القصيدة الكربلائية – (في رحاب جرح الحسين)

بواسطة رجاء شعبان
28 يونيو، 2026

مواضيع البحث:
– مقدمة (من كتاب التأملات العرفانيّة)
– دعبل الخزاعي والإمام الرضا عليه السلام
– مقطع من القصيدة التائية الخالدة لدعبل الخزاعي
– رحاب الحسين وجرحه مع الشاعر مازن الشريف
– مشهديّات القصيدة
– بولس سلامة ومرثيّة الإمام الحسين
– خاتمة وقصيدة للشاعر مازن الشريف من ديوان أصحاب المقام

***
قلْ للحسينِ وقد أتيتَهُ زائراً
والقلبُ يَخفُقُ والدموعُ شموعُ
مذْ أنْ رآكَ بذي الدِّماءِ مضرَّجاً
شهَقَ الزمانُ فذا الزّمانُ دموعُ
***

"لِمَ يُقتل الحسين، لِمَ يُذبح هذا الرجل العظيم، لِمَ يُقتل؟ لأنّ النبي كان فيه، لأنه كان يُمثّل رسول الله ﷺ، لأنّ قاتليه كانوا كفاراً."   - مازن الشريف                 

مقدّمة:
جاء في التأملات العرفانية: كربلاء والفصل في عاشوراء – ص434 من الكتاب للمفكّر الدكتور الشيخ مازن الشريف تحت عنوان( ليتني كنت في كربلاء) :
الذي حدث في كربلاء كان يوم فداء عظيم، ليتني كنت فيه وليتني قُتلت أنا وأهلي جميعاً دون إبن فاطمة، وهو أبي في الحقيقة وأخي في سماء الله وفي جنة الله وفيما كان قبل هذه الدنيا، وأنا سياف عظيم إلا أنّ الله حرمني من ذلك، ليتنا كنا فداء، ونحن فداء لذلك الإمام العظيم.
كان يُرمى صابراً وكان يُقاتِل محتسباً، ولم ينقطع ما بينه وما بين ربه لحظة، كان إماماً شهماً كريماً عظيماً يمثّل النبي ﷺ في ذاته وصفاته:
- في وقفته وهو يقول "من لنا في هذا اليوم، من يذود عن حرمات رسول الله ؟"
- في مشهده وقد رُميَ بالسهام حتى شَجّ سهم وجهه الشريفة، فأمسك الدم ورماه إلى السماء وقال "إن كان دين محمد لا يستقيم إلا بقتلي فيا سيوف خُذيني".
- وهو يقول "إنّ الدعيّ إبن الدعيّ قد ركز بين اثنتين، بين السِّلة والذِلَّة وهيهات منا الذلة، يأبى الله ذلك ورسوله والمؤمنون وأنوف حَميّة"
- هذا الذي كان يقول "أنا الحسين إبن علي إبن أبي، قاهر الكُفر بأرض العرب"
- هذا الإمام الذي وقف وحده ويقول لهم "أيها الناس ما أعلم لكم إبن بنت نبي غيري فيمَ تقتلونني؟ إني ما خرجت بطراً إنما خرجت أنوي الإصلاح في أُمة جدي".

لم يكن في عاشوراء حدثٌ جلل إلا قتل الحسين.
لِمَ يُقتل الحسين، لِمَ يُذبح هذا الرجل العظيم، لِمَ يُقتل؟ لأنّ النبي كان فيه، لأنه كان يُمثّل رسول الله ﷺ، لأنّ قاتليه كانوا كفاراً. والله ما آمنوا ولا قالوا كلمة الإيمان إلا ليكون لهم ذلك مغنماً، يغنموا الجواري والذهب والفضة ويغزوا الأرض، والله ما لأجل كلمة توحيد إنما لأجل الدنيا.

ولولا زينب عليها السلام ووقفتها وشجاعتها لما كان للحسين أن يتكلم بعد قتله. وها أنتم ترون اليوم عشاق الحسين بالملايين من أبناء الإسلام ومن غير هذه الأمة، إنهم سوف سيكثرون وسيجتمعون. وسيأتي يوم قريب يخرج فيه رجل كان أولى الناس بأن يجيب النداء عندما قال الحسين: من لنا في هذا اليوم. رجل ادّخره الله لنبيّه، صاحب قوة عظمى وقدرة کبرى، يعيد الحق إلى أهله ويكشف الحقائق، ونحن إنما نمهّد لذلك تمهيداً على علم وعلى بيّنة.

-وفي هذا التعريف والعنوان مختصر وتمهيد لموضوع كربلاء ولماذا الحسين؟ وما دور السيدة العظيمة زينب بعد قتل واستشهاد أخيها؟ وما موقف المتكلّم الذي هو الشيخ والشاعر الدكتور مازن الشريف، أصل موضوعنا عن الملحمة وتخليد قصائده لها.
فمن فيض هذا المعلّم والشيخ المفكّر سنغرف غَرفتنا ونأخذ ما يثرينا في معرفتنا الوجدانية ومداخيل الملحمة التاريخية، وما يزيدنا في تفحّص وتمحّص جميل وجليل هذه الأسطورة السماويّة التي ستضع حدّاً للأساطير والأراجيف، فموضوعنا الحسين وكربلاء، ومع انقضاء ذكرى عاشوراء تبقى معانيها خالدة وشاهدة على دين ثابت لا يتزحزح بوجود آل البيت الشرفاء، والحسين بطل كربلاء كان علامة فارقة في ملحمته البطوليّة لتثبيت أركان هذا الدين وبقاء الرسالة المحمدية حاكمة مرفرفة باسم الله الواحد الجبّار، الأحد الفرد الصَّمَد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد. لكن له أهل بيت (بالمعنى الرمزي المعنوي التقريبي لمفهوم البيت) ولبيت الله أهل نجباء، أصحاب علم وهداية لمعاشر الخلق في الأكوان. وآل بيت النبي مع النبي هم أركان ودعائم وأهل هذا البيت.

-روى الترمذي وصحح الألباني عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني تارك فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يتفرّقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهم.

