ليلى الشعر بين قيس بن الملوّح ومازن الشريف في قصائد العشق

بواسطة رجاء شعبان
22 أبريل، 2026

أنا العشّاق يا ليلى.. وفيّ العشقُ يختصرُ
(مازن الشريف)

ليلى! من هي ليلى؟ امرأة أم رمز؟ شيء قريب ملموس أم بعيد لا يطال كطيف؟! ليلى هل هي منّا وفينا عاشت معنا بواقعنا وعرفت ظروفنا أم حلم نهرع إليه بعد كل خيبة ويأس من الواقع؟ هل هي حضن الحنان أم مدى الشوق المرير؟!
من هي ليلى التي استُبهِمَت أكثر من اسمها؟ هل هي حبيبة العشاق، أم أمر الحضرة التي تتحكّم بهم وتغيّر دفّة الأقدار لتقتلع الإنسان من روحه وترمي فيه بروحٍ تتمزق فيمتزّق معها؟ ولماذا كلّ هذا؟ وهل يعرف الدهر معنى العذاب بليلى وما يصير إليه؟ هل بطبع الإنسان الغدر والغفلة والنسيان فَيُريه الله ذلك فيه في ليلاه؟ وهل من طبعه التوبة فتعود إليه ليلى في توبته وقد فهمها جيّداً بأنّها ليست سبب الغدر والتخلّي والرحيل؟
من هي ليلى أيّها الشعراء الذين همتم فيها واتهمتموها مرةً بالغدر ومرّة بالعشق، وأحلتم إليها سوء المصير وقد تحيدتموها، وما هي ليلى إلا مأواكم حيث تصلون، فإن عدتم عادت إليكم وإن أضعتموها ضاعت منكم وإن حفظتكم رحلتها سافرت معكم وحرستكم بل وسبقتكم للانتظار الجميل.
أيّاً كانت ليلى، هي الروح الصافية التي هام بها قيس ولم يجد بديلاً عنها ما يسلوه، وهي نشأت مع صدقه وشعره تلك الشاعرة الحسّاسة المُحبِّة العاشقة التي حُرمت من عاشقها بغير ذنب إلا العشق! فجنّ قيس وسقطت هي في مهاوي الألم تنتزع الروح منها انتزاعاً وتحتضر ريثما تُرفع إلى بارئها وتتحوّل روحاً هائمة تهيم بصاحبها وتسقط لتعلو في المدى شهيدة الحب المكسور في الأرض.

في عشق ليلى…

ليلى وليلى وليلى وقيس وجميل وبثينة وعروة وعفراء وجميل ولبنى وقصص سمعنا بها وأخرى طواها العشق وسطَّرتْها الأيّام في مخفيّات الليالي والقلوب.
ليلى وهذا الإسم الجميل المرادف لليل والمجتزء منه كعاشق يحتضن حبيبته! فالليل العشق وليلى المعشوقة، وبينهما الشعر والوجد ورسائل العشق والهيام، وأناشيد التولّه والغرام.

لليلى قصص وحكايات وخاصّة في الشّعر العربي والتراث التاريخي العابق بنسيم الصحراء والنخل الذي شهد همسات العشاق وواحات الصحراء ورمالها التي امتدّت على حكايا حبّهم وأغنياتهم فنبعت الأرض من دموعهم ولولاهم ما كان للتاريخ طعم ولا للحياة قيمة وسط الصراعات وشقاء الإنسان في شظف العيش وأنّات الحياة.

في هذا الموضوع سنتطرّق بحبّ وشغف يليق بالمضمون إلى أجمل قصّة وقضية، قضية العشق الأسطوري الذي تحوّل رمزاً وأخذ أبعاداً شتّي، فمن ليلى واحدة كبرت ونمت آلاف الليلات عبر العصور وليلى الحبيبة التي تسكن مهجة القلب وحنين الروح ستكون موضوع لوعتنا لنكشف لوعتها مع معشوقها وحبيبها قيس الذي لاح ولوّح بِحبّها وأشاع خبرها وهام بطلّتها وأسكرته مقلتها فلم يصطد الغزلان لأجلها، وطاف شعراً يروي لنا من رحلات هيمانه ويهمس من نجواه ما يطفئ لهيب قلوبنا ويؤنس لوعة اشتياقنا، وقيس هذا لم يقتصر على قيس بن الملوّح ولا قيس بن ذرّيح ولا امرؤ القيس ولا كل اسم حمل هذا الاسم بمعناه العشقي بل قيس امتدّ إلينا وعهدت أنّاته أن تبقى وليلاه أن تحيا ويحييان معاً معنا وقد شتّتهما الدهر ليلتقيا عندنا هنا في سطور وأشعار حملت من روح قيس روحاً أعظم وأجلى، وخاطبت ليلاه الأحلى، لكنهما بالحقيقة واحد تفرّعا وجَرَيَا من ينبوع العشق الأبدي، جاءا للدنيا يرويان أرضها صحائف من عشق ويُبتانها أوراقاً من تبر المشاعر التي لا تفنى، بل تتجدّد في روعة المعنى متخطيّة الزمان إلى الأغلى والأغلى.
فتعال معنا يا قيس واجلسي هنا يا ليلى لنتجاذب أطراف الودّ والشعر واللقاء الجميل في مجلس الشعر العربي الفاخر حيث مائدة جود الشعر العربي الشريف، الأصيل المتاصّل، الأبي العاشق المستهام، معشوقكما الأصل وحبيبكما الحَكَم، آهاتكما وروعة حضوركما الشاعر: مازن الشريف.

