عشرين عَامًا – كلمات مازن الشريف من ديوان مجانين ليلى
العناوين الرئيسيّة في الموضوع: -مقدّمة: عشرين عام الأغنية المعروفة لسعدون جابر وقصيدة عشرين عام لمازن الشريف. -الشعر الفراتي. -القصيدتان في كلام. -قصيدة الشاعر مازن الشريف. -مستويات القصيدة. -حكمة القصيدة. -قصيدة عبد الناصر حمد. -القصيدة في رسالة وسرديّة كلام. -أوجه التمايز والاشتراك في القصيدتَين. -التشكيلة البنيوية الشعريّة (الصورة الفنّيّة). -إضافات مازن الشريف. -القصيدتان من نمط القصيدة الحديثة. - مازن الشريف وإشكاليّة الشعر. -فلسفة الحب عند مازن الشريف. -مبنى القصيدة. -ملحمة الانتصار. - مازن الشريف "جميل الشعر" -خاتمة. ………….
ما إن تسمع هذه الكلمات الجميلة بنغماتها المتهادية ولحنها المتباطئ كقارب على هدير موج، حتى يتبادر إلى ذهنك صوت سعدون جابر وهو يغنّي بصوته الشجي الحزين كحسرة مغتربة تلتقي أمنية ذات صباح أو ليل! وهو يقول:
قلي اش جابك علي ويش ذكرك بينا عشرين عام انقضت وانت اللي ناسينا
فلأكثر من عشرين سنة طربتنا هذه الأغنية الرائعة التي كُتبت بنبض فراتي وغُنّت بنبض فراتي أيضاً، فالشاعر عبد الناصر حمد، كاتب الأغنية من سورية " دير الزور" والمطرب سعدون الجابر عراقي تغلغلت مياه الفرات عذوبةً في حنجرته وطغت بألحانها الشجية المنسكبة باطمئنان كخرير المياه الرقراقة.
فهل جمال الأغنية وفتنتها كامن في الثيم الفراتي؟ بدايةً، لابدّ أن نعطي فكرة عن الشعر الفراتي.
الشعر الفراتي: هو لون أدبي شعبي غني ينبع من بيئة وادي الفرات في سوريا والعراق، يتميز بلهجة قريبة من البدو وعراقة الريف، يطغى عليه الحزن والسوداوية نتيجة قسوة الطبيعة والحروب، ويعد امتداداً للقصيدة الشعبية العربية بأسلوب يجمع بين الفروسية، الغزل العفيف، ووصف النهر.
من أعلامه: محمد الفراتي (1880-1978): شاعر كبير من دير الزور، كلاسيكي، فيلسوف، ومترجم، يعد من أبرز القامات الأدبية في المنطقة. إضافة إلى شعراء البادية والريف (شعراء القصيد/النبطي) الذين ينقلون هموم الحياة اليومية وحاجة العاطفة.
القصيدتان في كلام: سنحوّل القصائد من خلال شرحها إلى سرديّة كلام أو رسالة عاشق فكيف ستظهر؟
قصيدة الشاعر مازن الشريف: حبيبتي: -عشرين عاماً وأنا أنتظرك حتى يراك القلب والعين، لكن طالما أنّ الليل يتبع بي ويبتعد عنّي النجم والقمر، فلا ضوء خلف الأفق يبدو لي، فيالها من ظلمة يضيع بها البصر!
-فقد رميتُ أمنيتي في البعيد من الآفق، وقطعت السفر مسافات أطويها، ورجعتُ من بعادي أسألكِ يا طفلة الحب: ما وصلت إليه الحال وما الخبر، أين الشعراء، هل تركوا منازلهَم؟ لماذا أحالوا الشعر لعبقر الجنّ وتركوه هم؟ ألا من شاعر حقيقي يصف الحال ومآل العشق والعشاق؟! وكيف القوم بعد هبوب الرياح ضاعوا وما عرفوا سبيل العودة، ولم يفهموا قضية القدر المكتوب.