إذاً موضوعنا نستمدّه من وحي المناسبة ومن الحرب الجمالية الابداعية التي يستمرّ فيها الشاعر الدكتور مازن الشريف، وهنا سيكون الموضوع شعرياً، باعتبار أنّ شيخنا شاعر ملمّ كبير ومختصّ بمحبة وعشق ومدح آل البيت، فمن مثله سيحكي عنهم، وهو منهم وفيهم ولهم؟ نعم لقد تكلّم الكثيرون وأجادوا الحبّ والوصف والبلاغة وأخلصوا الولاء والطاعة، ولكن لشاعرنا تفاعل خاص ومكانة أخرى ما وصلها أحد، بل كان الجميع تحت غطائها يكملون جمال القصيدة ويلوّنون لوحة الحبّ الحسينية. وفي هذا السياق سنعرّج على قصيدة حزينة لدعبل الخزاعي تصف مأساة الحسين. وقصيدة جميلة مؤثّرة لبولس سلامة في مرثيّة الإمام الحسين عليه السلام. مضمارنا اليوم جرح الحسين، ولكن في رحابه الشاسعة ننطلق وتحت عنوان في رحاب جرح الحسين.

دعبل الخزاعي والإمام الرضا عليه السلام:
يقال: دخل دعبل الخزاعي(ره) على الإمام الرْضا (عليه السلام) بمرو، فقال له: يا ابن رسول الله إنّي قد قلت فيك قصيدة، وآليت على نفسي أن لا أنشدها أحداً قبلك. فقال (عليه السلام): (هاتها). فأنشده:

مَدارسُ آياتٍ خَلَتْ عن تلاوة ومنزل وحيٍ مُقفِرُ العرصاتِ
فلما بلغ إلى قوله:
أَرى فَيئَهُم في غيرهم متقسِّماً وأيدِيهِمُ من فَيئِهِم صُفُراتِ
بكى الإمام الرضا (ع) وقال له: (صدقتَ يا خزاعي). فلما بلغ إلى قوله:
إذا وَتَروا مَدُّوا إلى واتِرِيِهُمُ أَكُفّاً عن الأوتار منقبضاتِ
جعل الإمام (ع) يُقَلِّبُ كفَّيه ويقول: (أجل والله منقبضات). فلما بلغ إلى قوله:
لقد خفتُ في الدنيا وأيام سَعيها وإنِّي لأرجُو الأمنَ بعد وفاتي
قال الإمام (ع): (آمَنَك الله يوم الفزع الأكبر). فلما انتهى إلى قوله:
وَقبرٌ بِبَغدادٍ لنفس زكيةٍ تَضَمَّنَهَا الرحمَنُ في الغرفاتِ
قال له الإمام (ع): (أفلا أُلحِقُ لك بهذا الموضع بيتين بِهِمَا تمامُ قصيدتِكَ) ؟
فقال دِعبل: بلى يا ابن رسول الله. فقال الإمام (ع):
وَقَبرٌ بِطُوسٍ يَا لَهَا مِن مُصِيبَةٍ توقّد بِالأحشَاءِ في الحُرُقَاتِ
إِلى الحَشرِ حَتَّى يَبعثُ اللهُ قَائِماً يُفَرِّجُ عَنَّا الهَمَّ وَالكُرُبَاتِ
فقال دعبل: يا ابن رسول الله، هذا القبر الذي بطوس قبر من هو ؟!!
فقال (ع) (قبري، ولا تنقضي الأيام والليالي حتى يصير طوس مختلف شيعتي وزوّاري، ألا فمن زارني في غربتي بطوس كان معي في درجتي يوم القيامة مغفوراً له).
(دعبل بن علي الخزاعي (ره) (148هـ -246هـ) شاعر قدير تصدّى للدفاع عن أهل البيت (عليهم السلام) فأثنوا عليه ولاسيما الإمام الرضا(عليه السلام) أنشد بحضرته قصيدته التائية المعروفة) .

مقطع من القصيدة التائية الخالدة لدعبل الخزاعي:

أَفاطِمُ لَوْ خِلْتِ الْحُسَيْنَ مُجَدَّلا
وَقَدْ ماتَ عَطْشاناً بِشَطِّ فُراتِ
إِذاً لَلَطَمْتِ الْخَدَّ فاطِمُ عِنْدَهُ
وَأَجْرَيْتِ دَمْعَ الْعَيْنِ فِي الْوَجَناتِ
أَفاطِمُ قُوْمي يا ابْنَةَ الْخَيْرِ وَانْدُبي
نُجُومَ سَماوات بِأَرْضِ فَلاةِ
قُبُورٌ بِکُوفان وَاُخْرى بِطيبَة
وَاُخْرى بِفَخٍّ نالَها صَلَواتي
قُبُورٌ بِبِطْنِ النَّهْرِ مِنْ جَنْبِ کَرْبَلا
مُعَرَّسُهُمْ فيها بِشَطِّ فُراتِ
تُوُفُّوا عَطاشاً بِالْعَراءِ فَلَيْتَني
تُوُفِّيتُ فيهِم قَبْلَ حينِ وَفاتي
إلَى اللهِ أَشْکُو لَوْعَةً عِنْدَ ذِکْرِهِمْ
سَقَتْني بِکَأْسِ الثَّکْلِ وَالْفَضَعاتِ
إذا فَخَروا يَوْماً أَتَوْا بِمُحَمَّد
وَجِبْريلَ وَالْقُرْآنَ وَالسُّوَراتِ
وَعَدُّوا عَلِيّاً ذَا الْمَناقِبِ وَالْعُلا
وَفاطِمَةَ الزَّهْراء خَيْرَ بَناتِ
وَحَمْزَةَ وَالْعَبّاسَ ذَا الدِّينِ وَالتُّقى
وَجَعْفَرَهَا الطَيّارَ في الْحَجَباتِ
اُولئِکَ مَشْؤومُونَ هِنْداً وَحَرْبَها
سُمَيَّةَ مِنْ نُوکي وَمِنْ قَذَراتِ
هُمُ مَنَعُوا الآباءَ مِن أَخْذِ حَقِّهِمْ
وَهُمْ تَرَکُوا الاَْبْناءَ رَهْنَ شَتاتِ
سَأَبْکيهِمُ ما حَجَّ للهِ راکِبٌ
وَما ناحَ قُمْريٌ عَلَى الشَّجَراتِ
فَياعَيْنُ بَکِّيهِم وَجُودي بِعَبْرَة
فَقَدْ آنَ لِلتَّسْکابِ وَالهَمَلاتِ
بَناتُ زِياد في الْقُصُورِ مَصُونَةٌ
وَآلُ رَسُولِ اللهِ مُنْهَتِکاتِ
وَآلُ زِياد فِي الْحُصونِ مَنيعَةٌ
وَآلُ رَسُولِ اللهِ في الْفَلَواتِ
دِيارُ رَسُولِ اللهِ أَصْبَحْنَ بَلْقَعاً
وَآلُ زِياد تَسْکُنُ الْحُجُراتِ
وَآلُ رَسُولِ اللهِ نُحفٌ جُسُومُهُمْ
وَآلُ زِياد غُلَّظُ الْقَصَراتِ
وَآلُ رَسُولِ اللهِ تُدْمى نُحُورُهُمْ
وَآلُ زِياد رَبَّةُ الْحَجَلاتِ
وَآلُ رَسُولِ اللهِ تُسْبى حَريمُهُمْ
وَآلُ زِياد آمَنُوا السَّرَباتِ
إذا وَتَرُوا مَدُّوا إلى واتِريهِمُ
أَکُفّاً مِنَ الاَْوْتارِ مُنْقَبِضاتِ
سَأَبْکيهِمُ ما ذَرَّ في الاْرْضِ شارِقٌ
وَنادى مُنادِي الْخَيْرِ لِلصَّلواتِ
وَما طَلَعَتْ شَمْسٌ وَحانَ غُرُوبُها
وَبِاللَّيلِ أَبْکيهِمْ وَبِالْغَدَواتِ