يقول مازن الشريف في قصيدته على ضفّة الإسم مخاطباً قيس:

على ضفّة الإسم حين التقينا
رأيتك يا قيسُ صبّاً حزينا
فقلتُ الجنون بليلى قديمٌ
وقد جُنَّ مجنونُ ليلى يقينا

كيف رأى الشاعر مازن الشريف قيساً؟

مازن الشريف رأى قيساً مجنون ليلى حزيناً حين التقاه على ضفّة الشعر، ليقول للمجنون فيه وقد استجلاه بأنّ الجنون بليلى ليس حديث العهد بل قديم جداً، مؤكّداً أن قيساً قد جُنّ يقيناً.

مجنون ليلى أنا قلتُ كلّا
أنا الأوّلُ الأصلُ وليلايَ أحلى
وما كلُّ ليلى كَبِنْتِ القصيد
ولا يقبَلُ العشقُ في الحُسن نَحْلا
هي الروضُ في جنّةٍ ذاتِ نهرٍ
بها تُبصر العينُ زهراً ونَحلا
وبين البهيج وشهد الأريج
شربتُ الصبابة ما رمتُ زَحْلا
هوى العامريّة هزَّ الفؤادَ
فأخصبَ من بعد أن كان مَحْلا

ومن هي العامريّة التي وصفها مازن الشريف؟

ليتابع مازن الشريف من ضفّته مع المجنون يشرح لنا حبّه لليلى قد فاق حبّ قيس لها وبأنّ ليلاه أحلى، فهي بنت القصيدة، وهل يفوق بنت القصيدة رقياً وجمالاً؟ تلك التي تحكي لواعجه وتطيعه في جميع الحالات، فهي الروض، هي العين البصيرة التي تبصر النحل والزهر وتشرف على كل جميل، فهي الكلّ وما دونها جزء مجتزَء منها كنحلٍ يحوم حولها.

-مازن الشريف ليلاه كاملة ومعطاءة وجميلة ومبصرة ومتأصلة أصل كل جذع وفرع. فالعامريّة هزت جذع الفؤاد وأخصبت أرض القلب القاحلة لتنبت من كل صنف ولون ومن كل زوج بهيج.

فهل مجنون ليلى يشبه مازن الشريف في العشق والهيام؟

فقلتُ رويدك با ابن الرّياح
فمثلك قد هيّمتني العيون
ومثلك قد همتُ في حبّ ليلى
وهيمنَ في القلب ذاك الجنونُ
ومثلكَ ودّعتُ يا قيسُ ليلى
كما الدمعُ إذ ودَّعَتهُ الجفون
وحزنُ المحبّين حزنٌ عظيمٌ
يكونُ به العشقُ أو لا يكونُ

نعم يا قيس يا ابن رياح الحبّ والوجد والصحراء والهيام، مهلك أنا مثلك همتُ في العيون وفي حبّ ليلى، ومثلك سكن العشق قلبي وسيطر الجنون عليه، ومثلك ودّعت محبوبة قلبي وليلاي كما تودّع الدموع الجفون.
وهذه الصورة الرائعة للدموع وهي تودع الجفون دليل الالتصاق ثم الاجتزاء ودليل التوحّد ثم الانشقاق ودليل الاحتواء والاحتضان ثم التشرّد واليتم.
وفي آخر الدّرب لمّا افترقنا
وودّعتُ في ضفّة الحرف قيسا
سألتُ أليس الهوى كأسَ موتٍ
ويشربه الصّبُّ من كفّ غيسا
هل العشق إلا الذي جُنَّ وجداً
بحسناءَ ماستْ من الحسن ميسا

نعم هوى العامريّة هزّ فؤاد الشعر عند الشاعر مازن الشريف، وأخصب تربة القصائد بعد أن كانت قاحلة لا ينبت فيها زرع. وصار مثل قيس، مجنون العشق تهيّمه العيون ويسكنه الجنون، وقد حرّكته لواعج قيس، وأصبح مثله كذلك في وداع ليلى، ليُكتَب حزن المحبّين كأعظم حزن يكون به العشق، ومن دونه لا يكون أبداً.
-الشاعر مازن الشريف التقى قيساً بالشعر والمناجاة والجنون بالعشق، ثم ودّع على ضفّةٍ أخرى من ضفاف القصيدة وقد سأله: أليس الهوى كأس موت يشربه العاشق من كفّ جميلة ناعمة؟ وهل العشق إلا جنونُ وجدٍ بحسناء مالت من الحسن ميلا؟!