-والبحر كيف لا يكترث للكثير من أشرعة التساؤل ولا يأبه للحذر، هو يغرقها فلا يعترف إلا بالأقوياء المقامرين الذين يتقنون لعبة القدر ويسافرون ويغامرون ويصبرون ويصمدون بوجه الموج، محتفظين بذاكرة الحب وبصور حبيباتهم في قلوبهم، فلا تأخذهم لجّة البحر وهول الخطر، فيؤدي بهم إلى نسيان حالهم و طلب النجاة فقط، دون وِجهة نظر، وقد فقدوا بوصلتهم ونسوا أصولهم وضاعت عاطفتهم وغادر شعورهم وهجر شعرهم ووجدانهم إلى مكان قفر ليس فيه أحد إلا الجن، فالعائد بذاكرته لا يجد لهم طلل ولا لشعرهم الذي يخلّد ملحماتهم ويحكي قصصهم وبطولاتهم أثر! انطمسوا وغابوا في لجّة الغياب وانمحى أثرهم كأن لم يكونوا. خافوا من رحلة العشق وخطر السفر أثناء الرحلة فاستسلموا للانهزام لمّا اعترضهم الخوف وأرداهم بعض الغرق، فهلكوا في طريق مَن يهوون، وخسروا أحباءهم وبقي الليل لوحده يندب من دون الحبيبة ليلى، ليلى التي هاجر الجميع في سبيلها ولأجل الحصول عليها تاهت في عناوين عشاقها فأضاعتهم بعدما ضيعوها، وماتوا في مسالكها، وبقي الليل لوحده يحتضر ويشهد على رحلة العشق المضنية وبحره الذي ابتلع مسافريه…
القصيدة كما جاءت:
عِشْرِينَ عَامًا كُنْتُ أَنْتَظِرُ
حَتَّى يَرَاكِ القَلْبُ وَالنَّظَرُ
لَكِنَّنِي وَاللَّيْلُ يَتْبَعُنِي
عَنِّي تَنَاءَى النَّجْمُ وَالقَمَرُ
لَا ضَوْءَ خَلْفَ الأُفْقِ أُبْصِرُهُ
يَا ظُلْمَةً يَعْشَى بِهَا البَصَرُ
أَلْقَيْتُ فِي الآفَاقِ أُمْنِيَتِي
وَطَوَيْتُ مَا لَا يَبْلُغُ السَّفَرُ
وَرَجَعْتُ بَعْدَ البَيْنِ أَسْأَلُهَا
يَا طِفْلَةَ التَّهْيَامِ مَا الخَبَرُ
هَلْ غَادَرَ الشُّعَرَاءُ مَنْزِلَهُمْ
وَتَبَرَّمُوا بِالجِنِّ إِذْ حَضَرُوا
لَا عَبْقَرٌ فِي البِيدِ لَا طَلَلٌ
ذِي غَفْوَةٌ تُمحَى بِهَا الصُّوَرُ
وَالقَوْمُ بَعْدَ الرِّيحِ مَا عَرَفُوا
أَنَّى السَّبِيلُ وَمَا هُوَ القَدَرُ
وَالبَحْرُ لَا تُغْوِيهِ أَشْرِعَةٌ
يَجْتَاحُهَا التِّسْآلُ وَالحَذَرُ
فِي مَوْجَةٍ لَا شَكَّ يُبْصِرُهَا
مِنْ صَوْتِهَا الفِتْيَانُ مَا صَبَرُوا
قَدْ لَفَّهُمْ فِي الجَوْفِ مُنْطَمِسٌ
وَطَوَاهُمُ المَحْذُورُ وَالخَطَرُ
فِي حُبِّ مَنْ يَهْوَوْنَ قَدْ هَلَكُوا
وَاللَّيْلُ مِنْ لَيْلَاهُ يَحْتَضِرُ
مستويات القصيدة لو أردنا تقسيم القصيدة إلى مستويات حسب ما تطرحه من حالات وتقدّمه من مشاعر أوأفكار سنجد أنّها تندرج تحت أربعة مستويات وتُقسَم إلى: القسم الأول: حالة الانتظار العامة والطويلة. القسم الثاني: حالة الشاعر في السفر وبعده. القسم الثالث: حال القوم في العشق. القسم الرابع: حال الليل من ليلى.
فالقصيدة حسب المعنى والوصف جاءت بإثني عشر بيتاً، الأبيات الثلاثة الأولى تصف الحالة العامة من الانتظار الذي دام لعشرين عاماً، وما رافقه من عتمة وظلام يغشى النظر والعين.
ثم الأبيات الأربعة التي تَلَتْها تصف حالة الشاعر في السفر وبعده، وسؤال الحبيبة عمّا جرى، وما سبب هجرة الشعراء لمنازلهم وإحالة الشعر إلى عبقر الجن.
وفي الأبيات الأربعة التالية للقصيدة ينطلق الشاعر من التساؤل إلى التأويل في حال القوم، ويتكلّم عنهم ويصف أحوالهم، كيف لم يفهموا رحلة الحب، وضاعوا في رحلتهم، فينطق في مطلق الحكمة لتُعمَّم تجربته كدرس نهائي للعشاق، ومختصر حياتهم وشقائهم وعدم صبرهم في رحلة حبّهم، فيغرقون في لججها وينطمسون في غياهبها لتبقى العشيقة والمحبوبة لوحدها في الليل ساهرة من دونهم تدلّ على أثر رحلتهم.
