أغنية أخرى و قصيدة في رؤية فلسفية للشاعر مازن الشريف

بواسطة رجاء شعبان
2 مايو، 2026

دع ذكر ليلى فليلى تخلّت

           وأبقتك بين الرَّدى والخطر

استوقفني هذا البيت من الشعر من قصيدة اسمها: أغنية أخرى، مُدرجَة كأول قصيدة  في  ديوان: مجانين ليلى، وصار البيت يتردّد على لساني أكثر من غيره من أبيات القصيدة الطويلة والجميلة والممتلئة صور جميلة ونداءات شجية وناعمة، تطرب الأذن ويسرح البال فيها ومعها باعتبار أنّ القصيدة نُشرت مغنّاة  بلحن مؤثّر ومستساغ، وقد يكون موضوع التركيز على بيت من الشعر أكثر من غيره يلامس فكرة تشغلنا أو سؤال يحيّرنا، أو تجربة مررنا بها! فهل ليلى تتخلّى؟ وهل علينا حين تتخلّى أن نجري وراءها، نعرف منها ماذا بدر منّا ولماذا ستتخلّى؟ 
فَدع ذكر ليلى فليلى تخلّت
وأبقتك بين الرّدى والخطر
أياً كانت الفكرة، فهي جميلة تلتصق بقلب كل إنسان واجَهَتْهُ لحظة ضعف أو فكرة ضباب، فحين تتكاثف الغيوم حولك ماعليك إلا تركها واستجلاء نفسك بعيداً عنها.
لكن السؤال المهمّ والفكرة المثيرة التي طرحها البيت: هل ليلى تتخلّى؟ ومن هي ليلى؟ هل هي الحبيبة أم أبعد من ذلك، هل محكومون كوننا بشراً أم هناك قدرة عليا تسمى ليلى هي من تخطّط لنا ذلك ممّا يحصل معنا؟ وهل أحياناً تكون ليلى العليا هي ذاتها ليلى البشرية التي نعاني ما نعاني بسببها ولأجلها؟ متى تتّفقان معاً ضدك أيها الإنسان العاشق؟ وهل ليلى مذنبة حقّاً أم أنّ رحمتها تتطلّب بعض القسوة التي تبدو تخلّياً وغدر، وهي مجرّد تخطيط وتكتيك آخر لحياتك لأجل حمايتك وعدم دفعك إلى الانزلاق؟
تقول بثينة بنت حبا بن ثعلبة العذرية وهي شاعرة اشتهرت بأخبارها مع جميل بن معمّر المعروف بجميل بثينة وهو من قومها، وتوفي قبلها فرثته ولم تعش بعده طويلاً:
توعَّدني قومي بقتلي وقتله
فقلت: اقتلوني وأخرجوه من الذّنب
ولا تتبعوه بعد قتلي أذيّة
كفى بالذي يلقاه من شدّة الحب
هذه مثال ليلى وبثينة وسلمى وجهينة وسعاد وقد تعدّدت الأسماء والجوهر واحد، حال الذي يفكّر بغيره قبل حاله، ويهمّه سلامة محبوبه وعاشقه أكثر من سعادته وجنّة القرب معه، إنّها التضحية وعشق الآخر وتفضيله على النفس.
فمن منّا لا يحبّ العيش في سكن ليلى والتنعّم بقرب المحبوبة حيث الجنّة الأبديّة التي ليست بعدها جنّة وأمنيات؟ ولكن هذا لن يحصل إلا بعد مسيرة غامرة بالتعب والتجارب وعيش صراعات الحياة لنسكن في النهاية روح ليلى العظيمة وتسكننا بالطمأنينة والمحبة والجمال.

