في هوى السمراء والزنجية السوداء

بواسطة رجاء شعبان
8 سبتمبر، 2026

السمراء والزنجية السوداء

و مدارك الحب الغيبي عند الشاعرَين الصوفيَين: أسعد علي و مازن الشريف

سمراء مثل الرئم في البيداء
تكوي القلوب بعينها النجلاء
قالت تحب السّمر قلت وإنني
مذ كنت طفلاً عاشق السمراء
(مازن الشريف)
حبك
يا زنجية نفسي
غيبي الأوسع
عمقي الأرفع
أعرف منه ألواني
لا أشبع
ويسافر إنساني
في أكوان أوسع
لا أسأم..
إن أمضي..
أو أرجع..
(أسعد علي)

هل الإنسان يعشق امرأة غيبيّة؟ وهل رآها لكي يعشقها؟ أم يعشق بها غموضها وغيبيّتها؟! ماذا لو كانت متجلّية؛ أليست أجمل؟! أم ما قبل الظهور تبدو فطرية، أساسيّة العشق، طيّبة الأصل، لذيذة الرائحة، بالخفي أجمل؟

للعارفين الصوفيّة ثقوب كونيّة يعبرون خلالها، وحالات معرفيّة عرفانيّة لا نقدر دائماً أن نجاريهم بها، وإن تكلّموا أحياناً فبرموز طلسميّة مشفّرة عمَّا رأوه، يفهم عليهم فهمهم ويحاورهم إدراكهم ويدركهم من شاركهم شعورهم أو تلاقى بحالهم أو عزف على أوتار ما يصفون! وقد يُصار إلينا بعض ترانيم نثرهم ولكن كيف لنا الدليل إلى معرفة ذلك؟

مدخل:

للشاعر مازن الشريف قصيدة بعنوان: "سمراء" لم أفهمها جيّداً ولم أدرك كنهها حتى رأيت ما ذكّرني بها من قصيدة تصف أنواع النساء للدكتور العالم الصوفي أسعد علي، وللحقيقة لم أفهم أسعد علي في البداية في قصيدته، لكثرة رموزه وإغراقه في صوره الغامضة؛ بعيدة الإيحاء في الشعر، فإيحاءاته لا نملك المفتاح لفتح أبوابها وكشف أسرارها ومعانيها رغم حتميّة جمالها وانشغالنا بجو صفائها وسحرها، ولكنها ليست قطعة موسيقية لنستمتع بسماعها وكفى! هي لغة مقروءة يجب فهم ما بين السطور، وفعلاً كنتُ أنسحب مرّات ومرّات من القراءة، وفي كلّ مرّة كان شيء ما يعيدني للمتابعة.

حين سمعت قصيدة "سمراء" المُغنّاة وكيف يصف فيها شاعرها السمراء ثم يتابع فيذكر البيضاء والشقراء والبضّة والخمرية والحورية والجنّيّة والسوداء، لم أستوعب معانيها ومقاصدها مباشرةً، فتجاوزتها دون وقوف عندها، وقلت في نفسي: مزاج شاعر في وصف أشكال وألوان! أو ربما محاولة لإرضاء جميع النساء في قصيدة! وأعرضت عن التدقيق في المعاني والاستغراق في التأويل، وقد شعرتُ بنقص الموضوعيّة في النص أو ما يُسمّونه وحدة الموضوع في القصيدة! فكيف بشاعر يبدأ بسمراء لينتهي بسواها! أليس يبيع كلاماً ويلهو شعراً كحال بعض الشعراء المتباهين، مثل عمر بن أبي ربيعة في الغزل؟ تذكرت تلك الآيتين من سورة الشعراء: (وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلۡغَاوُۥنَ (224) أَلَمۡ تَرَ أَنَّهُمۡ فِي كُلِّ وَادٖ يَهِيمُونَ (225) )

هكذا تبادر إلى ذهني مع ثقتي المطلقة بأن الشاعر مازن الشريف لا يكتب شيئاً افتراضياً عبثياَ من دون قصد محدّد، وغرض شعري معيّن، حتى لو كان من جانب الغزل المحبَّب والعذوبة مثلاً أو بغرض التشكيل والتنويع. وإنّ مزاج الهوى والتواء الذوق وميلان الطريق بقصد المداراة والمراعاة فذاك بعيد عن مازن الشريف، إن لم يكن عنده ما يقوله بعمق معناه وما يكون أبعد من ظاهر اللفظ؛ فلا يقول!