وفي البيت الأخير يأتي كقفلة ختامية مختزلة في وصف الليل الذي بقي محتضراً من ليلاه التي لن يجدها لأن العشاق هلكوا في دربهم إلى محبوباتهم، وما استناروا طريق الوصول.
حكمة القصيدة: تصف القصيدة رحلة العشاق بالمختصر على مدى الأزمان، فقليل مَن سينجو ويظفر بحبيبته وقد استحقَّ بوعيه وصبره نوالها. وتحكي القصيدة عن أحوال وتجربة الشاعر الخاصّة، ثم تجربة العشّاق العامّة، وما يؤولون إليه، فكأنها ملحمة تعريف بحال العشق والعشاق في أبيات لملمت التساؤلات التي سألها الإنسان بلسان الشاعر وقد حاكَ قصيدته على صيغة قصة بدأت بالانتظار، وتمطّتْ بالسفر، وعادت بتسآل الحبيبة عن الديار وساكنيها من الشعراء الذين يسطّرون الملاحم في العشق، ليجد ديار العمر خالية وليلى خاوية وقد احتضر ليلها في انتظارها، والتهام الدرب لأحوالها، في غرق العشاق في اللجج وانطماسهم في دوّامة المحاولات لتجربة القدر في العاطفة، لا يدلّ عليهم إلا خبر الرحيل.
قصيدة عبد الناصر حمد: عُرفت بأغنية "عشرين عام" وبدايتها الشهيرة: "قلي وش جابك علي وش ذكرك بينا.. عشرين عام قضن وانت اللي ناسينا". غنّاها الفنان العراقي، و أُصدرت عام 1996. تنتمي إلى نمط الأغنية الريفية المطوّرة أو المودرن، وهي تمزج بين المقام العراقي والشجن الريفي بلحن غنائي عاطفي هادئ وحديث، تحكي قصة اغتراب وحب، مستوحاة من ديوان "دفتر الموليا" للشاعر السوري عبد الناصر الحمد، لحّنها الموسيقار كاظم الفندي، بأسلوب موسيقي يعتمد التوزيع الآلي الخفيف، بلون يعتبر من أغاني السبعينات/الثمانينات وما بعدها التي نقلت الريف العراقي إلى المدينة بلمسة عصرية. قلي اش جابك علي ويش ذكرك بينا عشرين عام انقضت وانت اللي ناسينا
شيبنا شوف الشعر لونه ايش عمل بينا ذكرتنا بالصغر وايام منسيه
قلي اش جابك علي بعد الي جرا والي صار لامتني كل العرب وصغارها وكبار
ياما انتظرنا ومشى بنا العمر حدر والقمر مل السهر ودع شواطيا
مليت من حسرتي واللي هدم حيلي بيعوني تالي قلب ما ضل قلب ليّا
القصيدة في رسالة وسرديّة كلام -ما الذي أتى بك أيها الحبيب إليّ، وما الذي ذكّرك بي؟ وأنت طوال عشرين عاماً قد نسيتنا؟ -انظر لقد شاب شعرنا، فصبغته الجديدة من البياض دلّت على أننا صرنا كباراَ، وأنت الآن تأتي لتذكّرنا بأيام الطفولة وعمر الزهور وقصص غدت في طيّ النسيان!
-فقل لي ما الذي جاء بك بعد كل ما جرى وما حدث بقصتنا؟ فقد لامني كل العرب بصغيرهم وكبيرهم! وكم انتظرنا ولكن مشى العمر بنا صوب الانحدار، وقمر العشق ملّ سهره وودع الشواطئ عندنا.
-إنني أصبحت بائعاً ، فمن يشتري منّي الحلم ومواويل الغرام سأبيعه سهر ليلي مقابل أن يعطيني قلبه الخالي. -فقد سئمتُ من حسرتي والذي تسبّب بهدم حالي، فليتكم تبيعون لي قلباً آخر فما بقي بي من قلب.
أوجه التمايز والاشتراك في القصيدتَين سنجد عدة نقاط أساسية اشترك فيها الشاعران: عبد الناصر حمد، ومازن الشريف في قصيدتهما، أهمها: - الخطاب غير المباشر للحبيب. - الانتظار الطويل المبطّن بالعتب. - وصف حالات مابعد الانتظار - الاشتراك كذلك بالحزن والحسرة وانطفاء الأمل. - جماليّة الصور.