أَبنتَ التمنّي تخلّيتِ عنّي
وأنت المعاني وأحلى الصور

فيا عزيزي الإنسان ليلى لن تتخلّى إن كانت حبيبتك حقّاً سماويّة أم أرضية، ربّما هي تضحّي بنفسها لأجل سلامتك، فسلامتك أهمّ عندها من حياتها، أو العيش بسلام ومأوى في كنفك، سلامتك أهم أيها العاشق هذا ما تقوله ليلى، ولكن أنّى لعاشق أن يفهم ذلك ولا يعنيه إلا أن يبقى ينظر بعيني محبوبته ويتّكئ على زندها وليفن كلّ شيء بعدها؟ لكن هل الحياة هكذا فقط؟ لا ليست، بالتأكيد! لو شاء الله لآدم ما أسقطه من جنّته وهجره من حضن حبيبته، فالقضية لا أعتقد مجرّد وسوسة شيطان وسوء نيّة من أحد، بل خوض معارف شتّى وسعي طويل في أركان أرض كانت تنتظر آدم ليعيش فيها ويبني الكثير من الأحداث ويعمّر هذا الكوكب المشتاق للضجيج والحياة، ولو سقط آدم مع حبيبته بذات المكان كانا استكانا للعشق وما فكّرا بالحاجة للتحرّك والسعي، فما الذي سيدع مخلوق يشعر بالنشوة والفرح يبحث عن شيء؟ لذلك كان القدر التفريق، لأجل التحفيز والبحث والإعمار بعد التوبة الفعليّة أمام ربّ عظيم امتحنهما وأرادهما خليفة له على الأرض يبنيانها، واستشعارهما بأهميّة التحرّك لأجل معرفة جلالة قدرة وعظمة الله ثم مكافأة اللقاء.
هي هذه وجهة نظر تأمّلية عاطفيّة تشفع للشاعر كل هواجسه وتساؤلاته وتغفر له إظهار مكامن عشقه ولو بالشّكّ بأعظم وأحبّ ما لديه.
تركتني للصمت والموت وحدي
بوادٍ يزاور عنه البشر
فإن كانت ليلى الرحمانية المتجسدة بيد القدر الخفيّة التي تُسيّر الكائن حسبما أرادت هي بعدما اختارته لنفسها حبيباً جميلاً تسعى به مكتملاً أم كانت حبيبة بشريّة بدت لوهلة أن العروض جاءتها بأجمل وأغنى وأثرى من حبيبها، فليلى لن تتخلّى إلا تحت تأثير الضغط ولأجل الحماية، والعاشق الذي يغرق بِحبّ ليلى قد يعلم ذلك وقد لا يعلم لكنّه بكل حال سيصرخ ويتوجّع ويعترض ولو بالكلام البريء الذي يبدو كدموع طفل تساقطت وقد أخذوا منه لعبته.
لكن الطفل سينام قليلاً ويصحو وينسى اللعبة لأنه هناك أجمل منها وأحداث الوقت تدحضها وتأتي بالبديل عنها.
هي مجرّد صرخات إنسان على الأرض وبراءة شاعر وحساسيّة مَن امتلك كل مجسّات الإحساس بوجدانه وكيانه فحمل ثقلاً أعظم منه، ولكنّها المسيرة! إنها القدرة الحقيقيّة التي ستصنع من هذا الطفل البريء رجلاً ناضجاً مليئاً بالحبّ الأعظم، وقد جرّب وقوي عوده وأتى لحبيبته بما هو أجمل وأعظم مما كان في الجنّة، سيأتي لها بها وقد كبرت ونضجت وانتظرته على أحرّ من شوق المعرفة وانتظار اللذيذ من الطيب من اللقاء.
سيأتي آدم لحوّائه بأسرار العشق المخلّد ذو النكهة الأرضيّة وقد مزجها بشوق السماء.

