محاور الموضوع الأساسية:
- القصيدة (سيرحمني الله)
- نظرة على القصيدة
- تعريج على بعض معاني القصيدة
- جوهر القصيدة في القرآن
- محاور القصيدة
- قيمة الفكرة وهدفها
- ماذا أضاف مازن الشريف؟
- أسلوب المعالجة والشعر
- ألفاظ القصيدة
- نوع القصيدة
- من هو العاشق في القصيدة ومن هي الحبيبة؟
***
“سيرحمني الله” ! سيطلع علينا الشاعر مازن الشريف في هذه القصيدة بفلسفة جديدة في الشعر وتفسير العشق، إذ يتقمّص دور آدم لينطق شعوره عن نفسه وحبيبته وقد عرف قدر الفراق، ويهوّن الأمر بأن يتبع فلسفة الإنصات للرحمة الإلهية فيقول: سيرحمني الله ويعينني على هذا الدرب، فلن يحرمني منكِ وسيجعلني أراك في أشياء كثيرة وأصل إليك وتبقين معي تجرين في دمي صبابة من عشق، وتسيرين في دربي أيام السلم والحرب، فأنت تكونين أنا وأنا أنت لا ننفصل أبداً إلا لعبرة شوق الحياة بأن تعيش تجربة الحب والأساطير حيث التمظهر بالحنين، فإن صرتُ أنا الكشف كنتِ أنتِ التجلي. وهذه المعاني لا يمكن أن تكون وتصير لولا مرحلة البعد وتجربة الانشقاق، حيث الوحدة والانفصال، القرب والبعد، ثم عودة زمن الوصل والعودة للنشأة الأصل في الاتحاد وتماهي الروح والجسد، بل وتفاصيل الروح بينها وبين ذاتها وإتصال الأرض بأبعاد السماء. هذه الرحلة التكاملية عبر التفصيلية هي سر إبداع الحياة وإيداعها حيث الرجال واحد سرّهم الأول في آدم وحيث النساء جميعهن واحدة منشأهن حواء.
وحيث يتماهى الشاعر مع آدم وينفصل عنه ليتكلم عنه وبه، ويخاطب حبيبته كأن آدم من يخاطبها، فهي منفصلة عن حواء لكنها سرّها تعيش بها تجربة الحب والأنوثة وقد حملت جينات المرأة الأولى التي تفرعت إلى جميع النساء وبلحظة تختصر بها بواحدة كل النساء.
في قصيدته “سيرحمني الله” سيذهب الشاعر مازن الشريف إلى أبعد حدود المدى في معراج الكلمة ليقطف لنا أحلى المعاني والصور من جنّة الحرف في عالم الروح وسدرة المعنى.
فمن يكون كهذا الشاعر في تسلّقه عتبة الأفق الأعلى للمغزى وإذكائنا من قبس نورٍ ولبّ وحبٍّ ورضا، مايصير قاب قاب قوسين أو أدنى من عرش لدنيّة العبارة ورحمانية الفكرة، إذ التجلّي لا يكون إلا لذوي أصحاب القرب والنهى، لمن ذاق واشتاق ورحل في مواطن الذات واخترق بالروح طبقات الفكر وحُجُب الصفات فنظر ورأى فتراءى له مما تجلّى ما تجلّى وأتى بطلسم الشعر يفك رموزاً السحر ما لُغِّزَ بتهاويم وصدى، يفتح باب سرّها، يقرأ شرح سطورها مما يلذّ للذوق ويسمو بالإنسان إلى رتبه الأرقى.
والصوفي مازن الشريف، فيه من غرابة الجمال ما يبدو هادئاً مطمئناً كقمر في ظلمات، مشعّاً مستقرّاً، واثقاً كشمس عرفت قدرة الذات فكانت بأمر ربها آية للعالمين. يكشف عن حضارة الروح، يترجمها بأحرفٍ من لغات بعدما كانت في دهاليز الأسئلة مغلقة لسنوات وأجيال، يفكّها، يهندسها شعراً ويدنيها لطفاً فتتهاطل على العباد سحباً من غيث المحبة وندى المعرفة وثمار الأمنيات.