-قصيدة جميلة وموجعة في مقارناتها الواقعية بصياغة شعرية، تسرد تفاصيل ما كان إلا للشاعر أن يصيب في تصوير دقائقها وتخليد تفاصيلها بهذه المشاعر البالغة، على وجعها تُبقِي الحقائق عصيّة على التجاهل و النسيان .

رحاب الحسين وجرحه مع الشاعر مازن الشريف:
وفي رحاب الشعر والحسين ومع مازن الشريف ذو النفحات الإبداعية المشرقة المتلألئة بروح الشعر ونبض الحب يتخطّى الوصف كونه وصفاً شعرياً لملحمة بل يغدو هو الملحمة الحقيقية بتحويل الوجع إلى قيمة والواقعة إلى سموّ والأرض بفوضاها إلى تنظيم إلهي دقيق، يظهر المعاني المخفية برؤية خضرية ماورائية تعيد تقييم الجمال وتعلن انتصار الحق مهما صال الجهل ودار الباطل فهما مهزومان وفي دائرة الحصار.
والحق غالب مرفرف على مرّ الزمان مهما طعنته السيوف ورمته خناجر الغدر والخذلان.
مازن الشريف ملحمة كربلاء الجمالية المنتصرة أبداً بسلامها على حروبها وبسحر معانيها على رداءة ملامحها الظاهريّة.
"في رحاب الحسين" هي قصيدة مازنية حملت هذا العنوان.

في رحابِ الحُسين

صبرٌ بقلبِكَ أم تراهُ ينوعُ
والحزنُ في عُمْقِ الفؤادِ فظيعُ
ها قد وقفتَ على الدِّيارِ منادياً
أهلَ الدِّيارِ فمِن نداك يذيعُ
ولثمتَ تربَ الطُّهرِ يخنُقُكَ الأسى
يَعصيكَ صبرُك تارةً ويُطيعُ
قلْ للحسينِ وقد أتيتَهُ زائراً
والقلبُ يَخفُقُ والدموعُ شموعُ
مذْ أنْ رآكَ بذي الدِّماءِ مضرَّجاً
شهَقَ الزمانُ فذا الزّمانُ دموعُ
نزلتْ لكَ الرّحْماتُ وهي أليمةٌ
وسَمَتْ دماءُ الطّفلِ وهو رضيعُ
صرخَ الوجودُ لِقتلِ سبْطِ محمّدٍ
والأرضُ ثكلى والبلاءُ يروعُ
والنارُ شبّتْ في الخيامِ وأضرمتْ
وحِصارُ جُرحِكَ مُعطِشٌ ومُجيعُ
ضجَّتْ مياهٌ في الجنانِ وساءلتْ
أنجيعُ صبرِك أم دماكَ نجيعُ
وأتتْ لِزينبَ حُورُها بِزهورِها
فالموتُ في ألَقِ الفداءِ ربيعُ
وتعلِّمَ الإيمانُ درسَهُ في الورى
جبريلُ كبّرَ والملوكُ ركوعُ
وتمزّقتْ مُقَلُ الملائِكِ بالأسى
وتفتّتَ مهجٌ بِكم وضلوعُ
والأنبياءُ الشّاهدون تشهّدوا
وتهجّدوا والصالحونَ جموعُ
في ليلِكَ الدَّامي الأخيرِ وأيقنوا
ما لابنِ فاطمَ في الإباء رجوعُ
وأتى إليكَ المصطفى متألّماً
متكلّماً والعالمينَ خشوعُ
واللهُ أرسلَ للحُسينِ مواسياً
صبراً فأنت شهيدُنا المرفوعُ
ونظرتَ للأبناءِ حولَكَ أبكروا
فوقفتَ تنزِفُ جرحَك الينبوعُ
وهتفتَ هيهاتَ المَذلَّةَ عندَنا
فَغَدتْ عصورُ الدّهرِ عنك تشيعُ
مَن قدْ رأى مثلَ الحُسينِ مُجَندَلاً
والخيلُ فوق الصّدرِ وهو صريعُ
مَن قد رأى مثلَ الإمامِ تحمُّلاً
والصّبرُ يركعُ فالمقامُ رفيعُ
مَن قدْ رأى مثلَ ابنِ حيدرةِ الوغى
قلباً شجاعاً بالدماءِ يذوعُ
حزِنتْ لكَ الأكوانُ وانتحبَ المَدَى
وبكى جراحَكَ أحمدُ ويسوعُ
يا من قتلتُم ابنَ بنتِ نبيِّكم
أنتم لِشَرْعِ الظالمينَ خضوعُ
لمّا أتيتُكَ بعدَ ألفٍ لم أجدْ
ظمأً بأرضِكَ لا بأرضِكَ جوعُ
ووجدتُ عندكَ زائرينَ كأنّهم
من حولِ جُرحِكَ يا حُسينُ دروعُ
ورأيتُ رايتَكَ العظيمةَ قد سَمَتْ
في كربلاءِ الصّبرِ فهي قلوعُ
ووجدتُ جُرحَك يانعاً وممانعاً
وكأنَّ بعدكَ ما مضى الأسبوعُ
وكأنَّ في التّلِ العقيلةُ أقبلتْ
يمشي لها العبّاسُ وهو سريعُ
وكأنَّكَ المقتولُ منذُ هَنَيْهَةٍ
غَرُبَ الزّمانُ فما لديهِ طُلوعُ
يا سيّدَ الشّهداءِ إنّي قطرةٌ
مِن غيمِ ذاكَ الجُرْحِ وهو مَنيعُ
مِن نسلِ نسلِكمُ وطُهرِ دمائِكم
ودمُ الشّريفِ لدى الإمامِ شفيعُ
مِن تونسَ الخضراءِ أرسلني الجَوى
نحو العراقِ وذا الفراتُ سميعُ
بغدادُ تعرِفُ والمدائنُ كلُّها
وجميعُ أهلِ اللهِ ما الموضوعُ
وأتيتُ أُشهدُ كربلاءَ ونخلَها
نجفُ الإمامِ وموطنٌ وربوعُ
بالحبِّ بالحُضنِ الرَّحيمِ بِنظرةٍ
روحي لآلِ البيتِ جئتُ أبيعُ
جسمي ترابٌ للحُسينِ وجُرحِه
أهدابُ عيني والدموعُ تُبوعُ
يا سبطَ سيّدنا النّبيِّ المُصطفى
صلّى عليهِ الله فهو بديعُ
يا سيّد الشّهداءِ يا علمَ التُّقى
أتسحُّ فيكم دمعةٌ وتضيعُ
لا يقبَلُ الضَّيمَ الأبيُّ سجيّةً
والقلبُ في نهجِ الإباءِ ضليعُ
إِنْ أبغضَ الأوغادُ حبِّي وانبرى
بي ذو المَلامَة إنَّ ذاك شنيعُ
لا يستوي الحيُّ الوفيُّ بِميّتٍ
والحُرُّ حرٌّ والوضيعُ وضيعُ