فمن هي العامريّة التي هزّت الفؤاد فأينع القلب براعماً ونبضا؟

هوى العامريّة هزَّ الفؤادَ
فأخصبَ من بعد أن كان مَحْلا
(مازن الشريف)


ليلى العامرية وقيسها:
لم يكنِ المَجنونُ في حالةٍ إلّا وَقَد كنتُ كَما كانا
لكنّهُ باحَ بسرّ الهَوى وَإِنّني قَد ذبتُ كِتمانا
(ليلى)
-هي الشاعرة العربية ليلى بنت مهدي بن سعد، وتكنى بأم مالك العامرية، كما تنسب إلى بني كعب من ربيعة، وعرفت بأنّها محبوبة قيس بن الملوّح، إذ تعدّ من أفضل وأجمل النساء في عصرها، وقد ولدت في البادية العربية سنة 28 هـ، وتوفّيت عام 67 هجري، حيث شهدت فترة حكم كلّ من الخليفة مروان بن الحكم وعبد الملك بن مروان.
قصّة عشق ليلى وقيس: التقى قيس بن الملوح بها عندما كانت برفقة بعض النسوة من القبيلة، وقد كان يروي ويحفظ الأخبار، بالمقابل كانت ليلى تعشق أحاديث الناس والأشعار، فكثر لقاؤهما، ثم حُجبت عنه، ورفض أبوها زواجهما، بسبب انتشار خبر الحبّ بينهما، وتنظيم الأشعار فيها، كما أكرهت على الزواج من شخص آخر، فقالت أبيات شعرية فيه:
كلانا مظهر للناس بغضاَ
وكل عند صاحبه مكين
وكيف يفوت هذا الناس شيء
وما في القلب تظهره العيون
أيضًا روي أن ليلى وقيس ترعرعا معاً منذ الصغر عندما كانا يرعيان الغنم، ثم حجبت عنه عندما كبرت، فقال قيس:
تعلّقت ليلى وهي ذات تمائم
ولم يبدُ للأتراب من ثديها حجم
صغيرين نرعى البهم يا ليت أنّنا
إلى الآن لم نكبر ولم تكبر البهم
وقد لُقّب قيس بن الملوح بمجنون ليلى، بسبب حبّه وغرامه بالعامرية، فأخذ يلقي الأشعار في الصحراء العربية بين الوحوش، كما قيل أنه كان يتجوّل بين الشام ونجد والحجاز، حتى وجد ميتًا بين الأحجار، وذلك في سنة 68 هجري، بعد وفاة ليلى العامريّة.

وفاة ليلى العامرية : شعرت ليلى العامرية بعد تزويجها من رجل غير قيس بالندم الكبير، حيث أجبرت على فراقه، فأصبحت تحدّث نفسها به، وتعضّ على يديها، ثم أخذ زوجها يضربها إلى أن طلّقها، وعادت إلى بيت أهلها، ثم أُبرحت ضرباً طوال الليل والنهار حتى شعرت بالانهيار، فأجهشت في البكاء وبقيت لمدة 30 يومًا دون طعام أو شراب، حتى توفيت من شدة ما ألمّ بها عام 67 هجري.

أشعار ليلى العامرية: نُظمت مجموعة من القصائد الشعرية على لسان ليلى العامرية، وهي: “لم يكن المجنون في حالة” ، هي قصيدة من البحر السريع، ويبلغ عدد أبياتها اثنان، فقالت:
لم يكنِ المَجنونُ في حالةٍ إلّا وَقَد كنتُ كَما كانا
لكنّهُ باحَ بسرّ الهَوى وَإِنّني قَد ذبتُ كِتمانا
“باح مجنون عامر بهواه” هي قصيدة رومنسية من البحر الخفيف، ويبلغ عدد أبياتها اثنان، فقالت: باحَ مجنونُ عامرٍ بهواهُ وَكَتمت الهَوى فمتّ بِوَجدي
فَإِذا كانَ في القيامةِ نودي مَن قتيلُ الهَوى تَقدّمت وَحدي
“نفسي فداؤك لو نفسي ملكت إذا” هي قصيدة مدح من البحر البسيط، ويبلغ عدد أبياتها اثنان، فقالت: نَفسي فِداؤك لَو نَفسي ملكت إِذاً ما كانَ غيرك يجزيها ويرضيها
صَبراً عَلى ما قَضاه اللَّه فيك على مَرارة في اِصطباري عنكَ أُخفيها
“ألا ليت شعري والخطوب كثيرة متى” هي قصيدة حزينة من البحر الطويل، ويبلغ عدد أبياتها اثنين، فقالت: أَلا ليتَ شِعري وَالخطوب كثيرةٌ.. مَتى رحلُ قيسٍ مستقلّ فراجعُ
بِنفسي مَن لا يستقلّ برحلهِ.. وَمَن هوَ إِن لم يحفظ اللَه ضائعُ
“أخبرت أنك من أجلي جننت وقد” هي قصيدة قصيرة من البحر البسيط، ويبلغ عدد أبياتها واحد، فقالت: أُخبرتُ أنّكَ مِن أَجلي جُننتَ وَقد فارَقتَ أَهلك لم تعقل ولم تُفقِ
” كلانا مظهر للناس بغضا” هي قصيدة هجاء من البحر الوافر، ويبلغ عدد أبياتها أربعة، فقالت: لانا مُظهرٌ للناسِ بُغضاً.. وكلٌّ عندَ صاحبهِ مكينُ
تبلّغنا العيون بما أَردنا..
وَفي القلبينِ ثمّ هَوىً دفينُ
وَأَسرار اللّواحظِ ليسَ تَخفى..
وَقد تغري بِذي الخَطأ الظنونُ
وَكَيف يَفوتُ هَذا الناس شيء..
وَما في الناسِ تظهرهُ العيونُ

قيس بن الملوّح:
تذكرت ليلى والسنين الخواليا
وأيام لا نخشى على اللهو ناهيا
لحى الله أقواماً يقولون إننا
وجدنا طوال الدهر للحب شافيا
(قيس)
نظم شاعر الغزل قيس بن الملوح الهوزاني مجموعة من القصائد الشعرية في محبوبته ليلى العامرية، ومنها: “أُحُبُّكِ يا لَيلى وَأُفرِطُ في حُبّي” هي قصيدة شوق من البحر الطويل، ويبلغ عدد أبياتها 5 أبيات، فقال:

أُحُبُّكِ يا لَيلى وَأُفرِطُ في حُبّي.. وَتُبدينَ لي هَجراً عَلى البُعدِ وَالقُربِ

وَأَهواكِ يا لَيلى هَوىً لَو تَنَسَّمَت نُفوسُ الوَرى أَدناهُ صِحنَ مِنَ الكَربِ
شَكَوتُ إِلَيها الشَوقُ سِرّاً وَجَهرَةً وَبُحتُ بِما أَلقاهُ مِن شِدَّةِ الحُبِّ
وَلَمّا رَأَيتُ الصَدَّ مِنها وَلَم تَكُن تَرِقُّ لِشَكواتي شَكَوتُ إِلى رَبّي
إِذا كانَ قُربَ الدارِ يورِثُ حَسرَةً فَلا خَيرَ لِلصَبِّ المُتَيَّمِ في القُربِ

“وَقالوا لَو تَشاءُ سَلَوتَ عَنها” هي قصيدة عامة من بحر الوافر، ويبلغ عدد أبياتها 4 أبيات، فقال: وَقالوا لَو تَشاءُ سَلَوتَ عَنها فَقُلتَ لَهُم فَإِنّي لا أَشاءُ
وَكَيفَ وَحُبُّها عَلِقٌ بِقَلبي كَما عَلِقَت بِأَرشِيَةٍ دِلاءُ لَها حُبٌّ تَنَشَّأَ في فُؤادي فَلَيسَ لَهُ وَإِن زُجِرَ اِنتِهاءُ وَعاذِلَةٍ تُقَطِّعُني مَلاماً وَفي زَجرِ العَواذِلِ لي بَلاءُ

ليلى قيس…
-نعم ليلى هي شاعرة وهي روح الشعر والعشق فهي العاشقة التي اضّطرت على الكتمان، ولم يوصل الزمان صوتها فماتت بوجدها، وإن لم يصلنا من شعرها إلا القليل لكنّه عبّر عن جوهر الحالة وجوهر العشق، فهي لا تقلّ بمشاعرها وروحها شأناً عن قيس ويحقّ لقيس أن يُجنّ بها، فلا بديل عنها وتستحقّ هذا الوله وهذا التيم والهيمان والانكباب فقط على وجه ليلى.
ليلى شفّت قلب قيس وبرته برياً فغدا من الصفوة القلائل ورمزاً للعفّة والوفاء والحبّ العذري والذهاب بالحبّ حيث الجنون الظاهري وحيث في الحقيقة درجة النقاء الروحي ومرتبة من مراتب الصوفيّة الحقّة في مقام العشق الصفيّ الصافي النادر.

وإلى ليلى مازن الشريف وأحوالها:

عرّفوا ليلى بأنّها ترمز إلى الحبيبة المثالية، الجمال الساحر، والسكينة، ومشتقة من ظلمة الليل ونشوة الخمر. تجسد ليلى مفهوم العشق الخالد والعذري (قيس وليلى)، وهي رمز للحب المقهور والممتنع، وفي التصوف، ترمز ليلى إلى العشق الإلهي واللطيفة الربانية، حيث يغيب العاشق بليلى عن كل معنى سواه.