… ….
نظرة على القصيدة:
سيرحمني الله إن كنتُ حيّاً أو ميّتاً في حبكِ، ولن يدعني لحيرتي، ففي حضنك الأول حيث كنت سيكون الله معي في هذه السعادة الغامرة إذ اختارني لأعيش هذه التجربة وأيّدتُ عاشقاً هذا الاصطفاء والاختيار، وكذلك سيعينني حين يقرر لي أن أعيش تجربة الهجر وأترك تلك الأنامل الرقيقة وأنهار أثناء وداعها لي، فكيف لكفّيك الرقيقتَين الناعمتين أن تودّعاني لأعيش رحلة التيه والضياع من دونها؟! سيعينني الله ويرحمني في كلا الموقفَين.
-سيرحمه الله حين يودّع حبيبته، ويهيّء له وسائل اللطف والرحمة، هذه الوسائل ستكون بالصمت والبوح حسب الحالة والموقف، والحب سيمضي بالعاشق في غيابها نحوها على جناح الغيم فيغدو مطراً يبوح به وغراماً وحنيناً يتهاطل صبابةً وشوقا.
وستأتي الروح بالحبيبة عبر الحلم الطافح بالألغاز فتعود التساؤلات وتتشكّل الأحجيات، ولن تغيب عنه، ستكون في كل لون، سيراها في لون الورد، وفي ضحكته، في جمال الأمنيات، ولن ينفصل عنها، كل شيء سيذكره بها ويعيدها إليه، فتحيا به وتطلع من كل غيمة وأغنية وعطر زهرة، تلوّن حياته بلونها، تلوح له بطيفها، تصبغ شخصه وأيامه بصبغتها.
*والشاعر لا يفصل بينه وبين محبوبته، هما ذات الجِبلّة والتكوين، هو يكون هي أحياناً وهي تكون هو الآخر، ظلّه، انعكاسه، وكذلك هو ظلّها في أحيان، يتناوبان الحال حسب التموضع والاتجاهات. يظهران كالحقيقة وظلَّها، وجهها الأخر. لكنّ الدائم هو أنها بوصلته، ومكانه الذي يتّجه إليه، يبتغي وصوله، لا يتحرّك إلا في اتجاهها، طالما هي ظلّ له وصدى منه فيه.
*وهي احتمالية انتهائه حين يصلها، فالنار تبقى مشتعلة إلى أن تجد الماء الذي يطفئها، ونهايته قد تكون على جيدها (عنقها) المرمري الجميل حين يعانقه، يذوب حبّاً وشغفاً فلا يبقى له أثر، ينتهي فيه. هي روعة التكوين، يناديها بنداء مباشر “أنتِ يا روعة الأنت” النداء القريب الأجمل الخاص به. لولا حنين الحياة لتشكيل خلق آخر جديد واشتياق لقاء الحياة للأساطير ماحصل معه ومعها من البعد والفراق بعد تشكّلهما الوحدوي الذاتي في جِبلّة واحدة. انفصلا ليكونا الواحد والآخر، ليريا بعضهما ويشعرا أكثر! وافترقا لأن الحياة احتاجت لأن تصنع منهما الحكايا الجميلة، أن تعيش من خلالهما قصة العشق الدائمة رغم التحوّلات مختصرها البعد واللقاء، الظهور والغياب، يحركهما الشوق ويتلاعب بهما الحنين، وتشغلهما الصبابة، تقرّبهما في لهفة للاتحاد من جديد بعد تجربة الانفصال والشوق فتتفعّل الحياة بهما مولّدة قصص الحب وأساطير العشق والعاشقين. .
*سيرحمني الله، فأنا أجسّد جميع الرجال في آدم، عشقه الأول وصبابته مزروعة بلحمي، مغروسة بدمي. وكذلك شعر جميع الذين جنّوا من العشق يكون بي يحتويني وأحتويه، عدا عن وَلَه وتيه البسطاء وتوهان الضعفاء المساكين حين يغيبون في غابة من الحزن واللوعة والوحشة والبكاء، كله أعيشه وأحياه في دمي يجري مجرى الحياة.