*ناع ينوع: ناع الفقير: جاع وعطش.
*ذاع يذوع ذوعاً: ماله أنفقه كله.

مشهديّات القصيدة:
-وصف الحالة العامة للشاعر إذ ينادي قلبه في تفاعلاته مع ما يرى في خاطره من مشاهد ومناظر وتساؤلات جرت وتجري في استذكارها بذات الأرض التي استحضرت الرؤية والنظر أثناء الزيارة، فيقول الشاعر وقد زار المكان ووقف على أطلال القوم من بعد ألف عام:
- أصبرٌ في قلبي أم تراه جوعٌ وعطش؟ وقد احترق الفؤاد واستبدّ فيه الحزن الفظيع.
ووقفتَ تنادي على هذه الديار الخالية فمن سيردّ النداء ويذيعه؟
-وقبّلتَ هذه التربة الطاهرة والأسى يشدّ على أنفاسك يخنقك.
-تارةً تصبر وتارةً يعصيك صبرك فيفلت منك ولا يطيعك.
- والقلب يخفق وقد فقد اتزانه والدموع تتساقط من محاجرك كالشموع السائلة من ذوبان القلب.
- قل للحسين وقد أتيته زائراً: منذ رآك مضرّجاً بتلك الدماء شهق الزمان فوقفتْ شهقته وقد آلت إلى دموع.
-رحمات الله نزلت لك، ولكنها ذات ألم ووجع، ودماء طفلك الرضيع سمت للعلا.

ثم ينتقل الشاعر إلى مشهديّة الوجود واستنطاقه، فذهب بقصيدته إلى آخر المدى في المطلق، وحسب تعبيره:
-الوجود كلّه صرخ لقتل سبط وحفيد محمد رسول الله، والأرض نَدَبَتْكَ وقد صارت ثكلى بك.
-والبلاء عظيم وشديد ومريع. وقد اشتعلت النار في خيام الحسين وأهله ومن معه.
- وحصارك يا حسين بجرح لا يُشفَى هو من يجعل المرء يعطش، عطشك وكأس ألمك الممتلئ من دمك من يجعلنا نتوجّع! وجعك يوجع وعطشك يُعطِش.
ثم يسترسل الشاعر بلطف إلى مشهدية الجنّة
فيتابع بما في معناه:
-الجنان يا حسين ضجّت في صراخها تتساءل أتكون هذه في الجنان دماء صبرك، أم دماك هو النجيع الصافي الذي يزوّد الجنان؟
-وأتت حور الجنة إلى زينب بالزهور، فالموت في عزّ الفداء هو الربيع، وزينب هي زهور الفداء يستمدّ منها الربيع جماله.

-الشاعر مازن الشريف يرفع مستوى الوصف في أقصى معناه، مضاهياً دماء الحسين بينابيع الجنة، وزهور ها وحورها ليست أجمل وأكثر ربيعاً من السيدة زينب سلام الله عليها وعلى أخيها آيات الفداء والإشراق.
وإلى مشهديّة الملائكة في القصيدة،
فعلى لسان الشاعر :
-الإيمان ذاته استوحى درسه المحض من مشهدية الحسين وأهل بيته في كربلاء! ومن الناس المقرّبين بالحسين و المشاركين معه من أهله وأصحابه وذويه، ليأخذ هذا الإيمان دروساَ إضافية وكاملة في اليقين ومحبّة الله والفداء لأجل إعلاء كلمته.
-وجبريل العليّ ملك الملوك في الملائكة كبّر في هذا المشهد السَّنائي والملائكة من خلفه ركوع.
-وقد تمزّقت مقلها من الأسى، فكم تمنّت التدخّل ومناصرتك ولكنّها غير مأمورة بذلك. نعم يا حسين أحبَّ الله أن يراك مقتولا ليباهي بك الملائكة والعالمين من الجنّ والأنس و والكواكب والمجرات والثرى والثريّا وكل ما ينبض في الأرض والسماء من كائنات.
-أنت الذي تفتّت مهج وضلوع واحترقت أرواح أسىً وجرحاً لما جرى معكم.

مشهديّة الأنبياء:
-حتى الأنبياء الشاهدون يا حسين تشهّدوا وتهجّدوا في جموع الصالحين.
- وقد أيقنوا في ليلك الدامي الأخير بأن لا رجوع ولا تراجع لابن فاطمة ولا مثيل له في الإباء والشموخ.

مشهديّة المصطفى عليه السلام:
- النبي المصطفى جاء إليك متألّماً لحالك، متكلّماً أمام العالمين وهم في خشوع له لهذا المشهد.

مشهدية في حضرة الجلالة الإلهية:
-الله أرسل للحسين من يواسيه صبراً وتحمّلاً، فأنت يا حسين شهيدنا الذي رفعه الله إليه في مشهد شهادة عظيم، لم يسقط الحسين بل رفعه الله إليه.