ولكن حين كنت أتصفح بكتابات الشاعر والدكتور أسعد علي في كتابه " السبر الأدبي" عشرون 20 ، ووجدت ما يذكرني بقصيدة الشاعر مازن الشريف "سمراء" من خلال دراسة نقديّة لقصيدة اسمها : " زنجية في بلاد السويد" لأسعد علي، لولا التدقيق في معانيها ما فهمتها، ولولا الدراسة حولها في السبر الثاني عشر بعنوان: خمسون نافذة بين عالمين ل:" اميل معلوف" ما فهمت مقاصدها! لأن اسمها الظاهر لا يشي بالمعنى المقصود، فقد يختلف أسلوب الظاهر عن الباطن وقد يكون مجرد باب ورمز لمداخيل شاسعة ومعان متسعة.

وقفتُ مليّاً وفهمت من خلال الدكتور أسعد علي قصيدة الشاعر مازن الشريف "سمراء" وساعدني مازن الشريف في فهم قصيدة الشاعر أسعد علي "زنجية "، ويبدو أن هناك كذلك قصيدة حبشيّة! لكن

تجدر الإشارة – كما يقول اميل معلوف- في دراسته إلى أن : (زنجية" الشاعر لا تمت بصلة إلى "حبشية" شيخ الإشراق السهروردي، المذكور في رسالة : " خفق جناح جبرائيل". فالزنجية وإن كانت كالحبشيّة سوداء اللون، إلا أن سوادها لا يدلّ، إطلاقاً، على العدم والنقص، كما يدلّ سواد الحبشيّة في الرسالة الصوفيّة، بل هو يرمز إلى العوالم المجهولة، والحقائق المستترة، بدءاً بطبيعة الله وانتهاء بمقاصده الخيّرة. وهذه العوالم والحقائق هي وحدها الثوابت الركينة، واليقينات البعيدة عن معترك الظنون. ومن خفائها تنبثق جميع العوالم الماديّة والمعنويّة، وعن غموضها تنبجس الأنوار في دنيا الكون والفساد).

ويتابع الباحث اميل المعلوف فيقول:

(ثم إن الزنجية المعشوقة ليست بالمرأة المتجسّدة، المكوّنة من ماء ومن طين، السائرة في عالم الأضواء بغير ضوء، المتعثّرة بهوى الميول والغرائز.

ولا هي اكسير عجاب تمسح بندي أناملها لواعج القلوب، وتبعث، بجس شفاهها، الحياة، من جديد، في الزاحف إلى الموت.

هذه المعشوقة هي ذات مفارقة، وصورة من صور الملأ الأعلى، لم يستلها خالقها من صدر آدم ليقذف بها في عالم الضوء المداجي، بل ظلت خارج حدود الزمان والمكان، تقيم في قلب الله، وتسعد بتأمل الحقائق المتمركزة فيه) .

ويؤكّد هذا الكلام ما ورد في نص قصيدة للدكتور أسعد علي، حين يصف أنواع النساء، لكنّه يختصّ الزنجيّة بأنّها غيوب، وبأنّها سرّ لا يُضاء، أي لا يظهر:

أنواع النساء

النساء البيض طيب
والنساء الشقر روح
والنساء السمر دوح
يتغناه طروب
والنساء الحمر حر
للأماني.. ولهيب
والنساء الصفر لطف
من معانيه المذيب..
إنما أنت :
غيوب
في ضفاف منك
أنواع النساء
إنما العمق :
بحار وسماء
مطلق
يغري بحب واشتهاء
أنت زنجية سر لا يضاء..

فالنساء حسب قصيدة أسعد علي هنّ الطيب يتجسدن في البيض، وهنّ الروح يرتدين ثياب الشقراوات، وهنّ الدوح والخمائل وقد تفرّعن في أغصان السمراء، يلحنهنّ ريح طروب ويتغنّى بهن الغناء.

والنساء هنّ اشتعال اللهفة بلهيب الأمنيات، وهنّ حرارة الأشياء وقد تصبغن بطباعهن الحمراوات،

وهنّ اللطف والدماثة وقد ملن بلونهن إلى الاصفرار، يسكرن كالصهباء بخمرة رقّتهنّ، ويسلن عذوبة من شهد عسلهنّ.

لكن الزنجية التي يناديها الشاعر بأنتِ ويختصّها بالوصف الأجمل والتعبير الأعمق هي غيوب، من عالم الغيب حيث تتشكّل السحب منها لتهمي وتعطي كل أرض نصيبها من الغيث، وكل امرأة صفة من الجمال، توزّع صفاتها هبات، فتتكامل فيها النساء وقد انطلقنَ منها وتجمّعن فيها وانتشرن، يهبن ألوان الحياة وفنّها وذوقها ولونها ومعناها.