النبي محمد عليه الصّلاة والسلام الموصول بالوحي حين قطعه فترة وبدأت الأحاديث من هنا وهناك تقول بأنّ الله قلى محمد وتخلّى عنه، محمد رسول الله الذي جاء بقرآن الله هل يقليه ربّه؟ لا! لقد نزلت السورة لتؤكّد بأنّ ليلى العليا لا تترك أحباءها فكيف من كانوا لها وأرسلتهم باسمها؟ ما ودّعك ربّك وما قلى يا محمّد وستنزل سورة تبلّل غليل صدر النبي محمد وتعلمه أنّ ليلاه تحبّه ومحال أن تقليه وتنبذه أو تعمل ضدّه وهي له وهو لها ينطق بلسانها ويوصل صوتها:

بسم الله الرحمن الرحيم

وَٱلضُّحَىٰ (1) وَٱلَّيۡلِ إِذَا سَجَىٰ (2) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ (3) وَلَلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لَّكَ مِنَ ٱلۡأُولَىٰ (4) وَلَسَوۡفَ يُعۡطِيكَ رَبُّكَ فَتَرۡضَىٰٓ (5) أَلَمۡ يَجِدۡكَ يَتِيمٗا فَـَٔاوَىٰ (6) وَوَجَدَكَ ضَآلّٗا فَهَدَىٰ (7) وَوَجَدَكَ عَآئِلٗا فَأَغۡنَىٰ (8) فَأَمَّا ٱلۡيَتِيمَ فَلَا تَقۡهَرۡ (9) وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ فَلَا تَنۡهَرۡ (10) وَأَمَّا بِنِعۡمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثۡ (11)


سنذهب مع الشاعر مازن الشريف حيث ذهب من وجع الإحساس بالتخلّي، ثم ليجيبه وحي الشعر على هيئة حضرة قصيدة تحاوره ويتحاور فيها:
لماذا تخلّيتِ يا عشق روحي
تركتني ليلاً يُميت القمر
لتجيبه بلسان حاله الشعري وقد تفطّن للفكرة وأعطى الأوجاع حقّها من العتب والتساؤل، بأنّه سينهض منعتقاً من حاله، منتصراً لذاته، ولجميلته:
سأغمض عينيَّ كي ما أراك
وألثمُ خدّاً نقيَ الدُّرر
وأعلنُ للريح ميعادَ بعثي
وأقسم أنّي غداً أنتصر
فمن لم يغامر ويجرّب ويدفع ثمن تعلّمه لن يحصل على الاستحقاق العظيم بالحصول:
فمن لم يعانقْه شوق الحياة
تبخّر في جوّها واندثر

الوجهة الظاهرية الفلسفيّة للقصيدة:

يراودني الموت همّاً وشرّ
ويغتالني الليل همّاً أشر
ويجتاحني الشوق غيضاً وفيضا
فأبكي الحبيب الذي قد غدر
أمن أجل ليلى تُراق الدماء
وليلى الزمان الذي قد غبر
أفي حبّ ليلى تهون الحياة
وتهوي القلاع ويُمحى الأثر
وتعلو على جرحك الأمنيات
ويحلو البكاء وتُتلى السّور
فَدع ذكر ليلى فليلى تخلّت
وأبقتك بين الرّدى والخطر

أليلى وأنت التولّه فيَّ
فديتك بالرّوح قبل السّفر
دعيني أودّعْ بنتَ القصيدِ
وأختَ الوريد الذي يستعر
دعيني ليغسلَ كفّيك دمعي
ويُخمدَ في مقلتيك الشّرر
فكفّاك عمري وعيناك خمري
وبُعدك موتي الذي أنتظر
أَبنتَ التمنّي تخلّيتِ عنّي
وأنت المعاني وأحلى الصور
تركتني للصمت والموت وحدي
بوادٍ يزاور عنه البشر
وأنكرتِ نقشاً من الصبر دهرا
وفي مقلتيك انتفى واندثر
وحطّمتِ حلماً جميلَ الكِيان
يراوده الوعد والمنتظر
لماذا تخلّيتِ يا عشق روحي
تركتني ليلاً يُميت القمر
ويخنق ألحاني المرهفات
ويكسر شوق الهوى للوتر
وقطّعتِ أوصال روحٍ تهيم
وأحرقتِ ما أنبتت من ثمر
لماذا انتظرتك دمعاً وشمعا
وسمعي يصيخ لمرّ الفِكَر
تمرّين في الفكر لمحاً وطيفا
وتأتين في الخاطر المنكسِر
سأغفر ذنب الجراح ولكن
هل الغدر يا مهجتي يُغتَفر
لماذا انتظرتك دمعاَ وشمعاً
وسمعاً يُصيخ لِمرّ الفِكَر
تقول الخلاصة أنّي انتهيت
وتحكي النهاية ما يُختصر
فقد كان يسقي هوى مقلتَيها
ومنذ التقاها احتواه السهر
ولكنّه الآن خلف التلال
وفي مقلَتيه الهوى يحتضر
سأغمض عينيَّ كي ما أراك
وألثمُ خدّاً نقيَ الدُّرر
وأعلنُ للريح ميعادَ بعثي
وأقسم أنّي غداً أنتصر
فما بعد موتٍ انبعاث الحياة
وما بعد دمعٍ ابتسام المطر
سأحملُ للغاب رَجْعَ اغترابي
ونهرَ الغياب الغزير العِبر
وأقرأ للقلب شعراً جميلاً
ليضرب بالصبر كُفر الحجر
فمن لم يعانقْه شوق الحياة
تبخّر في جوّها واندثر