مشهدية الحسين ينظر لأبنائه:
-نظرتَ يا حسين لأبنائك وقد قُتلوا وطُعنوا فسرى تأثّرك وجرحك من هذا المشهد كالينبوع يسيل أسىً من قلبك.
-وهتفتَ عبارتك المشهورة تجيب عدوّك يدعوك للاستسلام والتنازل عن حقّك وحقّ دين النبي: هيهات منّا الذلّة، وشاعت عبارتك تغدو أغنية العزّ للدهور برفض المذلّة.

وصف مشهدية الحسين وهو صريع والخيل فوق صدره الشريف:
-فمن مثل حسين صريعاً مخضّباً بدمه تأكل لحمه السيوف وتنغرس في جسده الرماح والخيل تمشي عليه ترضّه في أضلاعه وصدره.

صفات الحسين العظيمة والصبر والجَلَد:
-من قد رأى مثل هذا الإمام العظيم في التحمّل والجَلد، فالصبر يركع أمامه لهذا الشريف الكريم ذو النسب العظيم والمقام الرفيع.
-من يكون رأى مثل ابن حيدرة الكرّار الشجاع أنفةً وبسالةً في ساحات القتال، بقلبٍ تملؤه القوة وقد ذاع صيته مقدّماً بدمائه قرابين الحقّ والشهادة ومسطّراً أمجاد النصر.

ردّة فعل الأكوان على استشهاد الإمام الحسين:
حزنت لك الأكوان وانتحب المدى وبكى جرحك المسيح و المصطفى.

نداء للقتلة الظالمين:
-يا مَن قتلتم ابن بنت نبيّكم، كيف قدرتم أن تخرجوا عن شريعته واتّبعتم خاضعين شرع الظالمين؟

وقع الزيارة لأرض الطّفّ من بعد ألف عام:
- عندما أتيتُ بعد ألف عام على الحادثة والمأساة ووطئت أرض الطّفّ لم أجد جوعاً أو ظماً بأرض بخلت عليك بالماء.
-ووجدتُ عندك زائرين كُثر، فكأنهم من حول جرحك يا حسين دروع واقية وحامية تمنع نزيفه.
-ها أنت انتصرت يا حسين، فقد رأيتُ من بعد ألف عام رايتك العظيمة المنتصرة مرفوعة شمّاء ، قلعة محصّنة للصبر في كربلاء شامخة تحاكي المدى بنشيد النصر الخالد المرفرف في الأفق.
-وجرحك يا حسين وجدته يانعاً ممانعاً على التجفاف و اليباس، فكأنه ما مضى عليه أسبوع. (وهذا إن دلّ على شيء فعلى اخضرار رسالتك السامية التي ستبقى خضراء يانعة يعجز أي شيء على محوها أو نسيانها والتغافل عنها. هي رسالة جدك في دينه القويم ورسالة التضحية بأغلى ما يملكه كائن حبّاً وفداءً في سبيل رفع راية الله) .

مشهديّة العقيلة زينب:
- فكأنني يا حسين أرى مشهداً من مشاهد الواقعة، إذ تمشي العقيلة زينب في التلّ تقبل، ويمشي إليها أخوكما العباس مسرعاً.
-وكأنّ الزمان طوي فالآن قد قُتلت منذ هنيهة، وقد غرب الزمان ولن يشرق بعدك.

يتابع الشاعر خطابه متواضعاً معظّماً جرح الإمام الحسين، معرّفاً بحاله، ومنادياً:
-فيا سيد الشهداء إني لست إلا قطرة من غيم ذاك الجرح المنيع.
من نسل دمائكم الطاهرة الزكية أكون، ، ودمكم الشريف يشفع لي، ودمي
شفيع محبتكم والعودة إليكم .
-جئتكم من تونس الخضراء يرسلني الشوق وحرقة الوجد يأتي بي إليكم في العراق، وهذا الفرات شاهد يسمع كلامي ونداء شوقي لكم.
- فبغداد تعرف وكل المدن وجميع أهل الله تدرك ما الموضوع، وما سبب مجيئي إلى هنا، جئت أشهد وأرى كربلاء و نخلها وملحمتها الخالدة بكم وأجدد ذكرى الحسين وشخصيات الطف العظيمة باسترجاعها، وأزور النجف موطن الأهل والأحباب منكم في ربوع عشقتكم وعشقناها بكم.
-اعانق بالحب وبالحضن الحنون الرحيم لكم، جئت أهديكم روحي وأبيع وجودي لآل البيت فداء نظرة منكم.
-فجسمي أجعله تراباً يحتضن جسد الحسين وجرحه، وأهداب عيني بتوابعها من الدموع له.

-فيا حفيد رسول الله المصطفى صلى عليه الله فهو جميل بديع.
ويا سيد الشهداء يا راية الإيمان واليقين والتقوى، أتنزل فيكم دمعة وتضيع؟ لن تضيع فيكم شيء.

وختام القصيدة تبرير واضح ومحقّ لحال الإمام الحسين عليه السلام، فيقول الشاعر:
-لا يرضى بالظلم من يملك في سجيّته الإباء والأنفة. والقلب متشرّب بهما قد غدا ضليعاً متضلّعاً في نهج الكرامة.
-وإن الأنذال الأوغاد أبغضوا حبي وشرعوا للملامة، فذا شيء فيهم قميء، شنيع.
فلن يستوي الميت مع الحيّ الوفي، كما لا يستوي الحرّ والوضيع .