أما الشاعر الدكتور مازن الشريف فله تفصيل آخر يضيف المزيد ولا يلغي ما جاء، وفي تعريفه لليلى بمقدّمة ديوانه مجنون ليلى يقول:
ليست ليلى في تاريخ الشعر والعشق العربي مجرّد أنثى تعبر قلب مغرم أو تمكث فيه، تصدّه أو تصله، تلتقيه أو تفارقه، بل هي أبعد من ذلك وأجمل..
إنها رمز المرأة في قصائد العشاق، تلك الراغبة المتمنعة، والرائعة الملوّعة، والجميلة التي يتبع العاشق طيفها في كل جميل يراه، هي القمر والظبي والوردة، وهي التي في الخيام وفي طلل الخيام، في الصحراء وفي واحاتها وهجيرها وكائناتها وأزمنتها ليلها ونهارها نجومها وشمسها وضوئها وحلكتها…حتى يقول قائلهم (1):
أليس الليل يجمعني وليلى…كفاك بذاك فيه لنا تداني
ترى وضح النهار كما أراه…و يعلوها النهار كما علاني
وهي الجنون كله والعشق كله واللذة في اكتمالها والوجع في قسوته التي تفتت صلد الحجر.
وجنون قيس بالعامرية قمة من قمم ذلك العشق لليلى التي لا تتوب عن قتل عشاقها ولا يتوب عشاقها عن عشقها، حتى يكون حالهم كحاله ومقالهم كمقاله (2):
يسمونني المجنون حين يرونني…. نعم بي من ليلى الغداة جنون
وهي الحضرة في شعر المتصوّفة، وبوارق الإشراق ولواعج التجلي وأحوال الترقي والتلقي، رمز الذات المحمدية حينا، ورمز الحضرة العلوية حينا، وفي كل المقامات لليلى مقام، تكشف عن وجهها طورا، وتغطيه بلثامها أطوارا، فيهتف الفاني في العشق الرحماني (3) :
دع جمالَ الوجه يظهرْ… لا تغطي يا حبيبي
طول ليلي فيك أسهرْ… زاد شوقي ولهيبي
هكذا المحبوب يقهرْ… بالجفا قلب الكئيب
كلّ شيء عِقد جوهرْ… حِليةُ الحُسْنِ المهيب
وتنهمر الدموع من صهد الشوق إلى ليلى وتونع الأحلام من ندى رقّتها، ويكون الجنون بها في أعين الأغيار قمة العرفان في أعين أصحاب الأسرار، فيلذ الموت ويهتف هاتفهم(4) :
اقتلوني يا ثقاتي….إن في موتي حياتي
ويحن القلب وتصبو الروح حتى يعزف العازف على ناي الاشتياق ويتغنى (5):
والله ما طلعت شمسٌ ولا غربت… إلا و حبّـك مقـرون بأنفاسـي
ولا خلوتُ إلى قوم أحدّثهــم… إلا و أنت حديثي بين جلاســي
ولا هممت بشرب الماء من عطش… إلا رَأَيْتُ خيالاً منك في الكـــأس
وليلى عزيزة غالية، ورفيعة عالية، وكلّ يدعي وصلا بليلى، ولكن قليل من عرفها حقيقة أو رآها، فحاله حال الشادي (6):
أوَميضُ بَرْ قٍ بالأُبَيرِقِ لاحا… أمْ في رُبَى نجدٍ أرى مِصباحَا
أمْ تِلكَ ليلى العامرِيّة ُ أسْفَرَتْ…ليلاً فصيرتِ ا لمساءَ صباحا
فمجانين ليلى في كتاب العشق وتاريخ العشاق كثير، وعشّاقها كثر، ولها أن تتسمى بما أرادت أو شاء من سمّاها أو كنّى عنها، ولها أن تكون في قصص كثيرة كأنها روح تتقمص المعشوقات، هي عبلة وسعاد وبثينة وعفراء حزام، وهي سعدى وسلمى، وهي أحوال أهل التصوف وما ارادوا من معنى وما طربت له أرواحهم من مغنى، وهي كل حرف جميل وكل لحن شجي وكل عبق وشذى وأريج، ليلى كون من الموسيقى وغابة من القصائد وبحر من المعاني وكوكب من كواكب العشق.
هذا الديوان هدية لمجانين ليلى جميعا، عشاق حواء في تجددها، الأوفياء الأصفياء لذلك الحب الإلهي في جميع أحواله ومجاليه: في تجليات الوجد وتجليات العشق وتجليات الوصل وتجليات الحرمان، وفي مقامات الحزن ومقامات البهجة ومقامات القرب ومقامات البعد والرحيل. فحي هلا إلى سَفر المشتاق وسِفر العشاق وكون المجنانين: مجانين ليلى، المفرد المتعدد، والأنثى الرمز…
ليلى وحدها..أولا وأخيرا…
________________________________________
(1) (2) مجنون ليلى – قيس بن الملوح (3) عبد الغني النابلسي (4) (5)الحلاج (6) ابن الفارض.

نعم أوجز مازن الشريف في تعريفه لليلى وبِشرح مكثّف يصيب لبّ الفكرة بعمقها مع عدم غفلانه عن ذرّة من ذرّات ليلى المتناثرة أو المجتمعة المكتَمَلة، وكلّ تعريف لليلى عنده بحال من أحوالها نجد عليه قصيدة من قصائده بكل عمقها وأحوالها.
أحبُّ ليلى ولا أسلو فأنساها.. ويحبّها عاشقٌ لا شكّ يهواها
ويحبّها شاعرٌ ما زال يكتُبها.. حرفاً من العشقِ بالآمالِ حلّاها
وتحبّها مهجةٌ أزرى الفِراق بها.. ويحبّها مغرمٌ هدّته عيناها
وأحبّها شَجَناً في لحن أغنيةٍ.. بوحاً من الروح بثّتْ حزنَ شكواها
وتحبّها لغتي ما انفكّ منطقُها.. يُزجي العصورَ بها ويُجَلُّ معناها
وأحبّها وطناً حدَّ المماتِ بها.. وتحبّها أمم في القلب سُكناها
وأحبّها ولداً يشتاق ضحكتها.. ما جاوزَ الحِلمَ في موّالها تاها
وأحبّها طفلةً جذلى بخُصلتها.. تاقتْ إلى العشقِ يُفنيها فأفناها
وأحبّها طائراً طارَ المساءُ بها.. هدَّ الجناحَ فضاءتْ كلُّ دُنياها
وتحبّها لغتي ما انفكّ منطِقُها.. يُزجي العصور بها ويُجلُّ معناها
وأحبّها وطناً حدَّ الممات بها.. وتحبّها أمم في القلبِ سكناها

-مازن الشريف يحبّ ليلى ولا يسلو عنها فينساها، ويحبّها عاشق يهواها وشاعر يكتبها قصيدةً من العشق والأمل، وتحبّها روح افتقدتها فاشتعلت بشوقها ويحبها مغرم وقع صريع عينيها.
وليلى هي الشجن في لحن الأغنية وهي بوح الرّوح بثّت شكواها، وليلى هي اللغة التي تستجلي بمنطقها العصور، تعبّر عنها وتتبيْنها، وليلى هي الوطن الذي يسكنه الشخص والأمم التي تحتضن الشعوب، نحبّها ونشتاق ضحكتها نتمنّاها كطفلة تزهو بخصلات شعرها مرحاً، ونحبها كطائر للمساء يضيء القناديل، ليلى هي كل شيء جميل بنا وحولنا نرغبه ونتمنّاه لأجل حياة جميلة وجليلة.