الزنجية على هذا الأساس هي البعد في السماء، والعمق في البحار والمحيطات، والاتساع في الفضاءات.. مادة الكون الأصليّة التي تتشكّل منها الموادّ وتولد منها الذّرّات ويحدث فيها الانفجار العظيم لتلد اللون وتصبغ به الكائنات، لكنْها في عالم الإنس تكنّى بها؛ بالزنجية أو السوداء؛ مادة الخلق العظيم وأساسه.

أهمية الدراسة:

تأتي أهمية الدراسة من وجود علاقة ارتباط بين الإبداع والنقد.. فما العلاقة وما الفروقات:

هناك علاقة مترابطة بين الإبداع والنقد أو النقد والأدب، فالمبدع يتكلّم بفطرة وانسيابيّة والناقد يتفحّص ويبحث ويتابع، قد يقف هنا ويسرد هناك إبداعاً آخر يولّد فهماً ويشرح فكرة تقرّبها من روح الفهم للقارئ أو الباحث.

يقول أسعد علي في ذات المبحث :

"إنّ الأمر لعجبٌ: بين الإبداع والنقد؛ ففي الإبداع: لا تخطئ النفس؛ فهي في الفطرة السويّة؛ لكن صاحبها في النقد: تارة يُصيب؛ وتارات يُخطئ؛

وفي هذه الملاحظة: مالا يباح كلُه؛ لأنه سرٌّ بين المواهب والمكاسب؛ بين التفكّر والتفكير.. فما الفرق يا ترى؟"

برأيي المتواضع: أجد النقد إشارة وإضاءة وإيضاح إن كان من باب السبر وليس من باب الانتقاد والدحض، فهو إن لم يصب المعنى يدلّ إليه ويجري فيه موحياً لفكرة ما ومستنبطاً لأفكار عدّة، فيتابع مَن أراد الفهم والتمحيص رحلته، كما أراد التعبير والسرد بفطرته من المبدعين سواء كان كاتباً أو شاعراً وغير ذلك. لأن تلاقح الفكر وتداوله، وتفاعل الأفكار يولّد فهماً آخر يؤدّي لدروب أخرى ما كانت لتخطر على السائر في دنيا الدراسة والفهم، وأنا مع هذا السبر الجميل، فلولا اميل معلوف واجتهاده – أصاب عين الفكرة أم اقترب- ما قدرت أن أسبر بذاتي وطريقتي، منطلقة من فكرة الشاعر نفسها ومتفهّمة من عرض الناقد ذاته. فالشعراء مرايا بعضهم والنقّاد مجاهر للمرايا.

مازن الشريف ورحلة الصبايا الفاتنات في قصيدة:

سيذهب بنا الشاعر مازن الشريف في رحلة تتخلّلها الصبايا الفاتنات اللائي يلفتن نظر مَن عشقَ السمراء منذ الطفولة، هي رحلة في خياله، أم منامه، أو رؤاه في اختراقه العوالم ورؤيته الصبايا الجميلات من كلّ عالم! فتلك السمراء ابنة الأرض من البيد، وتلك التي تمشي على الماء، وتلك الجنيّة، وتلك الحوراء الساكنة في العوالم العليا، وتلك الدّرّيّة اللؤلؤة المكنونة وتلك الزنجيّة، وتلك وتلك.. إلى المسكونة في الخفاء! حتى يذهب به الحال وينسى حاله وعزم آدم به وما علّم به من أسماء.

ويتجسد آدم الروح وآدم الأرض ليختصرا لنا الأنثى المتحوّلة في كلّ العوالم والتي أخذت أسماء وأشكال مختلفة حسب العالم التي هي به، فعشقه للسمراء لاشك يقصد به في الأرض (الأنثى الطين) والحوراء في الجنة؛ عوالم اختلاط الجنّ بالأنس، العلوي بالدنيوي؛ لتبقى حواء واحدة؛ الأنثى المحتوية لجميع التشكلات والتي تعشق حبيبها مهما تحوّل وتغيّر أو تحوّلت وتشكّلت في عوالمها، تحتفظ بذاكرة عشقها له.