الخطاب غير المباشر للحبيب:
القصيدتان اشتركتا بأسلوب الخطاب غير المباشر للحبيب، وإن كنا أوردنا بالشرح كتابة يا حبيبتي، يا حبيبي، فلم يرد لفظ الحبيب عند الشاعرَين إلا عند الشاعر مازن الشريف في وصفه (يا طفلة التهيام):
وَرَجَعْتُ بَعْدَ البَيْنِ أَسْأَلُهَا
يَا طِفْلَةَ التَّهْيَامِ مَا الخَبَرُ
فالحبيب موجود والخطاب له ولكن بأسلوب بعيد، ففي الأبيات غابت كلمة الحبيب والحبيبة ليستبدل عنهما بالخطاب التضميني من خلال وصف حالة الشاعر وانطوائه تحت العتب، ووصف المعاناة والأحوال، وبالتالي غابت صفة القرب الوصفي والملامسة الوجدانية الحسّيّة بالحنان، ليغلب الجانب الوصفي التحليلي الاستقصائي للحالة، فالحبيب غدا ذكرى وجع، وعودته مؤلمة، على جمالها التي تذكّر بالزهور. وهذا العتب البعيد والذي يطول على مدى أبيات القصيدة المحكية للشاعر عبد الناصر حمد يحكي قصة ألم عاشها الشاعر بغياب المحبوب، فيها من لوم العشيرة وكل قبائل العرب، وهذا ليس سهلاً على شاعر يعتزّ بعنفوانه فيضطر ألْا ينهزم بعشقه. فلو أسقطنا هذا الشيء على الواقع فإنه موجود إذ تُعتبر المشاعر ضعف، والاعتراف بالحب هزيمة، والجري وراء الحبيب خبل، والانتظار عته أو مضيعة للوقت عند بعض العشائر، إذ تخدش القيم التي تربّوا عليها! أليس قيس مُنِعَ ليلى لأنه تشبّب بها وقال فيها الشعر؟ وربّما الشاعر عبد الناصر حمد بحكم طبيعة بيئته العربية القبائلية الأصلية يكون قد تأثّر دون علمه بهذا الواقع، وصار يخاطب خطاب ليس الشاعر فحسب بل الوسيط المصلح بين الشاعر بداخله والمجتمع الذي نشأ فيه. بينما الشاعر مازن الشريف ليست عنده هذه العقدة البيئية اللامرئية التي تتحكّم فيه، فنجده يتحرّر في شخصية الشاعر من كل معتقلات الشخصيات الأخرى التي قد تسجنه في بوتقة واحدة وتفرض عليه قيوداً ما كشخصية الشيخ، إذ أن مازن الشريف على ما يمثّله من رمزيّة مثلى لكثير من الشخصيات والاعتبارات فيه، نجده انعتق من قيود الزمان والمكان والفكرة المحدودة وتخطّى حدود البيئة المحدّدة إلى أفق المطلق ومنطق العالمية والكونية، وكأنّه يجسّد الشعر، وناطق بلسانه ، خُلقَ شاعراً لا شخصاًِ آخر.
تضاد الخطاب في المعنى:
لو دقّقنا سنجد ما يُسمَّى تضادّ الخطاب، أو تضاد منهج الخطاب بالمعنى: فعبد الناصر حمد يُسائل الحبيب ما الذي أتى به إليه بعد هذه السنين والغياب الطويل، مع احتفاظه بودّيّة الخطاب، وبلهجة محبَّبة محكية.
-بينما الشاعر مازن الشريف يخاطب حبيبته بأسلوب الإخبار اليقيني بأنّ له عشرين عاماً وهو ينتظرها، لكي يلمحها قلبه وتراها عينه. فلا يسائلها ما الذي أتى بها، بل عنده العودة محتومة من قبل ومن بعد. كَمَن يقول لحبيب: لا، لست حبيبي، غيابك جعلني أنساك رغم غلاوتك! وآخر يتمسّك بحبيبه ولا يعطي مجال للتردد بشأنه أوالنسيان، فكأن اللقاء محتَّم ولكنه طال نتيجة الرحلة الطويلة والمؤجّلة، وطولها لم يمنع من خطاب المحبوبة التقريبي لا الاقصائي، والتمسك بقربها رغم من كان من طول أمد اللقاء.
-وما بين لغة التردّد في العشق والعودة للحبيب عند الشاعر عبد الناصر حمد، وبين اللغة اليقينيّة بالحب والعودة إليه بعد غياب، عند الشاعر مازن الشريف، فرق كبير وبحر لجّي شاسع.
