…………
محاور الموضوع:
–قصيدة نزف وحرف… للشاعر مازن الشريف (دراستها – تحليلها– استخراج المعاني منها).
–من هم آل البيت في شعر مازن الشريف؟
في قصيدة (قُلْ للنّفسِ ذُوبي) للشاعر مازن الشريف.
– مشهد الطف كما تصوّره القصيدة (قُلْ للنفس ذوبي).
– الأولياء الصالحون وأقطاب الزمان من آل البيت كما تنوّه القصيدة.
– الشريف الرضيّ ومرثيّة الإمام الحسين.
– قصيدة “كربلا لا زلت كرباً وبلا” للشاعر: الشريف الرّضي، شرح القصيدة وتحليلها.
– بين مازن الشريف والشريف الرضي.
–كلمة ما قبل الختام.
–رسائل كربلائية بعنوان (وحدك) لمازن الشريف.
***
نزف وحرف
إلى قمّة المعنى…
عهدٌ قطعتَهُ في الهوى أتجدّدُهْ
أمْ أنّ أيّامَ الفِراق تبدّدُهْ
في عاشرِ الأحزانِ مِن شهرِ الأسى
صوتٌ يَصيحُ وذا الزمانُ يردّدهْ
هل ما زلت أيها الشاعر على عهدك الذي قطعته في حب الحسين وموالاته، تجدّد هذا العهد وتحفظ ذاك الولاء؟ أم أن طول البعاد ومفارقة الحدث في الزمان والمكان ستنهي هذا الوصال وتبدّد هذا الوئام؟
ففي العاشر من محرم سيظلّ هذا الصوت يردّد لحن الأسى لهذا الشهر الحزين الذي حمل ذكرى استشهادك.
(تساؤل الشاعر هنا استبعادي لما يسميه نسيان ذكرى الحزن (محاليّة النسيان) وتجديد عهد الولاء للإمام الحسين وملحمته العظيمة في الطف؛ كربلاء العراق).
في مَصرَعِ الأبطالِ في سُوحِ الوغى
في مشهَدٍ للسِّبطِ قُدِّسَ مشهَدُهْ
في كلِّ جرحٍ للحسين وما اشتكى
حرفٌ يضُجُّ له النبيُّ ومسجدُهْ
ففي ساحات القتال ومصارع الأبطال، ومشهد للسبط الإمام قُدِّسَ مشهده، في كل جرح للحسين وكل حرف اشتكى وضجّ بجرحه هي موضع لجراح النبي وسجداته. (الألم ليس ألم الحسين وحده بل ألم النبي وقداسة مصرعه وهو يُرمَى بالنبال وتتكاثف حوله السيوف ويستشهد تحت رزح الجراح ووطأة الألم فكأن النبي هو من يحصل معه ذلك، كل سهم يشهد بعظمتك وقدسية جرحك وشهامة موقفك أمام الله يا وريث النبي وحفيده وسبطه، إذ جرحك جرحه ومكان وجعك مسجده..
تتكاثرُ الكلماتُ حتّى كأنّها
سِفرُ الوجودِ وقد تألّمَ سيّدُهْ
والطّعنُ في صدرِ الإمامِ كأنّما
طُعِن الضّياءُ بِحقدِ ليلٍ يحسُدُهْ
تتقاذف الحروف وتتناثر الكلمات وهي تتوالد في وصفها لك حتى تغدو كأنها لوح الوجود وسجله المحفوظ في كتابه المسطور وقد تألّم هذا اللوح واهتزّ الكون لجريح موصوفه و سيده.
فهذا الطعن للرماح في صدر الحسين كأن الحقد استهدف الضياء كلّه وقد طعنه بحسدِ ليلٍٍ كاحلٍ أسود داج (استهداف الظلام للنور).
والطفُّ يشهدُ للذّبيحِ فمن ترى
يلقِي بنفسِه للمنيّةِ يُنجِدُهْ
روحي فداؤك يا حسينُ وإنّني
نزفٌ لجرحك ما فُتِئْتُ أضمّدُهْ
أرض الطف تشهد للحسين الذبيح، فمن ينقذ مَن ألقى بنفسه للموت؟! من سينجدك يا حسين، أقسم أني أفديك بروحي ، فأنا لست إلا جرحك النازف أكون له ضماداً وبحالي أفتديك وأنجدك .
وأضُمُّ نبضَكَ أحتويهِ وأقتفي
خيلَ السماءِ وأرتقيهِ وأصعَدُهْ
للآلِ حقٌّ في الورى لكنّهم
رميُ بأسهِم مَن يكيدُ ويجحَدُهْ
أضم نبضك يا حسين أحتويه وأنظر لخيول السماء الجامحة في جيشها المصطفّ وقد ترقّبت أمرك ، فأصعد حيث هي وأنظر نظرات ملائكتها تلك إليك (أنظر إليك من عل نظرة أهل السماء فأراك في هذا المشهد المهيب) .
وإنّ لآل البيت حق في الخلق لم يأخذوه، ومع ذلك طُعِنوا بسهام الحاقدين الجاحدين بدل أن يُعطوا هذا الحق، خُذلوا ، نُكِرَ حقهم وجحدوه . جاء في قول الرسول صلى الله عليه وآله: (حق علي على هذه الأمة كحقّ الوالد على ولده).
لا ريبَ ذا نورُ الحقيقةِ قدْ بدا
يَهدِي لِدِينِ اللهِ قلباً يَعبُدهْ
والحقُّ أجلى ما يكونُ لِمَن يرى
هذا كتابُ الّلهِ ذاكَ محمَّدُهْ
لا شك بأنّ نور الحقيقة قد بدا وظهر للعيان يهدي لدين الله الحق قلباً يعبد الله.