حين يراود الموت الحبيب بالغمّ والشّرّ، ويغتاله الليل بالهمّ الحقود، ويجتاجه الشّوق قليلاً وكثيراً، حينها يفتقد حبيبه ويبكيه، واصلاً به الحال ليستشعره أنّه حبيب غادر! فهل من أجل هذا الحبيب يعاني ما يعاني؟ وهل من أجل ليلى تُستباح الأنفس وتُراق الدماء، وهي ليست إلا زمان مضى عبرَ وغبر، ولّى فما لسبيل أن نبكي عليه؟ ثم ليلتقط أنفاسه الشاعر وقد تذكّر أن ليلى ما هي إلا مرآة حياته المنجلية والمتجلّية، وعليه أن يتابع رحلة الحياة بكل وعي ومسؤولية فيعلم أنّ ليلى هي استحقاق الحياة وعليه أن يواجهها ليحصل عليه.
فيتساءل هل في حبّ ليلى تهون الحياة، وتسقط القلاع ويمحى أثر الحضارة والوجود؟ فلأجلها تنمو الأمنيات رغم الجراح وعليها، ولأجل عينيها يحلو البكاء وتترتّل السور؟ ثم ما يلبث الشاعر أن يتخبّط بين أمواج نفسه وتغلبه إرادة النجاة والبقاء بعيداً عن ذاته التي تغرق، فلكي ينقذ نفسه عليه أن يتحدّى الضعف والفشل وليلى قد تغدو نصيب وافر ولكن ليس لك، أو ماض جميل أُبعِدَ عنك وعليك ان تتخطّاه لتعيش المستقبل، فيقول: اترك ذكر ليلى التي عنك تخّلت وتركتك بين المهاوي والموت تعاني الخطر.
ثم ما يلبث الشاعر أن يلملم أشتات روحه ويتذكّر ليلى بأنّها حبيبته التي ما قال فيها من قوله إلا عتباَ وحبّاً بإحساسه بشعور الهجر والتخلي! لكنّها هي الحاضر الذي ترك الماضي لأجله وهي الأمنيات الذي عليه أن يتجاوزها فترةً ليترجمها عمراً ودهراً، وهنا مشاعر الإنسان الممتزجة ببعضها، حين يمرّ بالضعف والخطر فيعتقد أنّ كل شيء تخلّى عنه بمن فيهم الحبيب! ويتسرّع بالحكم فيعجل ويظلم حبيبته بقسوة ظنونه.