"سمراء" مازن الشريف

سمراء مثل الرئم في البيداء
تكوي القلوب بعينها النجلاء
قالت تحب السّمر قلت وإنني
مذ كنت طفلاً عاشق السمراء
مرّت على حرف الكلام خريدة
مجدولةٌ مصقولةُ الأعضاء
قالت تأمّلْ في جمالي ربّما
يغريك حُسن البضّة الشقراء
وأتت على عجل فريدة عصرها
مزدانةً كالليلة القمراء
قالت أنا ستُّ الحسان فضمّني
واخضع لسحر المقلة الحوراء
ورنت إليّ صبيّة درّيّةَ
فعشقتُ حسن المهرة الصهباء
وأزاحت السّتر الرقيق صبيّةٌ
ففُتنتُ بالمياسة البيضاء
ومشت على ألق البهاء مليحة
زنجيةٌ بعيونها السوداء
ورأيتُ في شرق الهوى خمريّة
تمشي الهوينى على أكفّ الماء
وتبسّمت جنّيّة في خدرها
من عشق الأنس في استحياء
ففنيتُ في حال الغرام كأنني
أُنسيت ما علّمتُ من أسماء
وأفقتُ من حُلمي الحيي متيّماً
ظمآنة لوصل الغريب النائي
أنا آدم الأشواق أعبد ربّها
ورأيت سرّ الله في حوّاء
كم متُّ من فرط الجمال صبابة
وعشقت قبل تشكّل الأشياء

" سمراء " قصيدة في طيّاتها محتوى ما قبل الخلق وما بعده، ثم الرحلة والزيارة في عالم الأحلام والرؤى واندماج العوالم مع بعضها وعظمة الإنسان وسرّه في روحه، وانطلاقته وانعتاقه من قيوده، واكتنافه كل الجهات. فهو ليس حشرة ولا صخرة ولا حيوان، هو مخلوق جامع شامل وضع الله سرّه فيه ونفخ فيه من روحه، وعلّمه الأسماء، وميّزه بالعشق، فخلق له من يؤنسه ويحرّك لواعجه ولا يوقفه عند حدّ الرتابة والقيد الترابي، مع عشقه لهذا التراب ومن خُلق منه: حبيبته السمراء من طين الأرض وطعمها ولون قمحها، إلى البضّة البيضاء الممتلئة ضياء وسناء، فحوريّة الجنّة و حوراء السماء.

في قصيدته "سمراء" يصف الشاعر فتاة سمراء تشبه الغزال في الفلاة تجعل القلب يكتوي من سحر عينيها الواسعتين:

سمراء مثل الرئم في البيداء
تكوي القلوب بعينها النجلاء

فقالت له حين رأته ينظر إليها هل تحب السمراوات؟ فيجيبها بأنه منذ كان طفلاً يعشق الفتاة السمراء :

قالت تحب السّمر قلت وإنني
مذ كنت طفلاً عاشق السمراء

الشاعر يصف جولة كأنها بين الخيال والواقع أو ربما في غيبوبة جميلة من الحلم؛ ففي حديثه مع الفتاة السمراء تدخل لجانب الحديث معه عذراء جميلة متناسقة الجسم والأعضاء مفتولة القدّ، قالت هذه العذراء الجميلة: انظر مليّاً فيَّ فلعلّك تُغتَرى بحسن الشقراء بيضاء الجسم الممتلئة :

مرّت على حرف الكلام خريدة
مجدولةٌ مصقولةُ الأعضاء
قالت تأمّلْ في جمالي ربّما
يغريك حُسن البضّة الشقراء

ولا يكاد ينتهي من سماع هذه البضّة الشقراء التي تدعوه للنظر في حسنها وبياضها حتى جاءت مسرعة ذات الحُسن الفريد، وقد ازدهت بألوانها كالليلة القمراء في سكينتها وهدوئها ! فقالت: أنا هي سيّدة الحسناوات، هيت لك! اقترب واحضنّي في ضمّتك واستسلم لحكم العيون الحوراء الساحرة :

وأتت على عجل فريدة عصرها
مزدانةً كالليلة القمراء
قالت أنا ستُّ الحسان فضمّني
واخضع لسحر المقلة الحوراء

ثم تطلّعت بنغمات نظرتها الناعمة الهادئة فتاة نضرة شابّة تبرق كاللؤلؤ وتشع كالكوكب الدرّي، فتعلّقَ قلبي بها، وعشقتُ هذه الشّابّة المشقرّة بلونها، المتمازجة بصفارها واحمرارها كأنها المهرة الصهباء :

ورنت إليّ صبيّة درّيّةَ
فعشقتُ حسن المهرة الصهباء

ثم رأتنا تلك الناعمة المتمايلة تنساب بحركاتها كالماء، تزيح السّتر الذي يحجبها، تلفت نظرنا لترينا جمالها، فأراني قد وقعت بفتنة وجاذبية الميّاسة البيضاء :