*والحبيبة هي جميع القصائد التي يكتبها هذا العاشق الشاعر وكذلك هي الدموع التي تسيل على الوسائد في ساعات الحزن والجوى، الحبيبة كذلك تختزل في شخصها جميع النساء، فكما هو رجل يحمل في جيناته سرّ جميع الرجال فهي امرأة تحمل في كنهها فطرة وسرّ جميع النساء.
*أنت يا حبيبتي أصلي في الأرض “جذوري” ، أساس البداية وجذعها، منها نشأت، وتفرّعتْ أغصاني العديدة التي وصلت الألف، وأنت الخلّ والإلف الدافئ، وما سطّره لي الحب ليكتبني في سطوره حيث أراد وشاء.
وأنت أكثر من ذلك عدا عن كونك جذوري في الأرض وتفرّع جسدي منك لذريّة في أغصان وذريّة فأنت كذلك التفاصيل بين روحي وروحي، تختزلين المسافة ولا تقيدك أرض أو حدود؛ تنطلقين بي حيث الأبعاد الأخرى، جسر يصلني بين الأرض والسماء.
*هي حواء: الغناء في قلب أدم.، مواويل من الريح التي تهب فتثير الأشياء وتقلب موازينها استعداداً للتغيير والبدء بمرحلة نخاف البدء فيها من دون ريح تحركها. وهي التي تشبّب وتطلق المزامير بشرر لهيب نيرانها واشتعالها، موسيقى لحنها كنايات الماء تُحرك بشجوها الروح ويتكلم بلغتها، تحركها العناصر فتتكلم لغتها عبرها. وهذه الأنثى هي الصبابة ينجبها الفجر ثم يقتلها في المساء، فهي إن بدت حيناً تغيب أحياناً وإن تحدّى الفجر بها وأتى بها أخذها عنوةً واغتالها جمالأً وتغييباً المساء!
*وهذا الآدم الرجل العاشق الذي هُجِّرَ حبيبته سيرحمه الله في غيابها ويبقى يتذكرها في مسيرة دربه وعشقه الطويل، يساعده لون الحب يلوّن به رايات سلمه وحربه فيبقى معه يعينه في الانتصارات والهزائم، في الفرح والحزن، في السلم والحرب، يأبى أن يغادره.
*سيرحم الله هذا المتيّم حيث كُتِبَ على دربه أن يسير في العشق، وإذ تتلّون مراحل حياته بالحب فتشرق شمس الصباحات تعلن البدايات وإشراق نهار فيه من نعيم التجدد المستمر حيث تكون معه بقربه. فلا ملل ولا يأس ولا وقوف بالمكان بل سير وإبداع بكل فنون وجميل الحياة.
فأنا يا حبيبتي أكون الموج لحبك أتحرّك بك فيحرّكك ويتولد منه التيارات المندفعة لعمق الحياة وشاطئها. وأنا ظلك يا ثباتاً دائماً في كينونتي متجذرة كشجرة بي، أنحدر من جذعك بك أتفرع، فيّ تنهضين بنسغك وتأتين بالألف من الأغصان والشجر،إذ أصير إلفك وخلك يا إلفي وظلي وكلّي وبعضي، أنا منك بعضك، كلك كلانا واحد، منه المجزوء ومع بعض نكتمل، منذ البدء كنا ونبقى هكذا خلقنا الله وجبلنا في جبلّته الأصل والطهر والبقاء، نتحول، نتبادل الأدوار لكننا لا نتغير بالأصل والحب والثبات في الخلق والخلقة والنشأة . فأنا أنتِ أصعد مع الغيم الذي يصلّي، أصلي لأصل إليك، في مائه أنهمر عليك خيراً وغيثاً لأرضك يصلك.
