتَين فيها والجانبَين، وربما افتقد الفتى لليلى حياته كلّها، فضاع وأضاعها، وصار من ليلى بلا ليلى، تتقاذفه أمواج نفسه في يمّ الفوضى وعدم الاستقرار.
فالطريق إلى ليلى يبدأ بخطوة، هي ليلى الأولى، وما بين ليلى الأولى والأخيرة ليالٍ من الليلات والتجارب والنساء، وقد توصله ليلى الأولى للثانية وقد تغيبه عنها!
وليلى هي الفلسفة بكل أنواعها على مدى الأزمنة، الفلسفة الوجودية الواقعية، المثالية، وصولاً إلى الميتافيزيقية والصوفية.
يا حسنَ ليلى:
ماذا أقول وماذا الحرفُ يُخبرها
تلك التي سحرتْ مَن رامَ يسحُرُها
تلك التي في هواها ضاع مغرمُها
قوافلُ الصّبرِ تاهتْ ماتَ أكثرُها
غابت عن العينِ حتى جئتُ أسألها
كيف الفؤادُ برَغْمِ البعدِ ينظرُها
يا روضةً من رياضِ العشقِ مونعةً
يسبي قلوبَ ذوي التهيام منظرُها
يا مَن تغيبُ وليس البعدُ يحجُبها
لي ألفُ عينٍ بِسرِّ العشقِ تُبصرها
ذا خنجرُ الوجدِ من ليلى يُمزّقني
يا حُسنَ ليلى وفي الأحشاءِ خِنجرُها
هذه ليلى في ديوان مجانين ليلى للشاعر مازن الشريف، فأكثر مَن أفرد لليلى قصائد شاملة ومعان عميقة وأبعاداً طويلة هو الشاعر الملمّ الشامل مازن الشريف، الغائص المتفحّص في شؤون ليلى والحب والشعر، مستفيداً من تجربته وخبرته الصوفية لجانب خبراته العلمية الواقعية المنطقية واللّدنية، ومتقاطعاً في فلسفة لن يقدر لأحد أن يأتي بمثلها سواه، فهو لا ينكر الفلسفة بل يخلق فلسفة خاصة به، يانعة من ثمار الفلسفات عبر التجارب والعصور، وهو لم يستفرد بمذهب واحد للشعر بل حاكى وصاغ من خيوط الشعر والقصائد لكل الشعراء الفحول، فجاء بفنٍّ جميل هو فنّ القصيدة التي تمتدّ جذورها للتاريخ وتزهر بقصيدة من نبض الواقع المضمَّخ بالأغاني للدّهور، في قصيدة آنية عصريّة حاليّة يفهمها الجميع ويعود بها لتاريخ الشعر النبيل والأصيل.
اللغة في شعر مازن الشريف:
ماذا أضاف الشاعر مازن الشريف للغة، هل أتى بفلسفة جديدة؟
اللغة في شعر مازن الشريف تشرق من جديد وتبدع وتثمر بعظيم الفن والطرب والعروض والبحور والقوافي والأثر، هي متكاملة البناء، متينة السبك جليلة المعنى عذبة اللفظ وبديعة الصور، من علم البيان ذاته تأخذ مفرداتها وتلمّعها فتبرق ولا تضيع، هي إحاطة البحور وتجديد القريض بما لا يقطع نسل التراث العربي اللغوي البلاغي وما افتخروا به فكان لهم الكينونة والحضور، لكنّ مازن الشريف لا يقف عند ذلك، بل يأتي بفلسفةٍ شعرية، هي حكمة بالغة مطعّمة في الشعر ومطعّم الشعر بها، فما لديه من أفكار ومعين لدنٍ صافٍ يمزجه لنا في لغته وقصائده شراباً طيّباً يحيي معاني اللغة ويشفي السقيم من الأمراض، أعادنا لزمن الملاحم والأسطورة والتنقّل بالفكر بين العوالم (رحلة فكرية شعرية عبر الزمن)، فإذ به يكتب عن جنّية وعن ساحرة وعن قصيدة صاغها في رؤية، أو صاغته في مشهد، كما أحيا الأنشودة والأغنية في مجالس الغناء والشعر الراقية.