وأزاحت السّتر الرقيق صبيّةٌ
ففُتنتُ بالمياسة البيضاء

أما المليحة الجميلة ذات الوجه الناضر الذي يبهج الناظر إليه، تلك الزنجيّة شديدة اللمعان، تتهادى بخطوها، تتلألأ كالضوء، تقترب مني، تفتنني بعيونها السوداء :

ومشت على ألق البهاء مليحة
زنجيةٌ بعيونها السوداء

ونظرت، فإذ فتاة خمريّة شرقيّة الهوى تبدو كصفاء الخمر تشرق بنورها، تلوح أحياناً ببشرتها الحنطاوية من لون النبيذ وفتنة بنت العنب التي يشعّ عليها النور فتبدو صفراء مشعشعة أو مائلة له بشيء من السمرة الجاذبة فتراها كالتمر حيناً وقد نضج وكالخمر الصافي حيناً، بلونه بهر، تمشي بخفة ورفق كأنها ريشة فوق راحات الماء تحملها راحاته:

ورأيتُ في شرق الهوى خمريّة
تمشي الهوينى على أكفّ الماء

وحتى الجنّيّة لم يسلم الشاعر منها، فإحداهنّ جميلة منهنّ، تبسّمت له من مخدعها خلف الستارة، لكنّها شعرت بالحياء كيف تعشق أنسياً :

وتبسّمت جنّيّة في خدرها
من عشق الأنس في استحياء

ثم يكمل الشاعر في جولته فينطلق حيث أفق السماء الأعلى وهو في حالة تولّه مأخوذ بالعشق والهيام، ليرى فتيات الحور في جنّة العلا :

وصعدتُ في أفق السماء مولّهاً
حتى رأيت الحور في العلياء

فانتهى هذا الشاعر العاشق وقد فني في حالة الغرام والتهيام وكأنه غاب في خَدَر وفقد توازنه العقلي، وضرب على علمه وذاكرته فلم يعد يتذكّر ما علم به من علم وأسماء :

ففنيتُ في حال الغرام كأنني
أُنسيت ما علّمتُ من أسماء

وإلى أن أفاق من حلمه وصحا من غيبوبته، وجد حاله متيّماً، مأخوذاً بحالة الوجد والتيه، مشتاقاً ملتاعاً لوصل حبيبه البعيد :

وأفقتُ من حُلمي الحيي متيّماً
ظمآن لوصل الغريب النائي

فهو إن عشق المحبوبة فلأنها محبوبته، خلقت منه وله، فحاله كحال آدم الذي فصلت عنه حواء واُجتزت ضلعاً من ضلوع صدره، فبقي مشاقاً لوصلها والعيش بقربها، وقد خلقها الله لها ليحبّها ويعبد الله من خلالها. هو سرّها وهي سرّ ربه فيه، رأى عظمة الله من خلال خلقها وإعجاز عشقها :

أنا آدم الأشواق أعبد ربّها
ورأيت سرّ الله في حوّاء

ولكم مات عشقاً وصبابةً من شدّة الإحساس بالجمال، تشتعل به جذوة متّقدة للحب، من قديم قديم العشق والزمان، قبل أن تتشكل الأشياء وتُعرَف كينونتها الأشياء :

كم متُّ من فرط الجمال صبابة
وعشقت قبل تشكّل الأشياء

فقه الدكتور أسعد علي في الزنجية السوداء

في قصيدته لأسعد علي "روح علوية" سنجد أن الزنجيّة روح عُلويّة، فجمالها يحرّك به الأشياء، وغموضها يدفعه للاكتشاف في مطويّات الأسرار وما حجب وغاب خلف حدود الدنيا، فيصل من خلالها إلى الروح العليا المتجلّية وقد ظهرت له بلون الماء، تلوّن حياته كلّها، فهي الأساس في الخلق والمصدر لكلّ الينابيع، وهي لون كل لون، منها تتشكّل الألوان ويتم التمازج، وتنشأ الأبناء، سواء بقلوب بيضاء أو سوداء.

فما هي هذه الزّنجيّة؟

روح عُلوِيّة
لجمالك يا زنجية
لغموضك يا سوداء
تتحرك بي أشياء
أكبز من كل طوية :
دنيا خلف الدنيا..
روح علوية..
تظهر
تنمو بضمير الماء
فتلون بالماء
عيون الأبناء..
فتصير قلوباً بيضاً..
أو سوداء
لجمالك يا زنجية

زنجية الشاعر السوداء هي كالغموض، لكنها تتقمّص الأشياء والحالات، فتارةً تجدها صارت بجدول ماء وروض، وتارةً تغدو لمآرب بعيدة لا يمسّها طائل، فهي تتحوّل للهيب في الاحمرار وللشوق في لون البيض، هي للشّعر وكتابة القريض يحيا بها الجمال، راضياً صاحبها بغموضها الآسر.