-في القصيدة وجدنا وصف الملحمة بكل أبعادها الإنسانية والأخلاقية النفسية، الروحية، وصولاً إلى استحضار السجايا والتركيز على القيم التي قد ينساها الإنسان فيجعل الخنوع انتصاراً والإباء تهوّراً! كما وجدنا عند الشاعر الشريف أبعاداً أخرى لن يصلها غيره من مشاهد الجلالة و السماء والملائكة والأنبياء وأحوالهم وردّات فعلهم أمام هذا الحدث الجلل والموقف العظيم. فالملائكة استنفرت ومقلها تمزقت من الأسى والنبي المصطفى والسيد المسيح،جميعهم بكوا وسائر الأنبياء وجبريل وغيره تأثّروا. مَشاهد لن يلتقطها إلا مَن اخترق الحُجب وقد ورث الشرف والمكانة بالحسب والعلم والنسب، فكان منهم ولهم، وارث، حارث فيهم بكل شيء وحارس مدافع عن حياضهم، آخذاً بحقهم بسيف الكلمة وذكر الحقائق. ولو كان معهم في ذاك الحين ما كان إلا ليفتديهم! لكن للزمن كلمة ولم يتغير الموقف فالآن الآن يفديهم وينشر عبقهم ويحيي قصصهم بما أسماه الحرب الجمالية، الإبداعية. فحسين جمال قبل كل شيء، وحسين حياة وليس قتال فحسب، وحسين للسلم قبل الحرب، وحسين للكلمة قبل وبعد كل شيء، أحيا الكلمة بأن لا يعطي كلمة تنازل عنها، فإن قالوا له هي كلمة قلها وينتهي كل شيء بالتنازل والمبايعة والاستسلام، ردّ بأن أعطانا بحق مفهوم الكلمة كيف تكون حين تتحوّل لشهادة، حين تموت لتحيا. فَدرج الحسين في فلسفة الأخلاق قيمة لا تموت وفكرة وقضية لا تنقضي.

وللحقيقة الكلام في الإمام الحسين ينبع ويزيد، كيف لا وهو الخير كلّه مجسداً وممثّلاً لرسالة جدّه رسول الله إلى العالمين جميعاً، من الجن والأنس، من مخلوقات نعرفها ولا نعرفها، محمد صلى الله عليه وآله هو إمام الرسل وإمام الملائكة، اقترن ذكره بالله، الواسطة إليه، وشفيع الأمة، لا هدى ولا رحمة ولا إسلام من دونه ولا إيمان من دون آل بيته.
رسالة الإمام الحسين هي رسالة رسول الله، وملحمة الطف في كربلاء هي ملحمة النبي الأعظم، ألم تكن لإحياء دين جده؟ ألم يقول رسول الله: حسينٌ منّي وأنا من حسين؟ بلى ولا ينكر إلا جاحد مستكبر لا يرجو الهداية، طلب الدنيا فأمرت بقتل الشرفاء، لأن مهر الدنيا من دم الشرفاء كما مهر الآخرة تُقدّم لها مهج الأتقياء والأنقياء والشهداء والعظماء، للفوز بالدنيا أضاح وللفوز بالآخرة تضحيات. لكن هيهات هيهات بين هذه وتلك. فإن كان الإمام الحسين قربان الله ليبقى الدين الصحيح، فهو قربان كذلك نفّذه الشياطين ليرضى العهر ويتغذّى ويبقى.. تلك مسألة الحكمة البالغة في القدر والتقدير وما يؤول إليه الأمر والمصير. فهنيئاً للحسين قربان الحق، وسحقاً لقاتليه جنود ابليس و الشياطين وجنوده المفتونين.

بولس سلامة ومرثيّة الإمام الحسين

وإلى شاعر عشق آل البيت وتجاوز الانتماء الديني لينظر إلى ثورة الحسين كرسالة إنسانية للعدالة والحريّة.
الشاعر اللبناني المسيحي بولس سلامة صاغ واحدة من أعظم المراثي في الأدب العربي للإمام الحسين (ع) ضمن ملحمته الشهيرة "عيد الغدير" رثاء الإمام الحسين (ع). وتعدّ هذه الملحمة من أصدق ما كُتب في الأدب المسيحي-الإسلامي رثاء الإمام الحسين (ع)- آفاق الحضارة الإسلامية. وقد تميزت قصائده في رثاء الحسين بصدق العاطفة وعمق التأمل في مأساة كربلاء.
وهذه القصيدة التي بين أيدينا تُعدّ من روائع القصائد الّتي نظمت في حضرة الإمام الشّهيد الحسين(ع)، وهذا ليس بغريب على الشّاعر الكبير والمبدع بولس سلامة، إذ نجد رقّة اللغة ودقّة المعنى وجماليّة اللفظ والتصوير، وقد صوّر الشاعر الحادثة بكلماته كمشهدٍ درامي كأنّه شاهد وأتقن إخراجه كفنّان يلتقط الصورة كما هي ويضيف إليها من ميزات فنّه الخاصّ وأسلوبه طبعه الهادئ الجماليّ الرزين:

أنــزلوه بكــربلاء وشادوا
حوله من رماحــهم أســوارا
لا دفاعاً عــن الحسين ولكن
أهل بيت الرسول صاروا أُسارى
قال : ماهــذه البقـاعُ فقالوا
كربلاء فقــال : ويحــكِ دارا
هاهنا يشربُ الثرى مـن دمانا
ويثيرُ الجمـادَ دمــعُ العذارى


بدأت القصيدة بصورة موجعة وبتصوير جميل على مرارته للإمام الحسين محاط وهم حوله برماحهم وقد سوّروه، لكن للأسف هذه الأسوار ليست لحمايته بل لجعل الحسين أسيراً، فقد غدا مع من هم معه مأسورين محاصرين، محاطين بالقيود.
وعندما سأل عن هذه البقاع وأجابوه بأنها كربلاء قال: الويل لهذه الديار! فهنا سيشرب التراب من دمانا ويبكي الجماد دمع الفتيات العذراوات.


-ثم ينتقل الشاعر للتركيز على المصير المحتوم الذي لابد منه (على لسان الحسين) :

بالمصير المحتوم أنبأنـي جدي
وهيهــات أدفـــع الأقـدارا


فإن خلت هذه الأماكن من الزهور فمن قبورنا ستنبت الأزهار، وسنغدو كالنجوم التي تساقطت على الظلمات تطلع منها الأنوار(صور رقيقة ومعبّرة).

إن خَلَتْ هـذه البقـــاع من
الأزهار تمسي قبورُنا أزهــارا
أو نجوماً عـلى الصعيد تهاوت
في الدياجير تُطلـعُ الأنـــوارا


على هذه البقاع ستتلاقى الأكباد هنا والعيون ستهمي بالدموع من الذكرى، فمن رأى بكى ومن لم يزرها سيحمل الريح قلبه ويتذكر.

تتلاقى الأكبـادُ من كُل صوبٍ
فوقَها والعيــونُ تهمـي ادّكارا
مَنْ رآها بكـى ومن لم يزرها
حَمَّل الــريحَ قلبُه تـِذكــارا


ثم يتنبّأ الشاعر بكربلاء وقد غدت محجّة للحجّاج يأتون إليها من كل مكان وينتشر خبرها في كل الأنحاء. فذكرها الأليم هو من سيضيء للناس وينتشر منه الضياء لعامّة الخلق.