*في غرامك وجدت القدسيّة، إذ عدت متوحداً بجمالي وصفائي، أتحدت بك يا طهري فلم يبق ازدواج ولا ضدّ، تماهينا وعدنا كائناً من اطمئنان وبهاء تخلّصَ من الندّيّة والتنافس والصراع والتناقض، علّمتِ قلبي كيف يتخلّى عن كل ماهو غير لائق ومحبّذ، نقّاني حبك وأعادني كالثوب الأبيض الخالي من الدنس، فانكشف لي ماكان مستوراً وفتح لي الحجاب فعرفت قيمتي ورأيت حالي مكتملاً متكشفاً بسرّ التجلي تُفتَح لي أبواب الحجب، يا سببي في الاكتمال والتجلي المطلق الجميل في الله.
تعريج على بعض معاني القصيدة:
حملت القصيدة العديد من المعاني؛ باهظة الثمن والقيمة والتي لا يمكن أن تشتريها النفس ويراها القلب ويعقلها العقل إلا في هذا المعروض النفيس للشعر المازني المزني، حيث العلوم اللدنية الكشفية الخضرية واللغة السهلة المستساغة، لذيذة المشرب صافية المصدر، يفهمها الجميع.
لا ننكر أنّ هناك علوم لدنية لأولياء وصالحين وباحثين ومفكرين امتلكوا أجزاء كبيرة من العلم، ولكن لغتهم كانت خاصة فيما بينهم فالصوفية أغرقت في رموزها، فإن تغزلوا بالمرأة أعادوه إلى ليلى الحضرة وإن تغزلوا بالحضرة ألبسوها لباس المرأة الأنسية ليلى، ويرفضون إعطاء الهوية الواضحة للمعنى، وما بين السماء والأرض ضاع المتلقّي وما فهم كل مريد لفكرة وباحث عنها وما وجد مبتغاه إلا في تأويل واستنباط ذاتي غير مباشر، يكون ليس صحيحاً فيبتعد عن المعنى الحقيقي والفكرة القصد، فلم تصل الفكرة حيث يجب أن تصل.
وكذلك في العلم الديني وتأويلاته ضاع الإنسان البسيط في معرفة الله بسبب تهويلات أحياناً وفهم خاطئ لمقصد الشريعة وقلة دراية بعلم اللغة وفك الرموز وتفسير المقاصد، فجاءت النتيجة عكسية! وللحقيقة في كل المجالات هذا الأمر. ويبقى للإنسان النخبوي النوعي حسب اجتهاداته، فقد يصل وقد لا يصل ويتوه على الدرب وتضيع الرحلة – رحلة الحياة- بهدفها وجدواها. لكن مازن الشريف – بشخصة الكبيروبما يحويه من علم شامل واختصاصات متعدّدة تكاملت في شموليّتها لتردم الثغرات وتبني الجديد وتحيي الأصيل وتعالج شؤون الخلق والإنسان في علمه ونفسه وروحه وسلوكه وطريق وصوله لله – يختصر الكثير من المشاق ويدل السالك وأي إنسان طريق الهداية المبسّط الذي ليس فيه تعقيد، يراعي حالات كل فرد وقدرة كل شخص على حدا. فلا شيء أصعب من التعجيز، وهذا بعيد جداً عن فكر وعقل وأسلوب ولغة مازن الشريف.
وفي مجال الشعر وجدناه يصف كل موصوف ببساطة وبلاغة متناهية ويعطي كل ذي حق حقه، فحين يصف المرأة البشر تجده يصفها بكل كمال الوصف البشري المادي الجسدي وحالاته النفسية والحسية الوجدانية الجمالية بكل إتقان وتقنيّة الوصف. وحين يريد أن يتكلم عن ليلى الحضرة يتكلم عنها شعرياً دون مواربة وحين يصف حورية أو جنية من عالم الرؤيا يصفها باسمها بكل معطياتها، أو حين يصف النبي وآل البيت والصالحين يصفهم بكل مفهومية اللغة وصريح العبارة، وحين يصف بقصائد أفكار النشاة والخلق تجدها واضحة معينها من القرآن تشرح وتفصّل بكل جمال الشعر وأسلوب التكثيف والرمز.