تقمص
زنجيتي السوداء..
كالغموض
تقمصي بجدول وروض
وخلني لطائل عريض
تحولي: حمرا
وشوق بيض
وخلني وخالق القريض
احيا الجمال
راضياً غموضي

هي اللون كما يشتهي: عميق.. هي الكون كما يبتغي: طليق.. هي النعمى والجنة والشروق.. هي المساء والنسيم والشهيق.. بها تغفو حقيقة نفسه فيما لو تفيق.. وكل الوجود يغني الحبيبة بأنها ذوق.

أنت
حبيبتي..
أنت لون..
كمشتهاي.. عميق
حبيبتي.. أنت كون
كمبتغاي طليق
حبيبتي.. أنت نعمى
وجنة
وشروق
أنت المساء..
وأنت النسيم..
أنت الشهيق..
زنجية
بك تغفو حقيقتي..
لو تفيق
كل الوجود يغني:
"حبيبتي أنت ذوق"

هذه الحبيبة من لونها تتولّد الموسيقى، فهي ليست فقط مادة اللون فقط، بل منها تتصاعد موسيقى بلا صوت تغنّي، وتهب الآمال والأسرار والأحلام والاعتقاد، فحبّي لك لأجل التمنّي يا زنجيّة، ولكن طريقتي بالغموض، ولغتي كما أهوى باللحن والشدو والإنشاد حيث لحني الخاص.

موسيقى
بلونك موسيقى
بلا صوت
تغني
تمني
بأسرار وأحلام وظن
أحبك يا سوداء حباً
للتمني
غموضاً
كما أهواه..
أشدوه بلحني..

هي الحب الذي يتذوّقه صاحبه ولا ينتهي! وهل ألذّ من طعم الحب الذي لا ينفد؟ فيبقى الإنسان في حالة استطعام دائم لصنوف هذا الحبّ؟

هي المعنى النقي الصافي الذي يكون، ويأتي دون لواعج الاشتهاء والرغبة، بيدها تكون مفاتيح كل شيء يريده صاحبها، فتأتيه بالعبقري الجديد الذي لم يكن له شاكلة قبل وبعد، متفرّد بذاته، تصوغ بيديها ألوان الحسن والجمال وكل ما يشتهي من فتيات وبنات الآمال الطويلة المعقودة، هي عشق ما يسرّ القلب، فكأنها ماء الوجود تعكس حاله فيرى ضميره في صورتها، تبقى هي بعد الغد مستمرة بِسرّ الرّوح، باقية للأبد لما بعد غد الزمان. فلا غرو أن تبقى له زمان الغرام تمسك بيده حيث الاستمرارية في الخلود.

زمان الغرام
أحبك حباً..
يذوق ولا ينتهي
لأنك معنى..
يشاء ولا يشتهي
تصوغين ما أبتغي
عبقرياً جديداَ
تصوغين ألوان حسنٍ
وغيدا
كما أشتهي..
أنت عشق السرور
كأنك ماء
يريني ضميري..
فلا بأس أن تبتدي
زمان الغرام يدي
لأنك
بعد الغد
غد مستمر
بروحي
وسر..

بل هي الثبات في الحب الصافي المحرَّر من الغلّ والحيلة والمكر، الصادق، إذ يسود بسؤددها على كل الألوان، فهي أمل العاشق.

ثبات
كوني كما شئت
ما دامت محبتنا
فعلا
يغير لؤم الناس
والحيلا
زنجية أنت..
كي أطغى بحلكتها
على التلون..
يا سودائي الأملا..

نعم هي المنبع الصافي لكل الألوان، هي الحب الذي يدفع بالنبض، هي لونه المفضّل، إذ يشبه لون الدمع حين يسقط من الأحداق، هي من نفسه الغيب الأوسع التي يرى فيها المدى والمطلق وهي العمق الذي يرفعه للانطلاق والترفّع، يتعرّف على ألوانه من خلالها بشغف ومن دون تعب أو ملل، فلا يشبع من هذه النشوة العظيمة لأصحاب الأنفس المتعالية عن الدناءة والضيق، منطلق منعتق غير مكترث معها إن ذهب او غاب طالما هي كل الازمنة والغيوب والطيوب.