مليت من حسرتي واللي هدم حيلي بيعوني تالي قلب ما ضل قلب ليّا
التشكيلة البنيوية الشعريّة
الألفاظ والصورة الفنّيّة :
القصيدة عند عبد الناصر حمد تتراوح بين الرقة والعذوبة ومعاني الجفاء والتعب. ويبدع الشاعر في واقعية مذهبه الرومانسي العذري العفيف، وهذه نجدها في نبرته وصوره الاستثنائية المميّزة التي ضربت في الأذهان، خاصّة حين توّجتها أغنية بلحن دافئ وصوت شجي تنغيمي من سعدون جابر، ولا عجب إن قلنا صارت مضرب مَثَل القوم في وقتها في التعبيرعن الحالات العاطفية المشابهة، حين يُسقَط البيع والشراء على المشاعر: بياع مين يشتري.. حزني ومواويلي ويقايض بالقلب مقايضة شعرية قلّ نظيرها وببساطة مذهلة: ينطيني قلبو الخالي وياخد سهر ليلي (ينطيني أي يعطيني)
وتظهر قمّة الشفافيّة في الوصف والتعبير إذ يقول:
ياما انتظرنا ومشى بنا العمر حدر والقمر مل السهر ودع شواطيا
فانتظرنا كثيراًِ في الوقت الذي كان العمر فينا ينحدر صوب ذهاب العمر وتوديع زمن الشباب باتجاه الكهولة، فنحن نصعد وهو يزوي بنا نحو السقوط، والقمر الذي كان يسهر متأمّلاً وآملاً معنا اللقاء نراه قد ملّ وسئم هذا الوضع فودّع شواطئنا بهدوء ودون عتب.
في هذا البيت فخامة الألفاظ الدلالية في الشطر الأول، وجمالية الصورة وعذوبة المعاني في الشطر الثاني، بالقمر الذي يضجر من السهر وتشبيهه بالإنسان ولباسه لبوس الشاعر ومشاعره، فهل قمر يملّ من السهر؟ سبحان الله هذه الصورة الإسقاطية البلاغية، غاية الدقة والرقة والجمال، الانسحاب وتوديع شاطئ الأحلام.
ومن الصور المميّزة والجليلة عند الشاعر مازن الشريف:
فِي مَوْجَةٍ لَا شَكَّ يُبْصِرُهَا
مِنْ صَوْتِهَا الفِتْيَانُ مَا صَبَرُوا
قَدْ لَفَّهُمْ فِي الجَوْفِ مُنْطَمِسٌ
وَطَوَاهُمُ المَحْذُورُ وَالخَطَرُ
-تشبيه حال العشق كجوف البحار الذي يدخله العاشق فتأخذه الموجة الكبيرة، ترميه وتلفّه بالأهوال وتطمسه مغامرة العشق فلم يبق له من وجود إلا أثر يدل عليه.
-باختصار الصور عند عبد الناصر حمد جمالية ناعمة وعند الشريف جمالية جلالية
-استخدم الشاعر الشريف ألفاظ جزلة قوية بصورة جلالية (الجوف، منطمس، لفّهم، طواهم، الخطر) عبّرت عن خطورة المشهد وأوصلت الفكرة عبر التصوّر.
اقتباسات لغوية: ونشير إلى اقتباسات واضحة وجليْة تفرّد بها الشاعر مازن الشريف ، ففي عبارة: "هل غادر الشعراء "هذا اقتباس شعري، أصله عبارة، لعنترة بن شدّاد، في البيت الأول من معلقته الشهيرة التي مطلعها: هَلْ غادَرَ الشُّعَراءُ مِنْ مُتَـرَدَّمِ ... أَمْ هَلْ عَرَفْتَ الدَّارَ بَعْدَ تَوَهُّـمِ
وكذلك اقتباسات قرآنية في كلمة "منطمس" ، ولو لم تأت بهذا السياق، لكنها من أصل المعنى و الفعل طمس، ورد هذا المصطلح في خمس سور للقرآن. وكذلك: كلمة "يغشى" وردت في العديد من الآيات في السور. وكلمات: "النجم، الشمس، القمر". وهذا يدلّ على التأثر بالقرآن ومراعاة قيمة معانيه، فالثقافة القرآنية ومنبعها كتاب الله، خير كتاب للبلاغة والصور والاقتباس والتذكير والإبداع. فهل أجمل ممّا يعيدنا للقرآن وآياته؟!
إضافات مازن الشريف:
اقتصرت أغنية عشرين عام لعبد الناصر حمد على الحالة الرومانسية الواقعية لعاشق يطول البعد بينه وبين حبيبته لعشرين عام، ثم يراها فيتذكر بها ماضي العشق حين كانا بعمر الزهور وربيع العمر، وما في القصيدة من وصوفات وصور رائعة ضمن إطار الذكرى والحب والعتب والحسرة والتعبير عن اللواعج، ثم محاولة الهروب من هذه الحالة المؤلمة بوصف الحالة الذاتية التي تريد استبدال القلب بقلب آخر، بما يفصح عن استحالة العودة، وجريان التغيير بما أودى لمكان آخر، الشاعر عبد الناصر حمد وقف عند الذكرى فقط، دون ذكر محاسن الحبيب والتغزّل به، إلا كتذكرة بماضي الحب العابر.