والحق واضح قد جلْاه الله في كتابه القرآن ورسوله محمد وآل بيته، لمن أراد أن يرى بحق ويعرف.
–هذه القصيدة بعنوان: “نزف وحرف… إلى قمّة المعنى..” إحدى قصائد الشيخ الشاعر الدكتور مازن الشريف . قد جدّد بها عهده لآل بيت رسول الله بالمحبة والزود عنهم، ووصف مشهد الإمام الحسين في الطف ينوء بجراحه وقد تمنّى الشاعر أن يفتديه متّخذاًمن نفسه ضماداً لجراحه، وأوضح أنّ جراح الحسين هو جرحح النبي و سجداته وقد تحوّلت في كل رميّة أصابته، جراح مقدسة من قدسية النبي والطعنات إلى الحسين هي طعنات لقلب النبي، ولكن كل طعنة تعادل سجدة. كما أشار الشاعر إلى حق آل البيت في الخَلق والذي تحول إلى سلب وخذلان، ولم يقف الأمر عند حرمانهم من هذا الحق بل تقتيلهم والنيل منهم بشتّى الطرق، ولكن الحقيقة واضحة والحق جلي في كتاب الله ورسوله محمد وآل بيته.
القصيدة ركّزت على معانٍ كثيرة ووفيرة وأضاءت وأضافت لما ورد في الكتب من الوصف والقصائد التي كُتبت، ولا عجب أن تأتي بشيء آخر وتُجدد، فالشاعر شيخ كبير وصوفي متبحّر وصاحب علوم لدنية وغيبيّة لم تكن لغيره من الشعراء، ما يراه لن يره غيره، والموضوع هنا ليس منافسة بل استعراض لعشاق آل البيت في الشعر وعرض ملحمتهم وخاصة ملحمة الإمام الحسين في كربلاء، فلو أتينا للشعراء سنجد هناك تقاطعات في الأفكار وخاصة مع الشاعر مازن الشريف ، فالقضية معروفة للجميع ومعطيات الحادثة الأليمة كلٌّ استعرضها كما سمعها بطريقته، ولكن للشاعر مازن الشريف خصوصية ما في المدد والإضافة كسلالة مباشرة وأمانة رسالة في تبنّي قضيتهم ونشر علومهم والزود عن حياضهم وإظهار مكامن لم تظهر من قبل وعرض حقائق ترجمها في شعره اختص بها بحكم دراسته للتاريخ كَمُحقّق ومُدقّق، فما بالك إن كان منهم ولهم وشاعر فطحل محبّ في ساحهم وبيتهم؟!
فمن هم آل البيت في شعر مازن الشريف؟ (علي وفاطمة، الحسن والحسين واقعة الطف– أولياء الله الصالحين)
في قصيدة بعنوان: قُلْ للنّفسِ ذُوبي. سنتعرف أكثر على أخلاق آل البيت كما وصفهم ابنهم الشاعر مازن الشريف، ذلكم الذين حُقَّ للنفس أن تذوب بهم وأن تعود إليهم، فهم خير مَن خلق الله، وهم منبع كل طَيّب وطِيب
بآلِ البيتِ قُلْ للنّفسِ ذُوبي
وأُوبي نحوَهُم أو لا تؤوبي
فآلُ البيتِ أخيارُ البَرايا
وآلُ البيت مَنبَعُ كلِّ طيبِ
هم أقمار النور والهدى، خير السلالة للحبيب المصطفى، فأمهم الزهراء المقدسة الطاهرة وقد تناهت في حسبها ونسبها الجميل باعتبارها ابنته، أم ذرّيّته، منها تكون ذرّيّة النبي. زوجها علي والد هذه الذرية من آل البيت، هذا التقيّ أسد الحروب. (يا علي أنا وأنت خلقنا من شجرة واحدة
روى الشيخ الصدوق في معاني الأخبار بسنده أنَّ أمير المؤمنين(ع) قال: ” إني كنتُ مع النبيِّ صلى الله عليه وآله في صلاة صلاها فضربَ بيدِه اليمنى إلى يدي اليمنى فاجتذبَها فضمَّها إلى صدرِه ضمَّاً شديداً ثم قال لي: يا علي، قلت: لبيك يا رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: أنا وأنت أبوا هذه الأمة، فلعنَ اللهُ من عقَّنا، قل: آمين، قلتُ: آمين “
وآلُ البيتِ أقمارُ الهداية
وهم نِعمُ السّلالةِ للحبيبِ
فأمُّهم المقدّسةُ البتولُ
سَمَتْ في الخَلقِ بالنَّسَبِ الحسيبِ
ووالدُهم أبو الهَيجا عليُّ
تقيُّ القلبِ ضرغامُ الحروبِ
في الإمامين السبطين الحسن والحسين عجز الكلام عن الشرح والتفصيل واحتار الفكر كيف يبدأ ويسترسل ويأخذ من هذا المدد الربّاني العجيب المعجز! فهما شهيدا الحق سيّدا شباب أهل الجنة، جبال الصبر لا تصل لأي مستوى من صبرهم خاصة أثناء المحن والكروب الكبيرة. فهما إماما الأمة يهديان للحق، فالهدي يسري بهما كالنسائم على الرمال. ( هنا التشبيه بالنسيم على الرمال دلالة الرقّة والرحمة والسماحة في طبعمها لجانب القوة والشدة والبأس، فإن كان زمنهما أغبر جاف كصحراء رملية قاحلة كانا هما كالنسيم العليل في رقّتهما ودماثتهما) وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ أبو سعيدٍ الخُدريُّ: أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال: “الحسَنُ والحُسينُ سيِّدَا شبابِ أهْلِ الجنَّةِ”،
وفي السّبطَيْنِ قد عجِزَ الكلامُ
وحارَ الفكرُ في المدد العجيبِ
شهيدا الحقِّ أسيادُ الجنانِ
جبالُ الصّبر في شدِّ الكروبِ
إماما أمّةٍ والهَدْيُ منهم
سرَى سرْيَ النسائمِ في الكَثَيبِ
يحرّك موتَ مَن فقدَ الحياةَ
ويُعطي السّرَّ للفَطِنِ الأريبِ
وهم سرُّ السَّعادة ِوالفََخََارِ
برَغمِ القتلِ أجدرُ بالنّحيبِ
هذا السرّ يحدث حياة في الموت فيحرّك موت من فقد الحياة، ويعطي سرّ ها كل ذكي عاقل يعرف كيف يتدبّر أموره. فهم سرّ السعادة والفخر، رغم ما يجري لهم من قتل أجدر بالحزن عليهم وندبهم والنحيب.