هل الفنّ حرام؟ ماذا أضاف الشعر لحياة الناس؟
ولمن يعتقد أنَّ الشعر حرام والفنّ حرام نقول له ارجع إلى مجالس الشعر والتحدّيات العظيمة لأقوياء الشعراء، وقصيدة بشار بن برد في مجلس غناء وهو يردّ على مغنية تردّد أشعار جرير خير مثال، وسنعرض هنا حادثة شعرية ولو استطردنا قليلاً استطراداً جميلاً يعرّف عن قيمة المجالس الشعرية في الحياة العادية والعلاقات الاجتماعية بين الناس في ذاك الزمان وهذا، فالشعر تلفاز العصر وشبكة النبض بمحتواها وتأثيرها للناس.
ذات يوم اجتمع الشعراء الثلاثة أبو نواس ودعبل وأبو العتاهية في مجلس من مجالس الطرب فأقاموا فيه ثلاثة أيام ، فلمّا كان اليوم الرابع انصرفوا يريدون منازلهم، فقال أبو العتاهية عند من نكون اليوم؟ فقال أبو نواس: في كل منا فضيلة، فهيّا نمتحن قرائحنا في الشعر، فمن فاق أخوته كنّا عنده، وبينما هم يتحدّثون أقبلت فتاة حسناء محلاة بالحليّ الثمين والجواهر الغالية تهتزُّ دلالاً و ليس بها من عيب كأنها تبرأت من العلل والنقائص وكانت ترتدي ثلاثة أثواب من الحرير كل واحد أقصر من الآخر فالأعلى (الأول) أبيض، (الأوسط) أسود، (الأسفل) أحمر، فقال أبو النواس: الحمد لله الذي فتح لنا بهذا فليقل كل منا شعرا في ثوبه :
فقال أبو العتاهية في الثوب الأبيض:
تبدّى في ثياب من بياض
بأجفان وألحاظ مراضِ
فقلتُ له: عبرت ولم تسلّم
وإنّي منك بالتسليم راضِ
تبارك من كسا خدّيك ورداً
وقدّك ميل أغصان الرياضِ
فقال نعم كساني الله حسنا
ويخلق ما يشاء بلا اعتراضِ
فثوبي مثل ثغري مثل نحري
بياضٌ في بياضٍ في بياضِ
..
وقال دعبل في الثوب الأسود :
تبدّى في السواد فقلت بدراً
تجلّى في الظلام على العبادِ
فقلتُ له: عبرت ولم تسلّم
وأشمت الحسود مع الأعادي
تبارك من كسا خدّيك ورداً
مدى الأيام دام بلا نفادِ
فقال: نعم كساني الله حُسناً
ويخلق ما يشاء بلا عنادِ
فثوبك مثل شعرك مثل حظّي
سوادٌ في سوادٍ في سواد
..
وقال أبو نواس في الثوب الأحمر شعراَ :
تبدّى في قميص الورد يسعى
عذولي لا يلقب بالحبيب
فقلت من التعجّب كيف هذا
لقد أقبلت في زيٍ عجيب
أحمرة وجنتيك كستك هذا
أم أنت صبغته بدم القلوب
فقال: الشمس أهدت لي قميصاً
قريب اللون من شفق الغروب
فثوبي والمدام ولون خدّي
قريبٌ من قريبٍ من قريب
فلما فرغوا من إنشادهم والجارية تصغي إليهم اقتربت منهم وقالت: السلام عليكم! فردّوا عليها السلام بحفاوة وإجلال، فقالت لهم: لا بدّ من وقوفي على أمركم واطّلاعي على أحوالكم لأعرف من أنتم وكيف انتهى بكم الحال إلى آخر ما سمعت من إنشادكم؟ فاخبروها القصة، فقالت: لقد أجاد صاحبكم وأشارت على “أبي نواس” ..