كربلاء !! ستصبــحين محجاً
وتصيرين كالهـواءِ انتشــارا
ذكركِ المفجع الألــيم سيغدو
في البرايا مثلَ الضيـاءِ اشتهارا


وسيكون الهدى في كربلاء لمن أراد الهدى، وفخراً لمن يطلب العزّ والفخار.

فيكون الهدى لمــن رام هدياً
وفخاراً لمـن يــرومُ الفخارا


وسيبقى الحسين رمز الشهيد الأبي منبت الأبرار والأحرار عبر العالم. وسيأتون إليه يلثمون ترابه ويقبّلون الغبار مكان طهر دماه.

كُلّما يُذكـر الحســينُ شهيداً
موكبُ الــدهر يُنبت الأحرارا
فيجيءُ الأحرار في الكون بعدي
حيثما ســرتُ يلثمون الغبارا


وسيبقى شعار الحسين بالكرامة مرفوعاً ومشهوداً تعمل به الأقوام على مرّ الأجيال متجاهلين دولة الظلّام. فليمت كل ظالم مستبد، أو يختفي ويتوارى عن الأنظار. فمن يمت كالليث فسيخلد الحق ذكراهم.

وينادون دولــةَ الظلـم حيدي
قد نقلنا عــن الحسين الشعارا
فليمت كــلُ ظالـــمٍ مستبدٍّ
فإذا لــم يمــت قتيلاً توارى
ويعــودون والكــرامةُ مَدّت
حول هامــاتهم سنـاءً وغارا
فإذا أُكــرهوا ومــاتوا ليـوثاً
خَلّدَ الحـقُ للأُســود انتصـارا


-ثم ينتقل الشاعر لوصف السيدة زينب وقد شعرت بالدوار والأوار وهي تشتعل بالأفكار الحزينة من حولها، وقد تمنّت الموت على أن تسمع خبر أنّ الحسين في احتضار، فهو كوكب العترة للرسول الكريم وقد فني به! وصارت زينب تعدد مصائب مروا بها آل البيت من موت جدّها الرسول ثم ذبول وردته أمّها السيدة الزهراء ومفارقتها لهم وهم صغار، وكيف استشهد والدها الإمام عليّ واستبدّ الظلم بعده، وكيف سُمم أخوها الإمام الحسن وسكروا من الحزن وخطوب الدهر. ثم تنادي لا تمت يا حسين تفتديك مهج وتحميك الهدب والجفون نلقيها ستاراً بينك وبين الموت.

سَمِعَتْ زينبُ مقــالَ حســينٍ
فأحستْ في مُقلتيــها الــدوارا
خالتْ الأزرقَ المفضّض ســقفاً
أمسكتُهُ النــجومُ أن ينهــارا
خالتْ الأرضَ وهـي صمّاءَ حزنٌ
حمأً تحـتَ رجِلهــا مَــوّارا
ليتني مـُتُّ يـاحســينُ فلــمْ
أسمع كَلاماً أرى عَليـه احتضارا
فُنيــتْ عِتــرةُ الرسولِ فأنتَ
الكــوكبُ الـفردُ لا يزالُ منارا
مات جدي فانــهدَّت الوردةُ الـ
زهـراءُ حزنـاً ، وخلَّفتنا صغارا
ومضي الوالـدُ العــظيمُ شهيداً
فاستــبدّ الزمـانُ والظلُّ جارا
وأخوك الــذي فقدنـاهُ مسموماً
فبتنا مـن الخــطوبِ سُكارى
لا تَمُتْ يـا حســينُ تفديكَ منّا
مُهجــاتٌ لـم تقرب الأوزارا
فتقيكَ الجفــونُ والهُدب نرخيها
ونلقـي دون المنــون ستارا


وحال السيدة زينب وقد استبدّ بها الجزع فَشقّت ثوبها مع الفتيات من آل البيت، حزانى يلطمن خدودهن، وينثرن شعرن دثاراً لحزنهن.
لكن الإمام الحسين يصبرهن قبل استشهاده، ويطفئ لهيب لوعاتهن بكلماته المنهملة شفاء وإيماناً، ويقول إن متّ فالعزاء لكم أعزّيكم، لكن الله لن يترككم سيهبكم من رحمته الممطرة ما يسكن الروح والقلب وينبت السكينة، فالعاقل في الخطوب الكبيرة يرتدي رداء الصبر، وهذه الدنيا ليست إلا كسحابة صيف عابرة، غير مستقرة فلا داعي للقلق. وحبي للموت يكسر سطوة الموت وينصرني على الذل ويرفع شأني. فصبراً في دار عبور وليست دار قرار.

شقّت الجيــبَ زينـبٌ وتلتهـا
طاهــراتٌ فمـا تركن إزارا
لا طمــاتٍ خـُدودهـنَّ حُزانى
ناثراتٍ شعــورهنَّ دثــارا
فدعاهـنَّ لاصـطبــارٍ حسينٌ
فكأنَّ المياه تُطفــيء نــارا
قــال : إن مـتُّ فالعـزاءُ لكنّ
الله يُعطي من جــوده إمطارا
يلبـسُ العاقلُ الحكيمُ لباسَ الصبر
إن كانــتْ الخــطوبُ كبارا
إنّ هــذه الدنيـا سحابةُ صيفٍ
ومتــى كانـت الغيومُ قرارا
حُـبّيَ المـوتُ يُلبسُ الموتَ ذلاً
مثلمـا يكسفُ الّهيبُ البخارا


في هذه القصيدة نجد دراما الشعر والموقف والكلمة، بلغة احترافية للصورة، بعيون جمالية واختيارات معنوية وجدانيّة تخيّليّة رقيقة، الألفاظ بلغة شاعرية ومصطلحات ناعمة (أزهار، عذارى، أنوار، نجوم، ضياء، سحاب، وردة، جفون…) رغم جلال الموقف.

بولس سلامة ذكّرنا بموقف شهم وجميل لشخصية كانت في الديانة النصرانية وتعرّفت إلى الإمام الحسين فعشقت هذه الشخصية، وقاتلت معها في كربلاء وكانت من الشخصيات البطوليّة التي أبلت بلاءً حسناً وقتلت فرسان العدو ولقّنت العدو درساً لن ينساه في الإخلاص والشهادة والوفاء، فكانت منهجاً آخر في الفداء، صاحب هذه الشخصية: وهب بن عبد الله الكلبي أو وهب بن حباب الكلبي، كان شاباً مسيحيّاً إلى أن التقى بالإمام الحسين، فاعتنق الإسلام ورافق الحسين وقتل معه في يوم عاشوراء عام 61 هجرية.
وهب النصراني، هكذا عُرف وكان عريساً ورأى الانضمام لقافلة الإمام وأن يكون في صفّه هو العرس الحقيقي.