الانتقال إلى مشهد الطف كما تصوّره القصيدة:
حيث القتلى والسبايا ووجه السبط الحسين يُنكَّل بالقضيب يحرّكه المجرم يزيد.
ولكن رغم كل شيء يبقى نبضهم في كل جيل يعيد العزّ للشموخ المسلوب، فيبقى آل البيت يورثون الكرامة وتستردّ الأجيال عزّهم وكرامتهم المسلوبة والمنهوبة. فهم المنهج لكل حرّ شريف وهم دروس النصر ودروبه والمدد المؤيَّد من عند الله. أمن الغريب، قربهم أمان، فهم مأوى المشرّد الذي ليس له أحد وهم ملاذ الخائفين.
وذِكرُ الطّفِّ والقتلى، السّبايا
ووجهُ السَّبط يُنكَتُ بالقضيبِ
ولكنْ نبضُهم في كلِّ جيل ٍ
يردُّ العزَّ للشّرفِ السّليبِ
فَهم في الحقِّ منهجُ كلَّ حُرِّ
وبشرى النّصرِ والمددِ القريبِ
بآلِ البيتِ قد أمِنَ الغريبُ
فهم كنَفُ المشرّدِ والغريبِ
القصيدة تنوّه أن من آل البيت يكون الأولياء الصالحون وأقطاب الزمان:
آل البيت منهم يكون أولياء الله، ولن يفهم ذلك إلا كل فهيم فطن حادّ الذكاء يفهم بالإشارة ويدرك علوم العبارة. فهذا الولي القطب عبد القادر الجيلاني، سلطان الرجال منهم، (مؤسس الطريقة القادرية) سميَ بـ سلطان الرجال وسلطان الأولياء لِعِظَمِ مكانته العلميّة والروحيّة، وشدّة ورعه، وتأثيره العميق في النفوس، حيث اعتبره أتباعه وعلماء عصره سيداً للعارفين وقدوةً للمتصوفين وإماماً في الزهد والتربية الإسلامية. فقد عُرِف بجمعه بين علوم الشريعة الإسلامية والحقيقة الصوفية، وكان حازماً في إقامة حدود الشرع دون محاباة لأحد. كما عُرِف بأخلاقه العالية ومجاهدته الطويلة للنفس، والالتزام بالعزائم، وكثرة العبادة والورع. وحظي بمحبة وقبول تام من العامة والخاصة (السلاطين والفقراء على حد سواء)، لصدقه وزهده. واشتهر بالأدب والتواضع على الرغم من مكانته العظيمة فهو (الملقب بـ “الباز الأشهب“)،
قصائده وابتهالاته تتضمن العبارة الشهيرة “إنّ بازَ اللهِ سلطانَ الرجال“، والتي رسخت مكانته كقطبٍ بارز في تاريخ التصوف الإسلامي.
والولي العارف بالله أحمد الرفاعي الملقب بـ أبي العلمين، (أُطلق عليه هذا اللقب لأنه جمع بين علوم الشريعة الظاهرة والحقيقة الباطنة، ولأنه حمل لواء الغوثية مرتين، ويُعرف أيضاً بـ “شيخ الطرائق“) وذو العَلَمين من نوره يكون نبراس القلوب.
وكذا الشيخ أحمد البدوي له أسرار الشهود ما وصل به إلى أعلى مراتبها. و«الشهود» في علوم التصوف «مقام أو حالة روحية» يصل إليها السالك (المتصوف). تعني معاينة عظمة الله تعالى في مخلوقاته، أو الفناء عن شهود ما سواه. يُعرف أيضاً بـ “المشاهدة“، وهو ثمرةٌ لمقام الإحسان.
والشيخ الدسوقي أعطيت له مفاتيح الغيوب، مع أن هذه شؤون الله الغيبيّة ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ الأنعام 59. ولكن اختص الله أولياؤه وأحبابه بشيء منها. روى البخاري: ( مفاتيح الغيب خمس { إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير } (لقمان:34).
وابن مشيش قد أعطي المقام، يُقصد بعبارة “أُعطي المقام” في حق العارف “عبد السلام بن مشيش” بلوغه أعلى درجات الولاية والمعرفة بالله، وانتقاله في أطوار العبادة والزهد، في حين يُشير “المقام” الصوفي إلى حالة روحية أو منزلة يثبت فيها السالك، كما يُقصد به أيضاً المكان المادي الذي تعبد فيه. ويدل “المقام” في حياة المتصوفين على معنيين أساسيين: المعنى الروحي حيث منازل السائرين إلى الله (مثل: مقام التوبة، الصبر، الرضا، واليقين). وكلما ارتقى الوليّ من مقام إلى أعلى، زادت معرفته بالله.المعنى المادي (الضريح): يُقصد بـ “مقام ابن مشيش” المكان الذي اعتزل فيه الناس وتفرغ للعبادة والخلوة، وهو الكهف والمكان المتواجد بقنة جبل العلم، والذي أصبح اليوم مزاراً.