في مواضيع الفخر والمعارضات والمدح والغزل والملاحم وسواها كله مبوّب وواضح، بل القصيدة ذاتها تأتي سلسلة من المعاني اللفظية المناسبة التوضيحية، حيث لا يعجز إنسان عن الفهم.
وبالنسبة لهذه القصيدة “سيرحمني الله” نجد أن فيها نداءً خفيّا يحمل كل معاني اللطف والطلب والاستجداء لفكرة قاسية رآها الشاعر ستحصل معه واستصعبها ولكن بحكم كينونته العاشقة للخالق والموقنة بحكمة القضاء والقدر، يتقبّلها ويقول سيرحمني الله ويساعدني في هذا الأمر المستصعب.
الفكرة هي أمر ابتعاده عن حبيبته وقدر الفراق بينهما ربما قبل هذه الدنيا وفي هذه الدنيا . فإن جئنا إلى هذه الفكرة نجدها في آدم الذي أقصي عن حواء وقد تكون القصيدة مستمدة من هذه الفكرة ذاتها مع تجربة الشاعر الذاتية، وخاصة حين يقول:
جوهر القصيدة في القرآن:
تتقاطع بعض أفكار القصيدة الأساسية مع آيات قرآنية، فالشاعر مازن الشريف حين يكتب الشعر يستمد أغلب معانيه من آيات قرآنية فتجيء أفكاره كمثبّت وداعم لكتاب الله المسطور ومعانيه في القرآن.
فمن يتفحّص أبيات القصيدة سيخطر على باله – إن كان مهتمّاً- جزء من آية في سورة الزمر:
(خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ ثُمَّ جَعَلَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا)(6)الزمر
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1) النساء
ففي القصيدة يقول مازن الشريف في مقطع منها:
أنت جذوري في الأرض، جذع البداية؛ تقابلها في القرآن: (خلقناكم من نفس واحدة)
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ)
وفي فكرة؛ أغصاني الألف؛ تقابلها آية: (وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً)
محاور القصيدة:
وحين يرحل في محاور القصيدة يصل لأبعاد الفكرة الأصل التي تجسدها هذه الآية القرآنية:
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٞ (13) الحجرات
إذاً القصيدة ركزت على محاور أساسية في القرآن: خلق آدم (نفس) وخلق منها زوجها (حواء) وبث منها رجالاً كثيراً ونساء.
قيمة الفكرة وهدفها:
والفكرة رائعة في جوهرها ومهمّة جداً تتعلق بقضايا الأصل والخلق والحب والقدر والغيب واللوح المحفوظ، حين تُجَسَْد شعرياً، وما كُتب على الروح أن تحياه وتجرّبه وخاصة في تجربة العشق.
يقول الدكتور الباحث والعالم الصوفي الكبير أسعد علي في قصائده بارقات الحب:
وهنا يخطر ببالنا سؤال؛ لماذا الكتابة والوصف؟ ماذا أضاف الشعر للمرأة؟ فتأتي هذه البارقة للدكتور أسعد علي كجواب:
وهنا يتّفق الشاعر مازن الشريف مع الشاعر والفيلسوف أسعد علي في موضوع الحبيبة وفكرة التجلي حين يقول : (وأنت تجلّي الروح)
فيقول الشاعر مازن الشريف في فكرة مطلقة وجوهرية يختم فيها قصيدته: (أنتِ اكتمال التجلّي)
فأسعد علي يعتبر أن الخلود في الأفكار هو سبب هندسة أفكاره ونحتها كالروح، فهو يهندس أفكاره ويرسم معالمها بالألفاظ لتبقى خلوداً في الكواكب، ثم يشترك مع الشاعر مازن الشريف بوصف الحبيبة ومشاركتها بأنها تجلي الروح، فمازن الشريف يقول: أنت اكتمال التجلي ويرد ذلك لكونها تكمله فهو لا يفصلها عنه بل سبباً في اكتماله وتجليه في الروح. وهذه إضافة من الفيلسوف المتجلّي مازن الشريف واعتراف بذات الوقت بأهمية وقيمة المرأة في موضوع التجلي، تواضع أمام المرأة ومخلوق الأنثى الذي ظُلم واعتبروه ضعيفاً ليس له في حال الروح شيء بل عبارة عن مكمل لزوجها في خدمة شؤونه المادية وليس دينه أو شريعته أو روحه. ينسبون الشيطنة للمرأة والغالبية يعتقد بأن الشيطان يسكنها! أو أنها الشيطان ذاته!