لون الماء
أرجع ألواني نحو المنبع
فإذا الماء الصافي
ما أسمع
وإذا حبك في قلبي
ما يدفع
هذا لوني..
لون كل الأدمع
حبك
يا زنجية نفسي
غيبي الأوسع
عمقي الأرفع
أعرف منه ألواني
لا أشبع
ويسافر إنساني
في أكوان أوسع
لا أسأم..
إن أمضي..
أو أرجع..

مقارنة ومقاربة بين الشاعرين:

من خلال ما طالعنا من معاني وصور وجدنا عند الشاعرين الإثنين مقاربة في الرحلة الفكريّة الشّعريّة ولكن بأسلوب واتجاه مغاير، فإذ ينطلق الشاعر مازن الشريف رحلته من عند السمراء في البيداء حيث الأرض، ثم يتصاعد في وصفه حيث العوالم المختلفة المتدرّجة ليصل إلى الغيبيّة والعليا، يصف الشاعر أسعد علي زنجيّته السوداء في عالم الغيب والغموض حيث يتّجه الوصف عبر الأبعاد إلى الأرض، فتتقمّص هده الموصوفة وصفها في النساء الأخريات من البيض والشقر والحمر، وتتوقّد جذواها في العناصر وتطغى بلونها على كلّ لون، فهي مادة العناصر الأساسيّة لكنّها تهب من لونها الأساس كلّ الألوان المزهوّة نصيب. هي العنصر الأصل النقي الصافي الذي تتفرّع منه المادّة إلى كل العناصر.

فالانطلاق في رحلة الوصف عند الشاعر مازن الشريف تصاعدي، الرحلة انطلقت من المنظور لتتطوّر وتتصاعد إلى اللامنظور، حيث جزئيات الرحلة وتحوّلاتها وتوقّفها عند كل مفترق، والدخول في هذا المنعطف الذي جاء بأنواع النساء ولونها، إلى وصف عوالم أخرى مختلفة كانت المرأة الجميلة محورها وسيّدتها.

ملاحظة على الهامش: قد تصحّ وقد تكون مجرّد اختراع ناقد أو إيحاء قارئ، ما يلفت النظر في عبارة للشاعر مازن الشريف: ورأيتُ في شرق الهوى خمريّة.. تمشي الهوينى على أكفّ الماء! فكلمة (شرق الهوى) إن حلّلناها من جانب الجهات فهي الجهة الشرقية، وربطناها في المعنى الإيحائي للهوى سنجد ارتباطاً وثيقاً بمعنى يريد الشاعر أن يوصلنا إليه من خلال عبارته هذه، شرق الهوى هو المكان المقدس الذي التجأت إليه السيدة مريم لتتطهّر وتتعبّد الله بحرية. هذا المعنى المربوط بالجهة يأخذ مباشرة للآية من سورة مريم في وصف السيدة العذراء:

(وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (16) مريم

ولا غريب في الأمر طالما أن الشاعر لا يقف عند الظواهر من النساء ولا يكتفي بعالم واحد من ملامحهن، فإذ برأيي يصف السمراء مستمدّاً الوصف من تاريخ أهله الضارب في الصحراء إذ عاشوا.. بدءاَ من هاجر زوجة ابراهيم وأم اسماعيل إلى آمنة أم النبي المصطفى وسلسلة طويلة من تاريخ العربيات، ليمتد إلى الجهات كلّها في الأرض: الشرق والغرب والشمال والجنوب، والعوالم جميعها من أنس وجن وجان وحور وسواها ممّا لا نعرفه.

أما رحلة الإنطلاق عند الشاعر الدكتور أسعد علي تنازلي، من فوق إلى تحت، حيث الثبات في الأعلى في تلك السوداء الغيبية الزنجية، والظلال في الأسفل حيث كل شيء ممكن أن يكون تشكّلَ منها بما فيهن النساء والجدول والروض والشعر و…..

غرض الوصف: الاثنان أفاضا في المعاني والصور والأفكار الفلسفية البعيدة التي تأخذك مشدوهاً ومستغرباً وتمسك أنفاسك شوقاً ورغبةً لمعرفة النهاية فيصل بك الحال والرحلة إلى منطقة صوفيّة وعالم صافي مبرّأ من كل عيب أو نقص، وممتلئ من فيض السحر والروعة والاندهاش.

النتيجة: تجد النتيجة بعد استغراقك الرحلة الروحية وقطعها والعودة كأنها هبطت من فضاءات أو تساميت إليها، إذ تغيّرَ حالك وسما نظرك واتسعت دائرة فكرك ومعارفك.