بسم الله الرحمن الرحيم
(إنّ الإنسان خلق هلوعا (19) إذا مسّه الشّرّ جزوعا(20) وإذا مسّه الخير منوعا (21) إلا المصلّين (22) الذين هم على صلاتهم دائمون (23) المعارج
( خُلق الإنسان من عجَل) (37) الأنبياء


وهنا ليلى ليست إلا الروح الرشيدة التي ستهدي صاحبها وتلتقيه وتحضنه بعد غياب وقد شعر أنّها تخلّت عنه وإذ بها تنتظره على الضفّة الأخرى للروح. ليلى هي روح القصيدة و الوجد والدفء الذي يجب ألا يزول فيشعر الإنسان بالموت الحقيقي والخطر، ليلى هي الاطمئنان بقرب الخالق وذكره {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}. آية قرآنية عظيمة من سورة الرعد (الآية 28)

أبعاد القصيدة:
يراودني الموت همّاً وشرّ
ويغتالني الليل همّاً أشر
ويجتاحني الشوق غيظاً وفيضا
فأبكي الحبيب الذي قد غدر
أمن أجل ليلى تُراق الدماء
وليلى الزمان الذي قد غبر
أفي حبّ ليلى تهون الحياة
وتهوي القلاع ويُمحى الأثر
وتعلو على جرحك الأمنيات
ويحلو البكاء وتُتلى السّور
فَدع ذكر ليلى فليلى تخلّت
وأبقتك بين الرّدى والخطر

خطاب الوجد واستشفاف البعد:
يا ليلى أنت روح العشق والتولّه بداخلي، فديتك بروحي قبل سفري عنك ومغادرتك، سأودّع معك بيت قصيدتي، وأقطع عندك وريدي الذي يستعر بالعشق، فاتركيني أبكيك في وداعك وبكفّيك تغسلين دموعي عسى الشّرر المتّقد منك ينطفئ إذ رأت عيناك ذلك، وماعمري إلا كفّاك وما خمري الذي ينسيني إلا عيناك، وموتي الذي أنتظره ليريحيني هو في بعدي عنك.
وجدنا في هذه الأبيات نداء العشق الممزوج بالحزن والحيرة والارتباك والاعتراف الجميل بجمال وجميل ليلى المحبوبة، فالشاعر هنا استشّف رحيل ليلى عنه أو رحيله المجبر عنها، فأودع رسالته الشجيّة الملأى بالخوف من الفقدان بعد الرحيل.

خطاب العتب والتذكير بقيمة حبّها:
كيف تتخلّين عنّي يا ليلى وأنت بنت الأمنيات وأنت المعنى البهيّ بي وكلّ الصور الجميلة لديّ.
وكيف تتركيني للموت وحدي أموت بصمت بمكان لا يراه ولا يصله إنسان؟
وكيف تنسين نقش الحب بقلبي لك، وقد صبرت دهراً عليه وانتهى واندثر كأنه لم يكن بعينيك؟!
وكيف تحطّمين حلمي ووعدي بأن ألتقيك بعد انتظار؟
فاتركيني أودّع فيك كتابة الشعر والقصائد، وخفقان النبض بشرياني، والوريد الذي يتوقّد ويستعر بلهيب الحب. ألم تعلمي بعد يا ليلى أنّ كفّاك عمري وأنّ عيناك خمري الذي يسكرني عن عذابات الدنيا فأنتشي بهما عن نوائب دهري، وأنّ في بعدك موتي الحتمي الذي أنتظره؟
هنا الشاعر يبكي تاريخ صبره وأمنياته بليلى، محاولاً تذكيرها بقيمة حبّه لها، وما كان لأجلها، مستنكراً مستغرباً ومستهجناً رحلة هجرها:
أليلى وأنت التولّه فيَّ
فديتك بالرّوح قبل السّفر
دعيني أودّعْ بنتَ القصيدِ
وأختَ الوريد الذي يستعر
دعيني ليغسلَ كفّيك دمعي
ويُخمدَ في مقلتيك الشّرر
فكفّاك عمري وعيناك خمري
وبُعدك موتي الذي أنتظر
أَبنتَ التمنّي تخلّيتِ عنّي
وأنت المعاني وأحلى الصور
تركتني للصمت والموت وحدي
بوادٍ يزاور عنه البشر
وأنكرتِ نقشاً من الصبر دهرا
وفي مقلتيك انتفى واندثر
وحطّمتِ حلماً جميلَ الكِيان
يراوده الوعد والمنتظر