فماذا أضاف مازن الشريف: رفعها مقاماً عليا بعد أن حرّرها وأعادها لأصلها في النقاء والطهر وكمالية الوجود، حيث هي بصدق وحيث يجب ذلك.
أسلوب المعالجة والشعر: جاءت المعالجة بالشعر، وجاء الشعر تصوير للحبّ بأسلوب سهل، سلس، جميل، مفهوم من قبل الجميع، يتقبّله العقل ويفقهه القلب وتتلقّاه الروح بكلّ لذة التلقّي.
فالغاية من القصيدة إظهار قيمة وجمالية المرأة، ومازن الشريف ذكر معان كثيرة وأعاد تقييم المرأة ووضعها في منزلتها السامية حيث هي واسطة الروح وحيث تكون الطهر والنقاء:
أما عن ألفاظ القصيدة: سهلة، جزلة، قوية، موحية، واضحة، معبّرة، مناسبة، عذبة.
ونوع القصيدة: غيبيّة وواقعية، من عالم الغيب وتشرح الحال والواقع، شرح تردّدي؛ تصاعدي و تنزّلي، حسب نغمات المعنى وألحان الكلمة في تموجاتها الشعرية المناسبة.
فمن هو العاشق في القصيدة ومن هي الحبيبة؟
هذه هي قصيدة سيرحمني الله وهذه هي الحبيبة للعاشق فيها:
فهي اللحن في لوعة الأغنيات.. هي العاشق وظلّه، هي الوجهة المبتغاة.. هي احتمال الإنطفاء والانتهاء على مرمر الجِيد.. واللحظة المُشتَهاة.. هي روعة كونها هي .. رحلةُ نار الأساطير حنّت إليها الحياة.
هي جميع القصائد.. دمع الوسائد.. هي جميع النساء
هي الجذور في الأرض.. جذع البداية.. أغصان، الرجل الألف.. والإلف ما سطّر الحب شاء، هي التفاصيلُ ما بين الروح والروح، وهي اختزال المسافة.. بين العاشق وبين السماء.
وهي بالقلب مواويل ريحٍ.. ومزمار نارٍ.. ونايات ماء
وهي الصبابات ينجبها العشق فجراً.. ويغتالها المساء.. ستشرق شمسُ البدايات دائماً في قربها.
أما هو (العاشق) في القصيدة:
الرجال جميعاً.. صبابات آدم تسري بِسرِّ الدماء.. شعرُ المجانين.. تيه المساكين.. في غابةٍ من بكاء.
هو موج حب الحبيبة.. ظلّها دوماً.. مذ كانت ظلّه.. بعضها كلّها منذ كانت بعضه وكلّه.
هو هي في بوح غيم يصلّي.. هو في غرامها أخلى قلبه من الندّ والضدّ.. علّمتْ قلبه التخلّي.. هو لحظة الكشف حين كانت اكتمال التجلي.
خاتمة: بهذه العبارات الجميلة الطافحة رقي ومعنى تكون الخاتمة لقصيدة فقط، أما مازن الشريف فعنده من الشعر بحار ومن المعاني مالا ينقضي من موج القصائد في ماء الشعر! نظلمه لو قلنا أحطنا بفكره أو أمسكنا بقصيدة من شعره! هو المطلق للشعر والفكر العابق برحيق الأزهار.