وابن مشيش هو أبو محمد عبد السلام بن مشيش، قطب المغرب وعالم متصوف عاش في القرن السادس الهجري، وهو الشيخ الروحي للإمام “أبي الحسن الشاذلي“، صاحب “الصلاة المشيشية“. وقد اعتزل الخلق في أواخر حياته للعبادة والمقام في جبل العلم بشمال المغرب حتى قُتل شهيداً، ويُعرف مقامه هناك برباط جبل العلم.
والشاذلي أعطي من طيب العلوم وفنها وعطرها. والشيخ عبد السلام الأسمر صاحب الحال له نشيد شجي كمثل الشفق أثناء الغروب .
(والإمام أبو الحسن الشاذلي هو علي بن عبد الله بن عبد الجبار الشاذلي (591 – 656 هـ / 1196 – 1258 م)، فقيه مالكي، ومؤسس “الطريقة الشاذلية“، وهي إحدى أبرز الطرق الصوفية التي انتشرت في العالم الإسلامي وتتميز بالجمع بين الشريعة والحقيقة.
ولد في قرية غمارة بالمغرب الأقصى، ونشأ في بيئة علمية وزهدية. تلقى علومه الأولى في بلدته، ثم رحل إلى تونس حيث تفقه وبرع في العلوم الشرعية.
تتلمذ على يد كبار العلماء والزهاد، وأبرزهم القطب أبي محمد عبد السلام بن مشيش في المغرب، والذي كان له الأثر الأكبر في تربيته الصوفية. امتاز منهجه برفض العزلة السلبية والتبتل الدائم، حيث كان يرى أن الصوفي ينبغي أن يعيش في المجتمع، ويأكل الحلال، ويشكر الله في السراء والضراء، وأسس مدرسته على قاعدة: “عنوان الطريق الأدب“. توافد على مجالسه في مصر أكابر علماء عصره مثل العز بن عبد السلام وابن دقيق العيد. استقر فترة في مدينة الإسكندرية بمصر حيث التف حوله المريدون، ومن تلامذته الذين حملوا راية طريقته من بعده المرسي أبو العباس. توفي الشاذلي في أوائل شهر ذي القعدة سنة 656 هـ بصحراء عيذاب (جنوب مصر) وهو في طريقه لأداء فريضة الحج، ودُفن في وادي حميثرة، حيث يقع ضريحه ومقامه الشهير هناك حتى اليوم. من مؤلفاته وأوراده: لم يترك مؤلفات كثيرة مكتوبة، بل ركز على التربية والتعليم والمجالس. اشتهرت الطريقة الشاذلية الصوفية ارتباطاً وثيقاً بـ الإنشاد الصوفي والمديح الديني، بينما لم يُعرف الشاذلي نفسه بالغناء الدنيوي. حيث أسس أدعية وابتهالات تسمى “الأحزاب” (مثل “حزب البحر“). وأصبحت هذه الأحزاب والأوراد تُردد في حلقات الذكر عبر ألحان روحية معينة، حيث يقوم المنشدون بارتجال قصائد دينية والمديح في حب الله ورسوله.
أما الوليّ عبد السلام الأسمر (توفي 981 هـ) هو أحد أبرز علماء المالكية ودعاة التصوف في المغرب الإسلامي. تنسب إليه في التراث الصوفي كرامات عديدة، أبرزها إرجاع فتاة تُدعى “عسيلة” ليلة خطفها فرسان مالطا، ومشاهدة الأنوار وطيور خضراء يوم وفاته، والاطلاع على علوم الغيب. اشتهر القطب الصوفي والعالم الرباني “سيدي عبد السلام بن سليم الفيتوري” بمكانته الكبيرة في الذاكرة الشعبية، كأحد أهم أركان الحركة العلمية والدعوية في ليبيا ومنطقة المغرب الإسلامي. ولا يزال الكثيرون من محبيه يلجؤون إليه بالدعاء والتوسّل طلباً للمدد والنجاة في الكربات، كما تحفظ الذاكرة الشعبية قصصاً لمن استنجد به ونجا من الشدائد. يُنظر إليه كأحد أهم أركان الحركة العلمية والدعوية في ليبيا ومنطقة المغرب الإسلامي).
–هؤلاء الأولياء هم الأسياد يصدق من جاءهم بعزيمة وصدق يروم علماً صادقاً ليس فيه خدع أو مراءاة العلم وادعائه.
وآلُ البيتِ أقطابُ الزّمان
وخُصَّ الفهمُ للذَّرِب اللّبيبِ
فذا الجيليُّ سلطانُ الرّجال
وذو العَلَمَين نبراسُ القلوبِ
وللبدويِّ أسرارُ الشّهودِ
وشيخُ دسوقِ مفتاحُ الغيوبِ
ولابنِ مشيشِ قد وُهبَ المقامُ
وشاذلةٌ لها عَبقُ الطّيوبِ
وشيخُ الحالِ أسمرُ ذو نشيدٍ
كَمثلِ الشّمسِ في شَفَقِ الغروبِ
همُ الأسيادُ يَصدُق مَن أتاهم
بِصدق ِالعزمِ لا خُدَع الكَذوبِ
نقترب بآل البيت من الله وننجو بتضرّعنا بهم ودعائنا لله من خلالهم، هم سُبُل تحصيل الخير و تيسير الدروب. بهم تُرفع مقاماتنا ويعظم شأننا ويأتينا كل فضل، وهم أسباب اللطف وغفران الذنوب.