إحساس التخلّي وخطاب الإدانة المبطَّنة بالحبّ:
لماذا تخلّيت يا عشق روحي وتركيني كليل لا يأبه للقمر بل يبتلعه، ويخنق كل لحن حب مرهف كاسراً شوقاً يطرب وتر القلب بأجمل الأغاني والألحان؟
لماذا تخلّيتِ يا عشق روحي
تركتني ليلاً يُميت القمر
ويخنق ألحاني المرهفات
ويكسر شوق الهوى للوتر

إحساس الغدر والغفران:
لو تعلمين مافعلت يا ليلى: مزّقتِ قطع روحي التي تهيم واحرقت ما أينع بي من ثمر الروح والوجدان.
كيف انتظرتك على عمر الشمع والدمع أذرف وأذوب ويؤلمني ما أسمع من عتب وفكر مرير يمرّ ويحيط بي أضطر أسمعه على مضض. وأنت تمرّين في الخاطراً لمحاً وطيفاً وتعبرين في وجداني المنكسر.
سأغفر ذنب من تسبب بالهجر والجراح ولكن هل ذنب الغدر يا مهجتي أقدر أن أغفره؟
وقطّعتِ أوصال روحٍ تهيم
وأحرقتِ ما أنبتت من ثمر
لماذا انتظرتك دمعاً وشمعا
وسمعي يصيخ لمرّ الفِكَر
تمرّين في الفكر لمحاً وطيفا
وتأتين في الخاطر المنكسِر
سأغفر ذنب الجراح ولكن
هل الغدر يا مهجتي يُغتَفر

خطاب الانتظار على وقع الشعور بالنهاية:
لماذا انتظرتك على وقع الدمع وتساقط الشمع وإنصات السمع لمرّ الخواطر والأفكار؟
فالخلاصة تحكي بأنّي انتهيت، والنهاية تختصر كلّ شيء من الخسران.
فهذا العاشق كان يسقي الهوى في عيون الحبيبة بعد أن زرعه، ومنذ التقاها غدا بكنف السهر يحتويه، ولكنه الآن خلف التلال البعيدة يموت الهوى في عينَيه. هذا الذي زرع الهوى بمقلتي ليلى يموت الهوى في مقلتَيه وا لمفارقة الحياة. أي حال أوصله هجر الحبيب؟
لماذا انتظرتك دمعاَ وشمعاً
وسمعاً يُصيخ لِمرّ الفِكَر
تقول الخلاصة أنّي انتهيت
وتحكي النهاية ما يُختصر
فقد كان يسقي هوى مقلتَيها
ومنذ التقاها احتواه السهر
ولكنّه الآن خلف التلال
وفي مقلَتيه الهوى يحتضر

خطاب الاستسلام والصحو والتأجيل الإيجابي والثورة:
سأغمض عيني كي لا أراك أبداً و ألثم خدّاً نقياً كالجواهر الصافية، وأودعها ليوم ميقات فأعلن لريح القدر أني سأُبعث يوماً لأعلن النصر، فما بعد الموت إلا انبعاث الحياة وما بعد دمع الأرض إلا ابتسام المطر عليها فتحيا وتشرق من جديد:

سأغمض عينيَّ كي ما أراك
وألثمُ خدّاً نقيَ الدُّرر
وأعلنُ للريح ميعادَ بعثي
وأقسم أنّي غداً أنتصر
فما بعد موتٍ انبعاث الحياة
وما بعد دمعٍ ابتسام المطر

خطاب الأمل وعودة الحياة:
سأحمل للغابات عودتي ونهاية غربتي، ومعي كتاب نهر غيابي وقد ملأته بالتجارب والعبر والآيات. وأقرأ الشعر الجميل للقلب معلناً الإيمان علي كفر الاحجار الصماء. فمن لم يعانقه شوق الحياة ويترك الأثر انتهى كالبخار في جوّها:
سأحملُ للغاب رَجْعَ اغترابي
ونهرَ الغياب الغزير العِبر
وأقرأ للقلب شعراً جميلاً
ليضرب بالصبر كُفر الحجر
فمن لم يعانقْه شوق الحياة
تبخّر في جوّها واندثر