وهذا إنّ دلَّ على شيء فعلى أهميّة الشعر وتأثير الكلمة وقدرة الشاعر على تلوين وتزيين حياة الناس بالمتعة التي تطرد الملل وتنوّع حياة الناس بالفائدة والأنس معاً، فالشعر وعاء اللغة وزخرفها المبهج واللغة حافظة كلّ شيء.
وإلى الشاعر الذي زيّن الدنيا ومازن الشريف الذي ملأها بما يشغلها بجميل المعنى واللحن والإحساس، نكمل في دراسة فلسفة ليلى كما وردت في قصائده، فليلى قاموس كبير وبحر ممتد عنده وأفق لا يُطال وأرض نسير عليها ونمشي في مناكبها ونتبع سيرتها وأخبار عشقها.
عوالم من الفهم في فلسفة ليلى:
نعم لليلى عوالم من الفهم والغرق بفيوضات الخلق والخالق، نستشفها ويدلّنا عليها مَن استدلّ ودلّه الله، فقدّمَ من تجربته ومن عروض بحوره وقوافي الفهم والرحلة الجميلة لديه في ماء المعرفة وتلقّف الجواهر من الكنه، والدّرر حيث مساحات الوجدان الخضراء ولهيب غربة ووحشة الصحراء والعطش والظمأ واتباع السراب، ثم اللقاء بعيون السماء والسكن والسكينة في دوحة فيها من كل ما تشتهي العين ويحرك البنان ويذوّب عسلاَ اللسان. وهو هذا ما نجده عند الشاعر المخضرم الفيلسوف مازن الشريف.
***
العناوين الواردة في الدراسة:
سنرّكز في دراستنا هذه على قصيدتَين ونستجلي منهما: ليلى النقيّة، ليلى الطمأنينة والسلام في قصيدة “سلّم على ليلى”، وليلى الحزن ولواعج الشوق في قصيدة “غنّيتُ ليلى”.
المعاني المستجلاة من الشعر والقصيدة:
سنجد كيف أظهر الشاعر معاني: الوفاء والبقاء على حبّ المحبوبة ومشاعر الأسى بالغياب والحب العصيّ على النسيان وصدق ليلى المحبوبة ونار الشوق والملتهجة بذكرها، والظمأ لليلى الحاضرة دوماً رغم غيابها واللسان المترنّم بغنائها والحبيب الذي يهزمه الدمع بفراقها وحبها.
نبدأ بليلى النقيّة:
ليلى الطمأنينة والسلام في قصيدة “سلّم على ليلى”
الوفاء وحفظ الودّ: في قصيدة “سلّم على ليلى” يبتدأ مازن الشريف قصيدته بالسلام على ليلى وطمأَنتها وحفظ ودّها وعهودها بالمحبة والشوق والوصال، فيقول بما معناه: أوصلْ السلام إلى ليلى واجعلْ بالها يطمئن، أنّ متيّمها في بعادها قد وفى لها، وأنّ القلب يحفظ ودْها وعهودها، ويشتاق حضنها ويحبّ كثيراً وصالها.
سَلِّمْ عَلَىٰ لَيْلَىٰ وَطَمْئِنْ بَالَهَا
أَنَّ المُتَيَّمَ فِي البِعَادِ وَفَىٰ لَهَا
وَالقَلْبُ يَحْفَظُ وِدَّهَا وَعُهُودَهَا
يَشْتَاقُ حُضْنَهَا كَمْ يُحِبُّ وِصَالَهَا
ثم يسرد في وصف المحبوبة وعرض ملامحها وصفاتها وشكلها: سلّم على ليلى الحبيبة النقيّة كحبّات الندى وقد أزمعت قربي وشدّت الرّحال إليّ من بعد بعادها، و أسكرت قلب متيّمها وأرسلت سهام حبّها خلف فؤاده تطارده وترميه بالهوى.