الشاعرفصّل حقّاً في شرحه لليلى ولن نعيد ما فصّله بل نؤكد فكرته الجميلة بقصيدته الموجزة والرائعة حين قال: أنا العشاق يا ليلى.. وفيّ العشق يُختَصَر
– كذلك عرّف الشاعر عن حاله، وعرّف عن ليلى وعرّف عن العشق بكلمات من نبض الجمال والغناء والتعريف المبسّط السّلس والسهل الممتنع:

أنا العشّاق يا ليلى.. وأنت التيه والسّفر
وهذا الحبُّ يا ليلى.. هو التهيامُ والضّررُ
يغنّي الليلُ عن ليلى.. إذ الأمواجُ تنكسرُ
يميلُ الغصنُ من ليلى.. يذوبُ الصّخر والحجرُ
وتهفو الريحُ يا ليلى.. وهذي الروح تستعرُ
سلامُ الله يا ليلى.. على العشّاق إذ حضروا
أنا العشّاق يا ليلى.. وفيّ العشقُ يختصرُ

فالعشاق جميعهم يختصرهم الشاعر وليلى هي التيه والسفر، والحبّ هو التهيام والضّرر، وليلى الغامضة معشوقة الليل يغنّيها ويُنبئ عنها، ويميل غصن القلب من أثر ليلى ويذوب كل صلد وصخر وحجر قاس، فليلى محرّكة الروح والاشتعال، فسلام الله على عشّاقها إذا حضروا. والشاعر مازن الشريف أبانَ باختزال ماهية العشق وليلى منه ومنه من ليلى ومن العشاق، فالعشق ليلى والعشاق في حضرتها وهم جميعهم في حضرته يُختَزلون ويسكنون ويُختصرون.

بين قيس ومازن في العشق :

يقول قيس بن الملوّح:
ولم ينسني ليلى أفتقار ولا غنى
ولا توبة حتى أحتضنت السواريا
ولا نسوة صبغن كيداء جلعداً
لتشبه ليلى ثم عرضناها ليا
خليلي لا والله لا أملك الذي
قضى الله في ليلى ولا ما قضى ليا
قضاها لغيري وابتلاني بحبها
فهلاِِ بشئٍ غير ليلى ابتلانيا

ويقول أيضاً:
مُعَذِّبَتي لَولاكِ ما كُنتُ هائِماً
أَبيتُ سَخينَ العَينِ حَرّانَ باكِيا
مُعَذِّبَتي قَد طالَ وَجدي وَشَفَّني
هَواكِ فَيا لِلناسِ قَلَّ عَزائِيا
مُعَذِّبَتي أَورَدتِني مَنهَلَ الرَدى
وَأَخلَفتِ ظَنّي وَاِحتَرَمتِ وِصالِيا

وعن السلوى قال:
وَقالوا لَو تَشاءُ سَلَوتَ عَنها
فَقُلتَ لَهُم فَإِنّي لا أَشاءُ
وَكَيفَ وَحُبُّها عَلِقٌ بِقَلبي
كَما عَلِقَت بِأَرشِيَةٍ دِلاءُ
لَها حُبٌّ تَنَشَّأَ في فُؤادي
فَلَيسَ لَهُ وَإِن زُجِرَ اِنتِهاءُ
وَعاذِلَةٍ تُقَطِّعُني مَلاماً
وَفي زَجرِ العَواذِلِ لي بَلاءُ
-قيس ابن الملوّح لم يسلُ عن ليلى ولم يطلب البديل، ولكنّه وجد حالته في العشق كالبلوة التي أصابته وأحبّ لو أنّ الله ابتلاه بغير ليلى، لكنّه بقي أبداً مخلصاً بالعشق لآخر درجات التماهي بها والجنون، فإذ نفس ليلى هي نفسه، ولم يعد يميز قربها من بعدها، ويُحكى أنّ ليلى جاءت مرّةً لقيس وكان قد تناهى في عشقه لها، فقال لها حين رآها: اذهبي يا ليلى فإنّي مسغولٌ عنكِ بك.
ولم يصل لهذا الحال من الإدمان الصاحي إلّا الشاعر مازن الشريف، الذي ذهب أبعد من ذلك في إخلاصه ووفائه بل وتشبّبه بقتل حبيبته له، وشكرها على ذلك! ويتكرّر هذا المعنى بالكثير من القصائد فهو منهاج حبّ ووفاء عهد محبة وودّ.

قصيدة مشاكاة والحبّ القيسي:
في قصيدة “مشاكاة” يستعرض الشاعر مازن الشريف محاكاة شعرية ووصفيّة رائعة لحال العاشق والمحبوب؛ ويصل لذروة العشق القيسي العذري العامري، في أعلى درجاته من الحبّ والهيام والاعتلال، والوصف الدقيق للحال والأحوال : فقد مرض قلبه من شدّة الحبّ، لكنّه يبقى رغم ذلك مغرم وقليل الصبّر في فراق المحبوبة، فكل يوم وكل ليلة يبكيها، والعين لا تنام أبداً والجراح ملازمة لا تعتق صاحبها، فالعشق ظالم طاغي مستكبر لا يرحم، ولكن يبقى الصبر جميل في عشق الحبيب الجميل.
أشاكيك قلباً بالغرامِ عليلُ
بك مغرمٌ والصبرُ منهُ قليلُ
وأبكي. فِراقكِ كلَّ يومٍ وليلةٍ
لا العينُ تهجعُ ولا الجراحُ تقيلُ
والعشقُ يا ليلى ظلومٌ غاشمٌ
والصبرُ في عشقِ الجميلِ جميلُ