هم في الله أحباب كرام معظّمون، يمشي القلب من خلالهم إلى الأمان أثناء الكوارث والأهوال كالشراع من السفينة هم.
بهِم لله أخلصنا الدُّعاءَ
لِنَيلِ الخيرِ تيسيرِ الدّروبِ
وفي رفْعِ المقامِ وكلِّ فضلٍ
وسترِ اللّطفِ، غفرانِ الذّنوبِ
فَهُم في الله أحبابٌ كرامُ
شراعُ القلبِ في لُجَجِ الخطوبِ
كُتبت هذه القصيدة في كربلاء العراق تاريخ
30/09/2018 15:07
ومن مازن الشريف إلى الشريف الرضيّ ومرثيّة الإمام الحسين:
برز الشريف الرضي (ت 406 هـ) كواحد من أعمق الشعراء تفاعلاً مع مأساة كربلاء، حيث سكب حزنه ولوعته في ديوان الشريف الرضي عبر قصائد خالدة تفيض باللوعة، مستحضراً تفاصيل المصاب العظيم والموقف البطولي للإمام الحسين (عليه السلام).
ومن أبرز قصائده في رثاء جده سيد الشهداء:
– قصيدة “راحل أنت والليالي نزول“:
نظمها الشريف الرضي سنة 387 هـ، وهي قصيدة تأمّلية وعميقة في رثاء الإمام الحسين (عليه السلام). يتحدّث فيها عن حتميّة الفناء، ويستنهض فيها الهمم لاستلهام العِبر وأخذ الثأر ليوم الطف. ومطلعها:
رَاحِلٌ أنْتَ ، وَاللّيَالي نُزُولُ
وَمُضِرٌّ بِكَ البَقَاءُ الطّوِيلُ
– قصيدة “صاحت بذودي بغداد“:
قصيدة يمتزج فيها الحنين للوطن والذكريات، وهي من روائع القصائد التي تنشد في مناسبة يوم عاشوراء وتصور ثبات الشاعر وموقفه المبدئي تجاه قضايا أمته، ومطلعها:
صاحَت بِذَودِيَ بَغدادٌ فَآنَسَني
تَقَلُّبي في ظُهورِ الخَيلِ وَالعيرِ
– قصيدة “كربلا لا زلت كرباً وبلا“:
وهي من أخلد قصائد الرثاء في الإمام الحسين (عليه السلام) ومعركة الطف حيث تقع في (64) بيتاً، نظمها الشاعر العباسي البارز الشريف الرضي في الحائر الحسيني. تصف القصيدة بحرقة المأساة، مستعرضة هول الفاجعة، وعطش الشهداء وأهل بيته، ومصيبة آل المصطفى، مستنكراً فعل الطغاة بسبط الرسول. ومطلعها:
كَربَلا لا زِلتِ كَرباً وَبَلا
ما لَقي عِندَكِ آلُ المُصطَفى
يدعو الشاعر فيها دعاءه المقهور على كربلاء أن تبقى كرباً وبلاء بعدما حصل ما حصل من مآتم وأحزان لآل بيت النبي فيها فالكل يعلم بملحمة الإمام الحسين واستشهاده هو مع أهله و أولاده وخلّص أصحابه من قتلٍ وتذبيح وتنكيل.
شرح الأبيات وتحليلها:
كربلا، لا زلتِ كرباً وبلا … ما لقي عندكِ آلُ المصطفى
يخاطب الشاعر أرض كربلاء داعياً عليها بأن تبقى موطناً للحزن والمصائب (الكرب والبلاء)؛ وذلك لما شهدته من فاجعة عظيمة ألمت بآل بيت النبي محمد (صلى الله عليه وآله).
كم على تربكِ لمّا صُرِّعوا … من دمٍ سالَ ومن دمعٍ جرى
يشير إلى كثرة القتلى الذين سقطوا على أرضها، حيث امتزجت دماء الشهداء الطاهرة بدموع البكاء والحسرة التي ذرفها الأهل والأصحاب.
كم حصانِ الذّيلِ يروي دمعُها … خدَّها عند قتيلٍ بالظّمأ
يصور الشاعر حال النساء الحرائر (حصان الذيل)، اللواتي كنّ يبكين بحرقة ويسكبن الدموع على خضاب وجوههنّ حزناً على قتيلٍ سقط شهيداً وهو يتجرّع مرارة العطش الشديد.
تمسحُ التّربَ على إعجالِها … عن طُلى نحرٍ رميلٍ بالدّما
تصف الأبيات هلع النساء وهنّ يمسحن التراب بعجالة عن أجساد وأعناق الشهداء التي تلطخت بدماء التضحية والفداء.
وَضُيوفٍ لِفَلاةٍ قَفرَةٍ…. نَزَلوا فيها عَلى غَيرِ قِرى
الشرح: يصف الإمام الحسين وأصحابه بأنهم كانوا ضيوفاً في صحراء قاحلة (فلاة قفرة) نزلوا فيها دون أن يجدوا ضيافة أو ترحيباً، بل قوبلوا بالسيوف وحيل بينهم وبين الماء.