هي هكذا لو جاءت القصيدة كرسالة ولوحة مكتملة العناصر من الشعر حيث الوجد والوجع والمعاتبة وذكر مناقب الحب لدى العاشق والأسى والحزن من الفراق ثم العودة للانتفاضة مع الذات وتمجيد الممجّد والإتيان بالموعد حيث النصر ورجع الأغنيات وحيث القصائد المرتدّة في الغابة ورجع الصدى لكل ما فات.
إنها ملحمة شعرية وشعورية وفكرية ووجودية ونبوءة تاريخية مستقبليّة ماضية في الزمن، عظيمة.
هكذا عوّدنا مازن الشريف، استثارة المشاعر وتواتر الأسئلة والإجابة عليها واستعراضها بكل حلل الجمال ونبض الشعر المتدفّق عذوبة من حبر ألم المواجع، لتنهض الفكرة منتصرة تفاؤلياً وإلهياً رغم درب المأساة الطويل القاسي للبشر وللشاعر.
وهذا هو الشعر بعميق فكره وروح فلسفته وجواهر صورته الإبداعية بتهذيب الحوار وتعميق الخطاب وشدّة تأثيره، إذا غلب الحب والعتب، وكما يقال: على المحبة العتب كبير!
لينتهي هذا العتب بالرضا وتنتصر المحبة بانتصار الحياة على أوجاعها.

اقتباسات واضحة ومميزة في القصيدة:

اقتباس قرآني:

تركتني للصمت والموت وحدي
بوادٍ يزاور عنه البشر

مازن الشريف اقتبس صورة رائعة من القرآن (بوادٍ يزاور عنه البشر)، الصورة مستقاة من حال النبي ابراهيم عليه السلام حين طلب منه ربه أن يأخذ زوجته وابنه لأرض ليس فيها نبات ولا بشر ويضعهما هناك.
(سورة ابراهيم): رَّبَّنَآ إِنِّيٓ أَسۡكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيۡرِ ذِي زَرۡعٍ عِندَ بَيۡتِكَ ٱلۡمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱجۡعَلۡ أَفۡـِٔدَةٗ مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهۡوِيٓ إِلَيۡهِمۡ وَٱرۡزُقۡهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَشۡكُرُونَ (37)
ابراهيم ابراهيم عليه السلام نادى هذا النداء مجيباً طائعاً لأمر الحضرة، محترقاً قلبه لزوجته وولده، لكنّه عمل ما بإمكانه عمله من دعاء (اجعل أفئدةً من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلّهم يشكرون) ولن يخيّب الله من أطاعه وأقام أمره. وقد علمنا ما الكرامات التي جعلها الله بذاك الوادي ولمن دعا لهما النبي ابراهيم عليهم السلام أجمعين. هكذا هي ليلى الحضرة ليلى ابراهيم النبي وليلى مازن الشريف لن تخيّب مَن سعى إليها واتخذته ربيباً لها، لا تقسو عليه إلا لتحنو، ولا تمنع إلا لتعطي. وقد ربّته على عينيها بكل ما يبدو من قسوة الظاهر الذي ليس إلا كنف حماية وأمان. فسبحان الله والسلام على ليلى وأحبّاء ليلى المخلصين.