بينما قصيدة مازن الشريف فهي واقعية رومانسية تتخطى ذلك إلى الملحميّة، والوصف العام لحالة العشاق، انطلاقاً من وصف الحالة الذاتية والرحلة الاضطرارية التي احتفظت بذكرى الحبيب وتمسكت بالعودة إليه طواعية، من دون عودة الحبيب وتذكرته بحضوره. فمازن الشريف يلمح لذلك من خلال مناداته التقرّبيّة الودّية :
وَرَجَعْتُ بَعْدَ البَيْنِ أَسْأَلُهَا
يَا طِفْلَةَ التَّهْيَامِ مَا الخَبَرُ
ففي حين يتبرّم الشاعر حمد عن ذكر حبيبته بأنها حبيبته، يناديها مازن الشريف بطفلة التهيام ويسألها بعد عودته عن أحوال العشق والشعر والشعراء والقوم. وفي حين يقف عبد الناصر حمد عند وصف حالة ما، يستطرد الشريف بمتابعة وصف حالات العشاق وما يؤول بهم الحال ليخرج مجرّداً بفكرته وقد انطلق من تجربته. والنصف الثاني للقصيدة كلها تتكلم عن ذلك.
من الناحية الفنية اشترك الشاعران بجمال الصور الشعرية واللغة المنسابة واللحن الشجي والموسيقى العذبة المؤثرة بالحزن والذكرى بما يحرك الأمل رغم عدم الاتيان به بشكل مباشر، فمجرد التذكير به فهو إعادة إحياء له.
القصيدتان من نمط القصيدة الحديثة:
قصيدة مازن الشريف: نجد أن الشاعر مازن الشريف بنى قصيدة فصيحة طويلة وصلت الإثني عشر بيتاً.، فهي أخذت مبنى القصيدة بجوهر الرواية أو القصّة الشعرية، فنجده يبتدئ بوصف حالة الانتظار ثم الرحلة الطويلة المضنية والعتمة التي غشت البصر، ولا يقف عند حالته بل ينطلق يصف حالة كل عاشق وماذا يحصل له في طريق العشق، وكيف تأخذه الأقدار ولا يحذر دائماً فيتوه في أهوال الأخطار، وقد يهلك وهو في طريقه إلى المحبوبة، لتنتهي رحلته من دونها غالباً، وتبقى ليلاه لوحدها مع الليل من دون الحبيب التائه أو الهالك.
وَالقَوْمُ بَعْدَ الرِّيحِ مَا عَرَفُوا
أَنَّى السَّبِيلُ وَمَا هُوَ القَدَرُ
وَالبَحْرُ لَا تُغْوِيهِ أَشْرِعَةٌ
يَجْتَاحُهَا التِّسْآلُ وَالحَذَرُ
فِي مَوْجَةٍ لَا شَكَّ يُبْصِرُهَا
مِنْ صَوْتِهَا الفِتْيَانُ مَا صَبَرُوا
قَدْ لَفَّهُمْ فِي الجَوْفِ مُنْطَمِسٌ
وَطَوَاهُمُ المَحْذُورُ وَالخَطَرُ
فِي حُبِّ مَنْ يَهْوَوْنَ قَدْ هَلَكُوا
وَاللَّيْلُ مِنْ لَيْلَاهُ يَحْتَضِرُ
مازن الشريف وإشكاليّة الشعر:
ومازن الشريف يطرح إشكاليّة كبرى حول الشعراء الذين أسقطوا مشعل الشعر الحقيقي فانطفأت جذوته وتبرّموا عند سؤالهم عن ذلك وأحالوا ضعفهم وشتاتهم للجنّ هرباً من السؤال والمواجهة. بل ذهبوا أبعد من ذلك، فأخلوا منازلهم وأسكنوها لهم، ومن بقي منهم أصبح كتابع لهم مسلوب الإرادة والكلمة، إن تسأله من أين مصدر إلهامك؟ قا لك وحي وإلهام من سادتي: جنّ الشعر حيث وادي عبقر الذي يسكنه أقوام الجن!
هَلْ غَادَرَ الشُّعَرَاءُ مَنْزِلَهُمْ
وَتَبَرَّمُوا بِالجِنِّ إِذْ حَضَرُوا
فأين شخصية الشاعر الحقيقية الذي يأتيه الوحي والإلهام من مصادر الواقع والمواجهة والعنفوان وأفق السماء والإلهام الجميل ووادي الخواطر البشرية في مشاعر الهيام؟! إنها فكرة مهمّة تلمّح لتقزيم الشعر وتحويله لشيء آخر أوتأويله في مخلوقات أخرى هرباً من النطق بالحقيقة.