لَم يَذوقوا الماءَ حَتّى اِجتَمَعوا…. بِحِدى السَيفِ عَلى وِردِ الرَدى
الشرح: يؤكد الشاعر على المعاناة القاسية للحسين وأصحابه في الحصول على الماء، حيث حُرموا منه تماماً، ولم يذوقوه حتى التقى بهم الأعداء في ساحة المعركة، فساقوهم بحدّ السيوف إلى “ورد الرّدى” أي إلى الموت الزؤام.
غَسَّلوهُ بِدَمِ الطَعنِ وَما … كَفَّنوهُ غَيرَ بوغاء الثَرى
الشرح: يختم الشاعر هذه المشاهد المؤلمة بوصف جسد الإمام الحسين، مبيّناً أن دماء الشهادة كانت هي الغُسل الذي تطهّر به، وأن تراب الصحراء الساخن (بوغاء الثرى) هو الكفن الوحيد الذي لفّ جسده الشريف الطاهر لعدم وجود كفن.
–طبعاً القصيدة ملحمة في الوصف تذكر الملحمة الحقيقية بكل حذافيرها محيطة بتفاصيلها وملمّة بأطرافها. وهذه بعض أبياتها لكن لمن أراد الإطلاع عليها فهي من أشهر القصائد المنشورة والمعروفة.
أما عن قيمتها الأدبية:
فتتميز هذه القصيدة بالسبك القوي، واللغة العاطفية الجيّاشة التي تجعل القارئ يتخيّل ويستقرئ حجم المأساة. وقد تفنّن الشريف الرّضي في استخدام الصور البيانيّة والمحسّنات البديعيّة، حيث وظّف الحزن والأسى لإظهار التعاطف المطلق مع قضيّة الإمام الحسين وأهل بيته.
القصيدة فيها إدانة شديدة ونبرة قاسية وتعبير مؤلم لما جرى:
لَيسَ هَذا لِرَسولِ اللَهِ يا
أُمَّةَ الطُغيانِ وَالبَغيِ جَزا
جَزَروا جَزرَ الأَضاحي نَسلَهُ
ثُمَّ ساقوا أَهلَهُ سَوقَ الإِما
والقصيدة تظهر حجم انتقام الحاقدين من الإمام الحسين وآل البيت:
أَدرَكَ الكُفرُ بِهِم ثاراتِهِ
وَأُزيلَ الغَيِّ مِنهُم فَاِشتَفى
يا قَتيلاً قَوَّضَ الدَهرُ بِهِ
عُمُدَ الدينِ وَأَعلامَ الهُدى
قَتَلوهُ بَعدَ عِلمٍ مِنهُمُ
أَنَّهُ خامِسُ أَصحابِ الكِسا
وَصَريعاً عالَجَ المَوتَ بِلا
شَدَّ لَحيَينِ وَلا مَدَّ رِدا
كما تكشف القصيدة عن أنوار آل البيت التي استهدفوها :
تَكسِفُ الشَمسُ شُموساً مِنهُمُ
لا تُدانيها ضِياءً وَعُلى
وَتَنوشُ الوَحشُ مِن أَجسادِهِم
أَرجُلَ السَبقِ وَأَيمانَ النَدى
وَوُجوها كَالمَصابيحِ فَمِن
قَمَرٍ غابَ وَنَجمٍ قَد هَوى
غَيَّرَتهُنَّ اللَيالي وَغَدا
جايِرَ الحُكمِ عَلَيهِنَّ البِلى
ويستغرب الشاعر كيف لم تنقلب الأرض لهول المصاب:
يا رَسولَ اللَهِ يا فاطِمَةٌ
يا أَميرَ المُؤمِنينَ المُرتَضى
كَيفَ لَم يَستَعجِلِ اللَهُ لَهُم
بِاِنقِلابِ الأَرضِ أَو رَجمِ السَما
لَو بِسِبطَي قَيصَرٍ أَو هِرقِلٍ
فَعَلوا فِعلَ يَزيدٍ ما عَدا
وتظهر القصيدة حالة القتل والسبي، وأبشع الجرائم بحق أحفاد النبي ما يستنكره العقل ويمزّق القلب والأحشاء ويثير أحزان النبي:
يا رَسولَ اللَهِ لَو عايَنتَهُم
وَهُمُ ما بَينَ قَتلى وَسِبا
مِن رَميضٍ يُمنَعُ الذِلَّ وَمِن
عاطِشٍ يُسقى أَنابيبَ القَنا
وَمَسوقٍ عاثِرٍ يُسعى بِهِ
خَلفَ مَحمولٍ عَلى غَيرِ وَطا
مُتعَبٍ يَشكو أَذى السَيرِ عَلى
نَقِبِ المَنسِمِ مَجزولِ المَطا
لَرَأَت عَيناكَ مِنهُم مَنظَراً
لِلحَشى شَجواً وَلِلعَينِ قَذى
استمرارية عزاء الحسين وحزن النبي وذكر فضائل آل البيت:
لَو رَسولُ اللَهِ يَحيا بَعدَهُ
قَعَدَ اليَومَ عَلَيهِ لِلعَزا
مَعشَرٌ مِنهُم رَسولُ اللَهِ وَال
كاشِفُ الكَربِ إِذا الكَربُ عَرا
صِهرُهُ الباذِلُ عَنهُ نَفسَهُ
وَحُسامُ اللَهِ في يَومِ الوَغى
أَوَّلُ الناسِ إِلى الداعي الَّذي
لَم يُقَدِّم غَيرَهُ لَمّا دَعا
ثُمَّ سِبطاهُ شَهيدانِ فَذا
بَحَسا السُمَّ وَهَذا بِالظُبى
وَعَلِيٌّ وَاِبنُهُ الباقِرُ وَال
صادِقُ القَولِ وَموسى وَالرِضا