جماليّة الوصف:
هي زهرة الريحان كما وصفها الشريف لليلى، وهل أنقى وأطهر وأجلّ من الريحان وزهره؟ ليلى الناعمة النقيّة الرقيقة عند مازن الشريف والتي تؤرّقه ويمور الشوق واللهفة والرغبة بالوصال.
يتساءل منطق الشاعر: فهل من سبيل المولّه بالعشق للوصال، ولم يترك الحبّ منفذاً للسلوى، والدليل علي ذلك كثرة السّهد والأرق في السهر وعدم النوم، وبي رغبة بمن أهوى وأريد وكم يصعب حمل الوجد الثقيل! وبي لهفةٌ للقاء المحبوب وشوقٌ يعصر مهجتي عصراً، لكن الروح تبقى رغم ذلك تميل للجمال وتعشقه، ولي عينٌ تشتاق رؤية وجهك دائماً، فكيف ستراك وهذا الزمان بخيل؟

-يا زهرةَ الرّيحان غازَلها النّدى
هل للمولّه للوصال سبيل ُ
الحبُّ لم يترك لِسلْوكِ مَنفذَاً
والسّهدُ عن حال المحبّ دليلُ
وبي رغبةٌ فيمن أحبُّ وأبتغي
والوجدُ حِملُهُ في الفؤاد ثقيلُ
وبي لهفةٌ والشوقُ يعصرُ مهجتي
والرّوح تعشق للجمال تميل
ولي مقلةٌ تشتاقُ وجهك دائماً
أنّى تراكِ وذا الزمان بخيل
-ثمّ يختم بأجمل المعاني والصور مخاطباً البدر قائلاً: لو رأيت حبيبتي يا بدر وشهدتها وهي تضحك لأردى بك الحال للموت مقتولاً بفتنتها وعلمتَ أنّ لك في الخليقة توأم نزل في تلك الديار التي تسكنها هي بينما أنت بقبت في عليائك!
نعم القلب يخفق في تلك الخيام التي تسكنها المحبوبة وحولها، فكل ما تراه وتطأه قدماها سيخفق له الفواد، وهذا العاشق لولا صبابته ما ظهر النحول بهذا الشكل عليه. فتلك التي يحبّها بريئة وجميلة كطفلةٍ لكنها مزّقت قلب المتيّم، تطيل هجرها أحياناً وأحياناً تقصره. ولم تبقِ من عاشقها إلا الدموع السخيّة التي تسيل بغزارة على خدّه.
يا بدرُ إنّكَ لو رأيتَ حبيبتي
وشهِدتَ إن ضحكتْ فأنت قتيلُ
لَعلمتَ أنّه في الورى لك توأمٌ
فالبدرُ في تلك الدّيار نزيلُ
القلبُ يُخفق في الخيام وحولها
والصّبُّ من فرطِ الهُيام نحيلُ
قد مزّقت قلبَ المتيّم طفلةٌ
في الهجرِ تُقصِرُ تارةً وتُطيلُ
لم تُبقِ لي غير الدموعِ سخيّةً
حرّى على خدّ العليل تسيل

ما احتوته القصيدة:
-معاني الشكوى والغرام والفراق والبكاء والتوجّع والجراح والحب الظلوم الغاشم واللهفة والرغبة والشوق والصبر الجميل، كلّها وجدناها في الأبيات الثلاثة الأولى للشاعر من قصيدة مشاكاة، ثم انتقل الشاعر نقلة الرقّة والعذوبة بالخطاب والصور والكلمات في الأبيات التي تلتها لينادي الشاعر حبيبته ليلى بزهرة الريحان ، وهل أنقى وأطهر وأجلّ من الريحان وزهره؟ ليلى الناعمة النقيّة الرقيقة عند مازن الشريف والتي تؤرّقه الشوق واللهفة والرغبة بالوصال.ثمّ ليشبهها بالبدر المضيء وبأنها توأمه، فيالجمال وروعة الخطاب والصور والتشبيه.
القصيدة من الناحية البنيوية جاءت مكتملة العناصر في قمة وغاية اللغة الشاعرية الناعمة ذات الألفاظ الرقيقة المنسابة المناسبة للفكرة، وهي الغزل والتشبب وإظهار اللوعة المبطَّنة واللوعة من الحبّ الظلوم الغاشم وأنات المحبوب ودموعه التي لا يشعر بها أحد سواه هو والسهد والأرق، ملازماً الصبر الجميل ومعزّيّاً حاله بأنّ الحبيب جميل ويحتاج حبّه الصبر الجميل بل يغدو الصبر جميلاً في عشق الجميل!

ما أضافته القصيدة:
القصيدة فيها الثقافة التفاؤلية
وإعطاء الأمل وإحساس الجمال وتوصيله عبر الخطاب الهادئ والصور النقيّة (زهرة الريحان، البدر). وكذلك الألفاظ الجذلة القويّة التي تخدم الفكرة ولا تؤذي الذوق: الحب ظلوم غاشم.
التهذيب في القصيدة يرفع مستوى الذوق ويسمو بالذائقة الفكرية والشعرية. وترتقي بالمنطق الشعري والفكري وقد تغلغلت الفكرة عبر نهر الشعر المتدفق فجاءت مستساغة كدواء شاف رغم مرارته أحياناً وكبلسمٍ يهدّئ لهيب الأوجاع.