ملحمة الانتصار: -يستعرض الشاعر مازن الشريف كأية ملحمة ما يحصل ضمن البوتقة التي تبدأ بحلم وأمنية وتسير في أول خطوة على الدرب، لتتشابك عودة الأحداث وقد تحوّلت لساحة حرب ومعمعة كبيرة، يقتَل مَن يُقْتَل فيها وينجو الفارس الهمام ذو البأس والصبر، وهنا بطريقة ما يسرد حالته في العشق التي تشبه الملاحم والأساطير في انتصاراتها رغم الانكسارات والوجع، ولكن مع تمسّكه يأتي لنا بنظرية الأمل المنتصر والمشرق وسط الحروب.
فلسفة الحب عند مازن الشريف
فلسفة الحب لدى مازن الشريف لا تعرف الانهزام والاستسلام بل الإباء والتمسك بالهدف والإحاطة بمجريات الأقدار، واستيعاب حكم القضاء، ودخول لجج النار والخروج منها آمناً بفضل برد الإيمان وسلامة اليقين واجتهاد النفس ووعي الحالة وفهم الحياة. فهو الفارس الذي يحكي لنا بقصائده عن قصص وحكايا الحب الكثيرة والمتغيرة، ففي وجدانه يجمع شتات المشاعر لكل العشاق، ويحتفظ بعاطفته بذاكرة العشق الأبدية والسرمدية، فما قيس أمامه إلا حالة، وما روميو إلا همس قصيدة من قصائده.
ينتصر للحبيبة ويأتي بها وإليها بشعلة الآمال المتّقدة فلا يجعلها خائبة حتى لو انهزمت بنفسها، بل يخرجها من مهاوي السقوط ويعيدها بكل ألفة وحنان العاطفة ورقْة الشعر ووجدان الخاطر إلى مرابع جنّتها حيث هي حبيبة أبدية مهما فعلت، ينتظرها، يغفر هفواتها يسافر في واجب الأقدار، ويعود إليها دون نسيانها، تبقى تهبه الشعر وحرف القصيد، بل تتحول في دمه إلى قصيدة لا تُنسى. -ونجد الشعراء غيره شعراء عظماء لكنّهم يقفون عند حدود الشعر بجماله وجلاله وحالاته دون سبر أغمار وأغوار ما بعد الشعر، حيث مناطق الغيب ومناطقية الاستيعاب والحكمة التي وحدها فيها الحقيقة دون توهان. بالنهاية الشعراء يتبعهم الغاوون إن لم يأتوا بنتيجة حسنة، لا تقف عند مجرد عرض مواقف وتحدّي واستعراض مشاعري ولغوي من دون نتيجة صالحة تهدي وتؤثر وتدعو للفكر والتعقّل، وتجيب بمنطق الشعر بلغة الجمال ما عجزت عنه خامة الفكر الصلبة وسياسة الحوار الجافة عن الاستقاء من نبع ماء الليونة وعذب الملافظ وجمال أسلوب الحياة.
ومع مقارنة الشاعر مازن الشريف بغيره من الشعراء نجده أخذ منهم ما يمدّ الشعر ويمدّهم به ، ما يحييهم ويفيض منه منهم عليهم، ملاقحاً سحب القصائد لتلد بما لم تمطر به من قبل القرائح، معيداً رحلة الشعر بحلّة لهم تشبههم وتحتضنهم ويسمو بها، يُنزلها وقد وُسمت قظوفاً من عوالم الأفق الأعلى بالفكر. فآهاته أكبر من آهاتهم لكن حبه أعمق، وشعره أقوى وأجلى دون أن يظهر ذلك فخراً، بل بكل تلقائية كشجرة تعلو وتسمق عن ناظراتها وهي تبحث في غابتها عن الضوء.