المحصلة: إعجاز عظيم وعبقري ما كان ليكون لولا هكذا معجزَين في اللغة والحالة والوصف ورقي الروح وشموخها واتساعها وعليائها.

الخاتمة: وصف العديد من الشعراء الفتاة السمراء بجميل الوصف، ولاشك العديد منهم تطرّقوا للزنجية التي تفيض عسلاً وعذوبة! ولكن مثل مازن الشريف وأسعد علي، لن يكون أحد قادر أن يصل لما وصلا في الحالة الشعورية والروحية والماورائية البعدية . فهما عَلَمين خارقَين في اللغة والوصف والمرتبة والمقام الروحي الغيبي المتجلي العالي.

يجعلان المرء ينعتق من قيود المادة والفكر إلى انشراح العبارة واختراق المجهول بجمال.

خلاصة: وتبقى الزنجيّة هي كل الاحتمالات، هي الفضيلة التي تستر الرذيلة في رحلة الإنسان مع نفسه فلا تظهرها، وهي حسنى الروح وطهرها. هي الحبيبة بين الحِسان جميعهن، هي الواسطة بين الدروب، هي تخترق الواقع وتنطلق منه كجسر عبور بين الرؤى والحال والتصوّرات، حيث تمنح المعجزات فيما يريده الإنسان وتحقق له ما يشاء.

وسيط
وزنجية
فيها معاني كلها؛
فضيلة روحي
واشتهاء رذيلتي
حبيبة أحلامي
أغامر عبرها
فتسترني بالعمق
وهي حبيبتي..
وما في حسان الأرض
واحدة بها
كهذي احتمال
في مسالك رغبتي
تصير وسيطي
في التحول
والرؤى
وتمنحني بالمعجزات
مشيئتي..

كلمة : محبّة لكلّ سمراء وزنجيّة أحد التجليّات الجميلة لما فوق الوصف، آيات الظهور العلنيّة في الأرض، وتحيّة لكلّ شاعر يعرف كيف يأخدنا معه في رحلة حسيّة ووصفيّة ومعرفيّة ترتقي بالفكرة والذوق وتهب المعاني الواقعيّة ولما وراء الماديّة والبعدية و ويرينا مالا تراه عين لوحدها بشرية.

خلني مسافراً
أصالة الإنسان
أبعاد به.. عميقة
حبيبتي..
تحولي : نسائماً
حديقة
تحولي: عوالماً
وأدهراً سحيقة
حبيبتي
تحولي : مجرة صديقه
وخلني :
مسافراً
مجاذباً طريقه
حبيبتي..
أنت طريقي
رحلتي العميقة

منشورات ذات صلة

   حوّاء بين المظلوميّة والتّهمة، فهل يبرّئها الأديب والشاعر مازن الشريف؟  

عناوين البحث والدراسة:- مقدمة في حواء والآراء المتعددة حولها وتحميلها ذنب العصيان.… شاهد المزيد

بواسطة رجاء شعبان
1 يونيو، 2026
هريرة الشعر بين الأعشى والشريف

وَدِّع هُرَيرَةَ إِنَّ الرَكبَ مُرتَحِلُوَهَل تُطيقُ وَداعاً أَيُّها الرَجُلُ -الأعشى- وَدِّعْ هُرَيْرَةَ… شاهد المزيد

بواسطة رجاء شعبان
18 يناير، 2026
البديع في بلاغة الدكتور مازن الشريف

يا غائباً كم أطال الغيابا.. أََنسقيكَ عَذْباً فَتسقي العذاباومنك الجَمال ومنّا الجِمال..… شاهد المزيد

بواسطة رجاء شعبان
7 يناير، 2026
القصيدة المُطْلَقَة في شعر الدكتور مازن الشريف

وَأُؤمِنُ أَنَّكِ سِرٌّ قَديمٌفَسُبْحانَ رَبٍّ عَظيمٍ بَراكِحَوْراءُ… حَوّاءَ آدَمَ سِرّي.. وَتَوْأَمَ رُوحٍ… شاهد المزيد

بواسطة رجاء شعبان
24 ديسمبر، 2025
الصور الشعرية في قصائد الشاعر مازن الشريف

الداخل إلى صفحة روائع الشاعر مازن الشريف كالمتجوّل في ربيع من حدائق… شاهد المزيد

بواسطة رجاء شعبان
4 نوفمبر، 2025
الروحانية في شعر الدكتور مازن الشريف

يا مهجة الروح ما في الناس من أحدٍ.. أفضى إلى العشق إلا… شاهد المزيد

بواسطة رجاء شعبان
22 أكتوبر، 2025