سَلِّمْ عَلَىٰ لَيْلَىٰ النَّقِيَّةِ كَالنَّدَىٰ
شَدَّتْ إِلَيَّ مِنَ البَعِيدِ رِحَالَهَا
قَدْ أَسْكَرَتْ قَلْبَ المُتَيَّمِ بِالهَوَىٰ
َ إِذْ أَرْسَلَتْ خَلْفَ الفُؤَادِ نِبَالَهَا
البقاء على حب المحبوبة: ثم في الأبيات الأخيرة يتنفّس الشاعر مسترخياً بعد غوص قلب الوصف المغرق في الهوى، صاعداً لسطح الأمان، متداركاً يقول: القلب يغرق بنظرة من المحبوبة، والعين تعشق حسنها وجمالها، والروح تقسم بأن لا تعشق ولا تكون إلا لهذه المحبوبة، على عجز النفس تفسير ذلك. فسلّم على ليلى الجميلة كلما أهدى الغرام للنسيم دلالها.
القَلْبُ يَغْرَقُ فِي الغَرَامِ بِنَظْرَةٍ
وَالعَيْنُ تَعْشَقُ حُسْنَهَا وَجَمَالَهَا
وَالرُّوحُ تُقْسِمُ لَا تَكُونُ لِغَيْرِهَا
وَالنَّفْسُ أَعْجَزُ أَنْ أُفَسِّرَ حَالَهَا
سَلِّمْ عَلَىٰ لَيْلَىٰ الجَمِيلَةِ كُلَّمَا
أَهْدَى الغَرَامُ مَعَ النَّسِيمِ دَلَالَهَا
في هذه القصيدة وجدنا ميثاق الوفاء لليلى البسيطة المحبوبة التي لم تُعرف هويتها إلا أنها حبيبة ككل الحبيبات التي يرسل لها معشوقها السلام ويصف نقاوتها ووفائه لحبّها وحسنها وجمالها ووقوعه أسير سهامها التي غزت الفؤاد. ربما هي المرأة الأنثى العامّة المثلى المختزلة للمعشوقة، والعاشق الذي لن ينساها وسيبقى يحبّها ويطلب ودّها ورضاها ويتمنّى حضنها. يبدو أنها معشوقة من البشر وليست تلك الحضرة الصوفية، وربما هي كذلك من عالم العلوّ والصفاء، يبقى المعنى في قلب الشاعر، لكنّها تليق أن تأخذ كل المعاني.
فالقصيدة التي تذكر الروح والقلب والنفس والفؤاد والسمع والبصر قصيدة شاملة احتملت وحملت كل المقاصد والصفات للإنسان بتكامليّته وتساميه بمشاعره حيث السلام والطمأنينة في الحبّ والروح والمشاعر، ولم تقتصر على الحسّ البصري بل اخترقت حيث الفؤاد المعنوي والروح العليا والنفس الأرضية العاجزة أمام هذا الحب.
هذه ليلى المتجلية الكاملة في عين حبيبها يعرفها في هذا العالم أو يراها في عالمها البعيد وراء قبضان الدنيا وتدنو من عليائها إليه وربما سقطت معه لأجله أو اخترق الحجب إليها وقد تواعدا باللقاء والحب والبقاء معاً.
القصيدة نفحة طمأنينة وسلام تبدو كسرب سلام يعلو في الجو ويلّوح بأجنحته للبشر مهدهداً برفرته تراتيل الخالق بنغمات الجمال ونشر الحب.
ليلى الحزن ولواعج الشوق في قصيدة “غنّيتُ ليلى”
حيث الأسى يقطع كالسيف الحسام ويفلق الرأس بالحزن، وحيث الفؤاد لا ينسى فهو مخمور بالعشق وممتلئ ككأس المدام من الخمر.
هذا العشق يترنّم بالعاشق كلحن العود في المقامات والقدود عن خدود في اصضرام.
واحتراقاً واشتياقاً وانعتاقاً بالهيام.