مبنى القصيدة رغم اختلاف بعض النقاط بشكل ظاهر القصيدة كالطول ونوع اللغة، فقصيدة الشريف تجاوزت قصيدة الشاعر حمد لضعف العدد بالأبيات واختلفت عنها بأنها فصيحة في حين جاءت الأخرى بلهجة عامية محكية، لكن نقاط الالتقاء والتقاطع كانت واضحة بل لتكاد تكون من نفس النبض وذات التردّد والإيقاع . وفي لعبة سنطبقها بتقابل أبيات الشاعرين سنجد كأن القصيدة المحكية تجيب قصيدة الشريف في تناغم جذاب يدل على توارد و تأثّر الشريف بما قرأ و سمع والتقط من بعض أطراف الشكل والمعاني والأسلوب في زمنه وبما أطربنا من اُشهر الأغاني:
عِشْرِينَ عَامًا كُنْتُ أَنْتَظِرُ
حَتَّى يَرَاكِ القَلْبُ وَالنَّظَرُ
لَكِنَّنِي وَاللَّيْلُ يَتْبَعُنِي
عَنِّي تَنَاءَى النَّجْمُ وَالقَمَرُ
لَا ضَوْءَ خَلْفَ الأُفْقِ أُبْصِرُهُ
يَا ظُلْمَةً يَعْشَى بِهَا البَصَرُ
قلي اش جابك علي ويش ذكرك بينا عشرين عام انقضت وانت اللي ناسينا
شيبنا شوف الشعر لونه ايش عمل بينا ذكرتنا بالصغّر وايام منسيه
أَلْقَيْتُ فِي الآفَاقِ أُمْنِيَتِي
وَطَوَيْتُ مَا لَا يَبْلُغُ السَّفَرُ
وَرَجَعْتُ بَعْدَ البَيْنِ أَسْأَلُهَا
يَا طِفْلَةَ التَّهْيَامِ مَا الخَبَرُ
قلي اش جابك علي بعد الي جرا والي صار لامتني كل العرب وصغارها وكبار
ياما انتظرنا ومشى بنا العمر حدر والقمر مل السهر ودع شواطيا
مليت من حسرتي واللي هدم حيلي بيعوني تالي قلب ما ضل قلب ليّا
"عشرين عام" توارد خواطر "عشرين عام" قصيدة رأينا فيها التوارد في الشعر (أو توارد الخواطر) وهو ظاهرة أدبية ونفسية يتفق فيها شاعران أو أكثر في صياغة معنى واحد بألفاظ متطابقة أو متشابهة جداً، دون أن يطلع أحدهما على شعر الآخر أو يقتبس منه، فهو التقاء فكري عفوي، وقد سماه النقاد "اتفاق الخواطر" أو "السرقة التواردية" إذا كان التوافق مذهلاً. ولا يُعد سرقة أدبية؛ لأنه نتاج تشابه في العقول، التجارب، أو المشاعر، كما يقع الحافر على الحافر.و يكثر التوارد في أغراض الشعر الحكيم والوجداني، حيث تتحد الأفكار الإنسانية. أمثلة تاريخية : امرؤ القيس وعلقمة: اتفاقهما في القصائد البائية. الفرزدق وجرير: كثرة التشابه في أفكارهما نتيجة معاصرتهما. أمثلة حديثة: تشابه بيتين للشاعرين صالح العمري وناصر البريدي في قصيدة ترحيبية. والتوارد وإن كان إبداعاً شخصياً، قد ينبع من معين ثقافي ولغوي مشترك يُنتج معاني متقاربة.
مازن الشريف "جميل الشعر" مازن الشريف "جميل الشعر" كالنبي يوسف لا يسرق بل تحاول السرقة سرقته إليها لتهبه مما اقتنت لنفسها ولتأخذ منه ما يعيدها لرشدها. وهو حقاً يسرق عقولنا وأفئدتنا على رغبةٍ منا لكي ننجو من خطايانا ورتابتنا ونزور عبر فنّه ولغته عوالم السحر والسر الحلال، وقد روى فضولنا وأجاب على أسئلتنا، فرضينا وأرضانا بوجود قدرة عليا يستمدّ منها ويعمل لصالحها، إنها قدرة الخالق الجليل وفنّه وجمال خلقته وروعة تفاصيل ما يسعد آدم وذرّيّته.
خاتمة: "عشرين عام" أيقونة من أيقونات الشعر والغناء العربي، أبدع فيها سعدون الجابر فأعطاها صبغة التميّز، فطار الشاعر وطار اللحن وطار الصوت في سماء الابداع الجميل الذي أطربنا لعشرين عام وما زال، والآن نجد بذور هذا التميّز تنمو من جديد بقصائد الشاعر مازن الشريف وألحانه وعبقريّته في الفن والموسيقى وتقديم الشعرعبرهما، فيعوّض مغادرة الشعراء منازلهم، ويأتي بوادي الشعر والجنّ بسحره إلينا، في نغمات تخفيها آلة الذكاء الاصطناعي تحوي نبضات وآهات الفن والشعر والإنسان، يخرجها مازن الشريف دافئة صارخة بالحياة كمولود ساعة ولادته، ناطقة بألحان تسقط للتّوّ من غيم الغناء مطراً صافياً مطهراً يونع الأرض، أرض القلوب اخضرارا، ويثمر الروح معرفةً وإبهارا، فتتجلى في عالم الصحو شمساً مشرقة تهزأ بالدبيب من الحشرات لو حاولت تضخيم حالها، ما يمسك بزمام الفلسفة والشعر والحكمة وبما لا يقف عند شطوط الموج بل يموج غوصاً وغطساً سابراً أعماق الذات، مُحضراً أسرار الأساطير في حلّة قدريّة استثنائية للذائقة البشرية وحافظة للفن العظيم. إنه الفيلسوف مازن الشريف…