كلمة أخيرة:
-سواء مجنون ليلى أو مازن الشريف هما افتخار الذات الانسانية في تخطّيها للوجع وتمسّكها بالحبّ رغم الوجع والبعد والنأي. هما انتصار النقاء على الصراع والفوضى والحب على الأذى والكره والثورة بالجمال على الانتقام من المشاعر والظروف والأحوال السيّئة. هما المنصفان للحبّ والحبيبة والمرأة، يجعلانها ذاك الكائن الراقي الجميل الذي لا يدخله لوث وغضب. وبفضلهما سيبقى لواء الشعر الصافي المنتصر بعشاقه والهازم لكلّ قسوة الدهور والعصور.
وستبقى ليلى هي العالية بأنفتها ورفعتها، هي المسيطرة بصدقها، هي روح العشق لكل كائن صافي القلب والذهن، هي خمرته لكي لا يتألم ألمها، هي دمعته لكي يغتسل بها ممّا عَلُقَ بها من شوائب الدنيا.

خاتمة:
وهكذا يكون الشاعر مازن الشريف قد تماهى بالشاعر قيس بن الملوح مجنون ليلى العامرية وتقاطعت سبلهما بالعشق والجنون وتوديع الحبيبة والموت شغفاً ووجداً بالحسناء.
ليترك الشاعر مازن الشريف قيس مع ليلاه وقصيدته المؤنسة ويستمر هو في إيناسنا وإسعادنا بأشعاره وقصائده في ليلى متعددة الألوان وألحانه التي تنمّ عن شاعر عميق وعاشق مكين بصنوف العشق والشعر والأحوال، أنامله من سحر البيان وبيانه من بهاء البرهان، لا يقف أمامه أحد إلا ونازله حبّاً وشعراً، وإن كان قيس يصنع من قصائده وأبياته ملاذاً للسلوى والخلوة بنفسه للحبّ فإن مازن الشريف مؤنسنا جميعاً يصنع من آهاته ولحنه مجالس العلم والأنس، وملاذاً آمناً وسط الفوضى والعنف والحرب، ليحافظ على روح الشاعر ونبض الإنسان المتجلي في مشاعره والحبّ الذي يحقق به المعجزات.
موضوعنا عن ليلى كبير وشامل ومتعدّد وخاصة في أشعار الدكتور مازن الشريف الذي خصّص ديوان كامل باسم مجانين ليلى، وفي هذا الديوان لا تخلو قصيدة من اسم ليلى وجوهر ليلى وإن كان الشعر بالمحصّلة هو ليلى مع انطواء الأسماء تحت اسمها، لكن عند هذا الشاعر المتميّز يبقى هناك تخصيص وتنصيص وتفصيل وتشعيب، ورحلة طويلة من الجمال، ممتدّة لا تنتهي.
سنخصص إن شاء الله دراسات عن أحوال ومقامات ليلى في القصيدة، وتكون لنا إضاءات على أنواع من الفِكر والصور أضافها الشاعر مازن الشريف بعبقريته وإبداعه اللذان لا ينضبان، وإن كان بمعالجته قضايا العشاق والتراث يعيد تنشئتهم من جديد وتفاعلهم مع خلود الفكرة عبر العصور.
في أشعار الدكتور مازن الشريف سنجد القضايا الفلسفية والعوالم ما وراء البرزخية، يعطينا نفحةً منه من العلم على هيئة قصيدة أو فنّ، وهل أجمل من ذلك؟
سنشدّ من عزم التأمّل والقضايا الوجودية النشأويّة لنستكشف أغوار علوم جديدة ومفاهيم جديدة بقصائد جديدة.

منشورات ذات صلة

سعادة الوعي وفن العرفان عند الدكتور الراحل أسعد علي والدكتور مازن الشريف

" من المؤمنين رجالٌ صدقوا ماعاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه… شاهد المزيد

بواسطة رجاء شعبان
10 فبراير، 2026
الذكرى 47 لميلاد المعلم الدكتور مازن الشريف

بمناسبة ذكرى ميلاد المعلم الدكتور مازن الشريف /47 سنة/ نقدم لكم صحيفة… شاهد المزيد

26 يناير، 2026
كلام.. من نزار قباني إلى مازن الشريف وحوار بين قصيدَتَين

اكتب إليّ…من يسمع أغنية "كلام" للشاعر الدكتور مازن الشريف يتبادر إلى ذهنه… شاهد المزيد

بواسطة رجاء شعبان
18 ديسمبر، 2025
العيون في الشعر العربي وفي لغة الشاعر مازن الشريف

"كُفِّي القِتالَ وَفُكِّي قَيْدَ أَسراكِيَكفيكِ ما فَعَلَتْ بِالنّاسِ عَيْناكِ""ما أَتْقَنَ السِّحْرَ كالعَيْنَيْنِ… شاهد المزيد

بواسطة رجاء شعبان
28 نوفمبر، 2025
النصر في معاني سورة العصر

كما جاء في شرح وتفصيل وتفسير لفضيلة الشيخ الدكتور مازن الشريف مرّ… شاهد المزيد

30 مارس، 2025