وَعَلِيٌّ وَأَبوهُ وَاِبنُهُ
وَالَّذي يَنتَظِرُ القَومُ غَدا
الافتخار بالآل جبال المجد واستذكار مكارمهم فهم الدين قد نزل بهم :
يا جِبالَ المَجدِ عِزّاً وَعُلى
وَبُدورَ الأَرضِ نوراً وَسَنا
جَعَلَ اللَهُ الَّذي نابَكُمُ
سَبَبَ الوَجدِ طَويلاً وَالبُكا
لا أَرى حُزنَكُمُ يُنسى وَلا
رُزءَكُم يُسلى وَإِن طالَ المَدى
قَد مَضى الدَهرُ وَعَفّى بَعدَكُم
لا الجَوى باخَ وَلا الدَمعُ رَقا
أَنتُمُ الشافونَ مِن داءِ العَمى
وَغَداً ساقونَ مِن حَوضِ الرَوا
نَزَلَ الدينُ عَلَيكُم بَيتَكُم
وَتَخَطّى الناسَ طُرّاً وَطَوى
آل البيت سفينة الفوز والنور، مضلّ طريقهم في النار:
أَينَ عَنكُم لِلَّذي يَبغي بِكُم
ظِلَّ عَدنٍ دونَها حَرُّ لَظى
أَينَ عَنكُم لَمُضِلٍّ طالِبٍ
وَضَحَ السُبلِ وَأَقمارَ الدُجى
إعراض النبي يوم القيامة عن ظالمي آل البيت ممن لم يراع حرمته وانتهك حق لهَ وبدّل دينهه، وشكواه ذلك لله:
أَينَ عَنكُم لِلَّذي يَرجو بِكُم
مَع رَسولِ اللَهِ فَوزاً وَنَجا
يَومَ يَغدو وَجهُهُ عَن مَعشَرٍ
مُعرِضاً مُمتَنِعاً عِندَ اللُقى
شاكِياً مِنهُم إِلى اللَهِ وَهَل
يُفلِحُ الجيلُ الَّذي مِنهُ شَكا
رَبَّ ما حاموا وَلا آوَوا وَلا
نَصَروا أَهلي وَلا أَغنَوا غَنا
بَدَّلوا ديني وَنالوا أُسرَتي
بِالعَظيماتِ وَلَم يَرعَوا أَلى
لَو وَلي ما قَد وَلوا مِن عِترَتي
قائِمُ الشَركِ لَأَبقى وَرَعى
نَقَضوا عَهدي وَقَد أَبرَمتُهُ
وَعُرى الدينِ فَما أَبقوا عُرى
حُرَمي مُستَردَفاتٌ وَبَنَو
بِنتِيَ الأَدنَونَ ذِبحٌ لِلعِدى
أَتُرى لَستُ لَدَيهِم كَاِمرِئٍ
خَلَّفوهُ بِجَميلٍ إِذ مَضى
رَبِّ إِنّي اليَومَ خَصمٌ لَهُمُ
جِئتُ مَظلوماً وَذا يَومُ القَضا
–القصيدة من لآلئ الأدب ودرر المحبة في آل البيت عليهم السلام، والشريف الرضي شاعر سيد وشريف يعود نسبه إليهم، فمحبتهم تجري في دمائه ولا عجب ممن ينتمي إليهم أو ينتسب نسباً أو نسبة محبة لهم أن ينطق بهم ولهم بهذه الأبيات المصوغة من ذهب الولاء.
بين مازن الشريف والشريف الرضي:
من يقرأ للشريف الرضي ولمازن الشريف يجد تقارباً شديداً في النمط الشعري واللغة القوية ومتانة السبك اللغوي، ويجد تهذيباً في الصياغة ورقي في التعبير وفخامة في الألفاط، وحين سألنا الذكاء الاصطناعي عن أوجه الشبه بينهما أجاب إجابة شافية وذكر نقاط مهمة جداً تجمعهما رغم اختلاف الزمن والمرحلة والعصور، وهذا إن دلّ على شيء يكون قدّ دلّ على الأصالة الانتمائية الصادقة لآل البيت، وعلى عظمة موروثة وهيبة لشخصيات لن تنقطع في عشقها وولائها للنبي وآله.
أوجه الشبه بينهما تُلخّص في نقاط محددة أبرزها النزعة الصوفية، والاهتمام بالأدب، والارتباط بآل البيت.
النزعة الصوفية والعشق المحمدي:
تميز كلاهما بتجليات روحية عميقة ومحبة فائقة للنبي ﷺ وآل بيته. كتب الشريف الرضي عيون الشعر في مدحهم، بينما عُرف مازن الشريف بكتاباته وقصائده في التصوف ومدح الرسول ﷺ، وتتلمذه في “الدروس البرهانية“.
الجمع بين الأدب والفكر:
كلاهما لم يقف عند حدود الشعر والأدب فقط، بل امتد للاهتمام بالدراسات الفكرية والفلسفية. الشريف الرضي برع في تفسير القرآن وبلاغته، ومازن الشريف خبير استراتيجي وباحث له مؤلفات عديدة في علوم الدين والفلسفة والأمن الشامل.
الانتماء للدوائر العلمية:
كلاهما كان له حضور بارز في عصره؛ فالشريف الرضي كان نقيباً للطالبيين في بغداد ومرجعاً في عصره، بينما ظهر مازن الشريف في وسائل الإعلام كمفكر وباحث تونسي، مقدماً المحاضرات والتحليلات.