اقتباس شعري:
فمن لم يعانقْه شوق الحياة
تبخّر في جوّها واندثر
هذه البيت الشعري مقتبس من قصيدة رائعة ومشهورة لأبي القاسم الشّابي والتي مطلعها:
إذا الشعب يوماً أراد الحياة
فلا بدّ أن يستجيب القدر
إضافة إلى مصطلحات واردة بالقرآن مثل : البعث أو والانبعاث
فما بعد موتٍ انبعاث الحياة
وما بعد دمعٍ ابتسام المطر
وجدنا في هذه القصيدة بشأن قضية التأثّر الفكري أنّ الشاعر مازن الشريف تأثّر بالقرآن وبالشاعر أبي القاسم الشابي بموضوع الإرادة والأمل والانبعاث، ولا يخفى عمق وأهمية هذا التأثر، فالقرآن مصدر البلاغة والتمكين والفكرة السليمة وأبو القاسم الشابي رمز للرقّة والإرادة الإنسانية اللطيفة الممزوجة بالعزم والإصرار.
وهكذا هي قصيدة وليلى مازن الشريف لن نتأوّل كثيراً بها وحولها، ليبقى بعض معنى خاص بقلب الشاعر، لكنّنا استشفينا جوانب جَمّة وجميلة وتمتّعت أفئدتنا بقصيدة ملحمة، لنتعلّم أنّ الحياة ليست بهذه البساطة، ولا تأتينا ليلى هكذا من دون دفع حساب باهظ، فليلى غالية وتستحق، هي الحنونة التي ستحتوينا وتطوينا في قلب الرحمة والسعادة والأمان، في حضن جنّتها وقربها بعد مشوار عذابنا، ورحلة صبرنا الطويل.

جدوى القصيدة:
القصيدة قيمة جمالية ملحميّة الوجدان والشعور، جاءت بأسلوب الحوار والعتب مع الذات والآخر ظهر في بنية اللغة المهذّبة والعبارات الجزلة والرقيقة الشجيّة والعتب الصريح والحيرة المبطّنة ثم الاستجلاء في الفكرة والحكمة البالغة والروح العنيدة الشامخة، ضمن سياق الأدب في التعامل مع الذات والحضرة حيث صراعات الزمن والنفس والقدر التي تتجسّدها ليلى ويعيشها عاشقها، وحيث الكتابة والشعر متنفّسان رائعان وشفاء من داء سقيم، فلا كره لليلى ولا فهم خاطئ لها، بل هي الحبيبة معرض الصور اللحنيّة وآهات الروح النبيلة وعودة الأمل المشرق والتأكيد على عزم الإرادة وبهاء الحب، وزراعته في تربة العتب وسقايته من ماء الاتهام ليتفتح زهر الأجوبة اليقينيّة الدافئة والصافية، المنتشية بروح الخالق.
فالشعر ماهو إلا رسائل مختزلة منمّقة مهذبة الحوار والأسلوب.

منشورات ذات صلة

القصيدة الكربلائية – (في رحاب جرح الحسين)

مواضيع البحث:– مقدمة (من كتاب التأملات العرفانيّة) – دعبل الخزاعي والإمام الرضا… شاهد المزيد

بواسطة رجاء شعبان
28 يونيو، 2026
“عشربن عام” ملحمة الانتظار الخالدة في الغناء

العناوين الرئيسيّة في الموضوع:-مقدّمة: عشرين عام الأغنية المعروفة لسعدون جابر وقصيدة عشرين… شاهد المزيد

بواسطة رجاء شعبان
20 مايو، 2026
ليلى في قصائد الشاعر مازن الشريف

***ماذا أقول وماذا الحرفُ يُخبرها تلك التي سحرتْ مَن رامَ يسحُرُها ذا… شاهد المزيد

بواسطة رجاء شعبان
13 مايو، 2026
  ليلى الشعر بين قيس بن الملوّح ومازن الشريف في قصائد العشق

أنا العشّاق يا ليلى.. وفيّ العشقُ يختصرُ (مازن الشريف) ليلى! من هي… شاهد المزيد

بواسطة رجاء شعبان
22 أبريل، 2026
سعادة الوعي وفن العرفان عند الدكتور الراحل أسعد علي والدكتور مازن الشريف

" من المؤمنين رجالٌ صدقوا ماعاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه… شاهد المزيد

بواسطة رجاء شعبان
10 فبراير، 2026
الذكرى 47 لميلاد المعلم الدكتور مازن الشريف

بمناسبة ذكرى ميلاد المعلم الدكتور مازن الشريف /47 سنة/ نقدم لكم صحيفة… شاهد المزيد

26 يناير، 2026