يَا أَسًى مِثْلَ الْحُسَامِ
فَالِقٍ بِالْحُزْنِ هَامِي
يَا فُؤَادًا لَيْسَ يَنْسَى
عِشْقُهُ كَأْسُ المُدَامِ
لَحْنُ عُودٍ فِي قُدُودٍ
عَنْ خُدُودٍ فِي اضْطِرَامِ
وَاحْتِرَاقًا وَاشْتِيَاقًا
وَانْعِتَاقًا بِالهَيَامِ
ليلى العصيّة على النسيان:
الشاعر لم ينس ليلى غناها في كل يوم وعام وشهر، وكم هتف بأنّ ليلى ضيّعته فصار غريباً وسط الزحام. نادى على ليلى معتذراً للضوء والعتمة بأن تعذر لهفته وهديل الحمام بروحه فهي غصن قلبه، وأن تعذر حزناً غدا مدويّاً صارخاً في دمه. وصوت السيوف المتصلصلة في عظامه، صرخة الطفل الذي حرموه أمه ولم يبلغ سنّ الفطام.
غَنَّيْتُ لَيْلَى كُلَّ يَوْم
كُلَّ شَهْرٍ كُلَّ عَامِ
وَهَتَفْتُ لَيْلَى ضَيَّعَتْنِي
غُرْبَتِي وَسْطَ الزِّحَامِ
نَادَيْتُ يَا لَيْلَى اعْتِذَارًاً
لِلضِّيَاءِ وَلِلْقَتَامِ
اعْذِرِي يَا غُصْنَ قَلْبِي
لَهْفَتِي وَأَسَى الْحَمَامِ
وَدَوِيَّ حُزْنٍ فِي دَمِي
وَصَلِيلَ شَوْقٍ فِي الْعِظَامِ
يَا صَرْخَةَ الطِّفْلِ الَّذِي
حَرَمُوهُ أُمَّهُ فِي الفِطَامِ
صدق ليلى:
يستغرق الشاعر في ليلى فيعبّر عن جمال وجه ليلى وحضنها حيث الليل يهمس لهما بالغرام. ويوصل لنا مشاعر إعجابه بدفئها حين يأتي الصقيع يتغلغل في ثوب الظلام. ويا صدق ليلى الحبيبة في وقت الجميع فيه يكذب، ويا دمعها كالطّلّ يهمي في ابتسامات عاشقها، وعشقها الوردي يعلن عن انهزامه فيه.
يَا وَجْهَ لَيْلَى حُضْنَهَا
وَاللَّيْلُ يَهْمِسُ لِلْغَرَامِ
يَا دِفْأَهَا حِينَ الصَّقِيعُ
يَشِبُّ فِي ثَوْبِ الظَّلَامِ
يَا صِدْقَهَا حِينَ الأَكَاذِيبُ
اسْتَبَدَّتْ بِالكَلَامِ
يَا دَمْعَهَا كَالطَّلِّ يَهْمِي
فِي وُرَيْقَاتِ ابْتِسَامِي
يَا عِشْقَهَا الوَرْدِيَّ يُعْلِنُ
عَنْ بِدَايَاتِ انْهِزَامِي
ليلى ونار الشوق:
أنا إن سقطت فنار ليلى المتأجّجة في أحشائي ترفع رايتي فوق الحطام والركام، فهي الدليل بالحب والشوق وهي شراع المناجاة والنجاة، فطيفها يسير به حلمي ويقودني فنتهادى فوق حطام الأرض في رداء من سحب وغمام.
فهي القبلة من فوق اللثام ومن تحته وهي الموعد والرؤى في اليقظة والوعي والمنام
يَا شَوْقَهَا النَّارِيَّ يَرْفَعُ
رَايَتِي فَوْقَ الرُّكَامِ
يَا طَيْفَهَا يَرْتَادُ حُلْمِي
فِي لِبَاسٍ مِنْ غَمَامِ
يَا قُبْلَةً فَوْقَ اللِّثَامِ
وَقُبْلَةً تَحْتَ اللِّثَامِ
يَا مَوْعِدًا بَيْنَ التَّوَهُّمِ
وَالتَّيَقُّظِ وَالْمَنَامِ
الظمأ لليلى:
فحال العاشق بعد ليلى تقول: آهِ من روح تلتهب ظمآنة ولهانة لرؤية ليلى، وآه منها ومن احتراقي. فبعادها أغرقني وكسّر أجنحة روحي، تركتني يا ليلى في مهاوي الفجيعة والألم والحطام.