كلمة ما قبل الختام:
ونحن إذ نفرح بوجود شاعر عظيم مثل مازن الشريف، لا يقف عند حدود قول الشعر؛ بل يلتزم بالقضايا المصيرية والإنسانية، حامل لمشعل القيم والمبادئ الدينية، وعلى عزمٍ مديد في حمل الرسالة المحمدية وعشق آل بيت رسول الله ونشر علومهم المحمديّة.
ولو أن الملحمة الحسينية لن تنتهي هنا في حديثنا، فما زال في جعبة الشاعر مازن الشريف الكثير من القصائد والقلائد الذهبيّة النقيّة من خامة المحبة الحسينية، نذكرها إن شاء الله لكن الآن نكتفي بهذا القدر، ونختم محطّتنا هنا برسائل كربلائية خطّها الأديب مازن الشريف بتاريخ 27/08/2022 ستبقى نثريات الدمع ومواجع الأدب تتردّد صداها عبر الزمن أغنية للأسى بحروفٍ مخلَّدَة تفوح بالإيمان الشذى والندى … على مرّ الزمان وأبد الدهور وبحور المدى.
وحدكَ
وأنتَ تقفُ وحدَك…
وقد قُتل كلُّ الذين تحبُّهم..
إلا عليلٌ وجريح (١)
وأنتَ تنظُرُ إليهِم…
وسهامُ نظراتِهم أشدُّ من سهامِ نبالِهم.
ورماحُ كلماتِهم أعنفُ من رماحٍ في أيديهِم..
يرمونَكَ بها…
ويرمونَ بها فلذاتِ أكبادِك وأبناءَ أخيكَ، وإخوتَك…
وخلُّصَ أنصارِك.
وأنت ترى ذلكَ الحقدَ والكفرَ، وكلَّ تلكَ الشّياطين..
تجتمعُ لقتلِك…
وخلفَ الحجابِ جيوشُ الملائكة…
غاضبةٌ مستنفرةً قد اصطفّتْ صفّاً صفّا…
أشهرتْ سيوفَها…
وأخرجتْ أسلحتَها…
وتشكّلتْ في مقامِ الجبروتِ…
وأزّتْ سفنَها في مجامعِ الملكوت…
تريدُ أنْ تلبّي نداءَك…
وأنتَ تهتُفُ: “مَنْ لنا في هذا اليوم،
من يذودُ عن حرماتِ رسولِ الله“…
لكنّها لا تقوى أنْ تتحرّكَ…
لأنَّ اللهَ أحبَّ أن يراكَ شهيدا.
وأنتَ تقفُ وحدَك…
وتُشيحُ بنظرِكَ إلى الشّهداء…
وترى الأجسادَ الزّكيّةَ مُضرَّجةً بالدِّماء…
وتسمعُ صرخةََ عليّ الأكبر.
وتضمُّ ابنَ أخيكَ الأصغر.
وتحمُلُ ابنَكَ الرضيعَ قد رُمِيَ بِسهمٍ في حنجَرتِه.
وتسمعُ صرخةََ أخيكَ العبّاسِ وقد قُطع كفّاه.
وتنظُر تلقاءَ زينبَكَ وبناتِك ونسائِك.
وتعلمُ أنهنَّ سيسبينَ بعدَ قليل…
بعد أنْ يحتزُّ الشَّقيُّ رأسَك…
وأنَّ خيلَهم ستعافِسُ جسدَكَ الطاهرَ…
وأنَّكَ محمولٌ على رماحِهِم.
وأنتَ تقفُ وحدَكَ…
وتعلمُ أنَّهُ لا يقفُ على الأرضِ ابنُ نبيّ،
وابنُ وصيّ، ولا ابنُ بنتِ نبيّ، سواكَ.
لم تكن تقفُ وحدَك…
كنتُ أقفُ بجوارِك…
وكلُّ أرواحِ الصّالحينَ كانتْ تقفُ بجوارِك..
أرواحُ عشّاقِكَ أجمعين…
وروحُ جدِّكَ وأبيكَ وأمِّك…
وأخيكَ وعمِّك…
والأنبياءُ جميعاً معكَ كانوا يقفون…
وجبريلُ وإخوتُه، وما لا يعلمُون…
وكانَ اللهُ يقفُ معك…
يراكَ، وتراهُ روحُك…
يدعوك إلى جنّةِ الخلد…
ويحبُّ أن يراكَ شهيدا
يا عرسَ الشّهادةِ السّماويّ
يا مظهَرَ العشقِ الإلهيّ
يا قمّةَ التجلّي النبويّ
يا مددَ الكبرياءِ العلويّ
يا نورَ الجمالِ الفاطميّ
يا خلاصةَ السّرّ الحَسَني
يا ساقيَ الشموخِ الزينبي
يا ألقَ الإباء الهاشميّ
يا موعدَ الظُّهورِ المَهدوِي
يا حُسين…..
مازن الشريف رسائل كربلائية
(١) العليل عليّ زين العابدين أُصِيبَ بالحمّى، وخرج حاملاً سيفه فصرخ الحسين بزينب أدخليه أو لا يبقى من آل محمّد أحد. فكان الناجي الوحيد من ذريّة الحسين.
والجريح الحسن المثنى بن الإمام الحسن تزوّجَ السّيّدة فاطمة النبويّة بنت الإمام الحسين، وجرح في كربلاء وحسبوه مقتولاً ثمّ أنجاه الله فكان الناجي الوحيد من ذريّة الحسن.
ومن هذين العظيمَين الكريمَين كانت سلالة السّادة الأشراف، رغم التقتيل الكبير الذي سيعقب كربلاء مثل وقعة فخ…
وهكذا…. حتى يخرج المهدي….