يَا مُهْجَةً ظَمْأَى لِلَيْلَى
آهِ مِنْهَا وَمِنْ ضِرَامِي
يَا بَيْنَهَا أَغْرَقْتَ رُوحِي
كَسَرْتَ أَجْنِحَةَ الْحَمَامِ
تَرَكْتَنِي بَيْنَ التَّوَجُّعِ
وَالتَّفَجُّعِ وَالحُطَامِ
ليلى الحاضرة دوماً:
لم تغب ليلى عنّي ناديتها كل حين، كل فجر وكل مغيب، وقد لفحت نار اليأس وجهي تعلن موتي الذي اقترب ببعادها، فمتُّ بشوقها مثل شمع يتآكل ومثل دمع يتساقط من دمع غريب ويختفي بعد سقوطه.
نعم متّ بفجيعة مثل عاشق أججه الغرام واشتعلت به روح الصبابة فصار يرقص ألماً وسط اللهيب.
نَادَيْتُ لَيْلَى كُلَّ فَجْرٍ
كُلَّمَا اعْتَمَلَ المَغِيبْ
مُحْرِقًا بِالْيَأْسِ وَجْهِي
مُعْلِنًا مَوْتِي القَرِيبْ
مُتْ مِثْلَ شَمْعٍ مِثْلَ دَمْعٍ
بَيْنَ أَهْدَابِ الغَرِيبْ
مُتْ مِثْلَ صَبٍّ بَاتَ يَرْقُصُ
وَسْطَ أَمْوَاجِ اللَّهِيبْ
غناء ليلى:
نعم غنّيت ليلى كل لحن بكل حال، بكل لون رأيتها ولوّنتها ولحّنتها، عطَّرتها بحالي وتعطّرت منها بكل أوقاتي وصرخت وناديت وهتفت ولكن لا أحد يردّ ولا أحد يجيب! فقد رحل الذين أحبهم وبقيت لوحدي كغصن في صحراء.
غَنَّيْتُ لَيْلَى كُلَّ لَحْنٍ
كُلَّ لَوْنٍ كُلَّ طِيبْ
غَنَّيْتُ كَمْ نَادَيْتُ لَكِنْ
مَنْ يَرُدُّ وَمَنْ يُجِيبْ
رَحَلَ الَّذِينَ أُحِبُّهُمْ
وَبَقِيتُ غُصْنًا فِي الْكَثِيبْ
الحبيب العاشق للدمع:
آه أيها الحبيب كم تحب الدمع في عيني وكم تهوى النحيب، رفقاً يا حبيب بقلبي فأنت هو قلبي ارفق به يا روحه أنت.
يَا حَبِيبًا كَمْ يُحِبُّ الدَّمْعَ
فِي عَيْنِي وَكَمْ يَهْوَى النَّحِيبْ
رِفْقًا بِهَذَا القَلْبِ يَا قَلْبِي
وَيَا رُوحَ الحَبِيبْ
خاتمة:
لا خاتمة لليلى الآن، فما زال لدينا الكثير من القصص والقصائد في حبّ ليلى واستجلائها المبهر في قصائد شاعر مبهر، أعاد ترتيب نفس وجسد وروح وإحساس ومعاني ليلى في الحب والشعر والحياة، وصاغ لنا فلسفة شعريّة عشقيّة من أجمل الفلسفات، وحرّر ليلى من سجنها ومن قيود الذّات، ورفعها مكاناً عليّا حيث تستحقّ، فالحب ليلى وليلى الحب ستظلّ ممتنّة لكلّ من يحاول أن يقترب منها ويفهما ويقدّمها على دفاتر الليالي والأيام قصيدة عشق لا تنتهي….