خاتمة:

الموالاة للإمام الحسين لها أشكال وألوان، سواء كان شعراً أو فنّاً أو قتالاً.. فلا يخفى ما لأثر الدراما والشعر والفن في دعم القضية وتخليد الملحمة، فهي آيات أُخَر بيّنات في موالاة الحق وأهله والذهاب حيث نصرة دين الله.

وختام هذا الموضوع (في رحاب و جرح الإمام الحسين)، سنذكر قصيدة أخرى للشاعر مازن الشريف، وإن شاء الله نخصص موضوع آخر في: حبّ الإمام الحسين، خاصة وأنّ الدكتور مازن الشريف سليل الحسين ووارث آل البيت كتب الكثير وأطلق شعار المرحلة لهذا العام: أحبّ الحسين وقلبي معه.
وسنبقى دائماً في رياض وروابي الحبّ للنبي المصطفى وآل بيته المصطفين الأخيار. وقربان الحبّ تجسّد بالإمام الشهيد الحسين، فالإمام علامة فارقة لتجليات هذا الحب في التضحية بعد حياة عامرة بالحب وختمت بالحب، والفضل للإمام الحسين أظهر لنا شخصيات أثبتت جدارتها في عالم الإباء، والفضل كذلك للشاعر مازن الشريف من يجمعنا دوماً على تغاريد الحب ويحوّل المأساة إلى رسالة عشق دون الإخلال بجوهرها، بل إظهارها بأبهى حللها، فالله جميل ولا يكون منه إلا جميلا، كما قالت وعبّرت عنه السيدة زينب حين حاول الطاغية يزيد استفزازها والتشفي والانتقام من آل البيت، قال لها منكّئاً برأس أخيها الإمام المذبوح: ماذا رأيت فعل الله بأخيك؟ لتجيبه بكل معاني وثقافة الثقة والجمال بما لا يخرج عن جوهر الدين بل يثبّت رسالة الحب الصادق الجميل، قالت السيدة مجيبة ببلاغتها المعروفة: ما رأيتُ إلا جميلا!
لتبني ثقافة جديدة جعل منها جبل الصبر وهي قمّة الرقّة والعطف والحنان.
فما أجمل أن يجتمع اللين بالقوة، والصبر بالتقوى بالإيمان وتشتدّ العزيمة لتهون هذه الدنيا بمصائبها وخطوبها الكثيرة.

وإلى القصيدة من ديوان أصحاب المقام:

أنا من حسينٍ والحسينُ إِمامي
والبحرُ خلفي والعدوُّ أمامي
لا أرتضي الدُّنيا بِهَجْرِ أئمّةٍ
أنوارُهم كالشّمسِ بعد ظلامِ

قد عَذّبوا قلبي وإنّي أُحبُّهُم
إنَّ الكرامَ أحبّةٌ لِكرامِ
ما عذّبوا قصدَ العذابِ وإنّما
أشواقُهم وجمالُهم وغَرَامي

عَذُبَ على روحي تألّقُ ذِكرِهم
مِن عشقِهم كالنَّقشِ فوقَ عِظامي
أنا لستُ أنكُثُ عهدَهم من بعدِهِم
مَن بَعدِهم موتي وكأسُ حِمامي

ألا لستُ أطلُبُ مسكناً في جنّةٍ
إلّا لِحُسنِ جوارِهم لمُقامي
وبِحبِّهم قد نِلتُ خيرَ عِنايةٍ
رفعَ المهيمنُ رايتي ومَقامي

أحببتُهُم مذّ كنتُ طِفلاً ناشئاً
وشرِبتُ صفوَ الحبِّ قبلَ فِطامي
وعَشِقتُهم والنّورُ يعشَقُ أصلَهُ
والسّرُّ سارَ والمولَّهُ ظامي

والّلهُ ما هَجَروا ولكن أقبلُوا
وتقبّلُوا منّي نجيَّ كلامي
يا سادتي يا قادتي وشهادتي
أمشي إليكم فوقَ جمرٍ ضِرامِ

وأجرٌ خلفي ذنبٌ أم جريرةٌ
حمقاءُ لم تسمحْ بيومِ سلامِ
نفسي التي خانتْ ولم ينكُثُ دمي
فَهِبُوا المتيَّمَ نظرةَ المُتسامي

هي نظرةٌ للصّبِّ بعدَها نُضرةٌ
وحياةُ قلبٍ في لذيذِ هُيامِ
أنا لا أخافُ من العدوِّ بِوقْعَةٍ
أنا ثابتُ الأقدامِ والإقدامِ

إنّي أحبُّ مُحبَّهم وأحبُّهمْ
في الله نفحُ مَحبَّتي وسلامي
إنّي وإنْ لامَ العواذلُ عاشقٌ
هل عاشقٌ أصغى لِحرفِ مَلامِ

يا مَن رقى سُمْكَ السَّماءِ جناحُهُ
روحاً تشُفُّ بعالمِ الأجسامِ
خُذْ نبضَ قلبي للنّبيِّ وآلِهِ
أنا صرخةٌ للحقِّ تحت رُكامِ

واذكرْ لهم حالي فأنتَ خبيرُهُ
طالَ النّوى واشتدَّ عسْفُ غَرامي
وأنا الذي بايعتُهم ما بُعتُهم
فيهم بلغتُ على الوفاءِ مَرامي

هم سادةٌ للنّاسِ بعد إمامِهم
ضحّوا الحياةَ لنُصرةِ الإسلامِ
هم مَن فَدُوا بالرّوحِ دينَ محمّدٍ
رغمَ الأذى والجُورِ والإجرامِ

أنا لستُ من زُمَرِ النّواصبِ ويلَهم
قد أفرطوا في الكُرهِ والإيهامِ
كلّا ولا أُخفي الولاءَ تقيّةً
خوفَ الكلامِ وقلّةََ الأفهامِ
لا عشتُ عَيشَ الجاهلينَ بربّهم
ونبيِّهم في شَقوةِ المُتعامي
الجاحدينَ مقامَ آلِ محمّدٍ
والمادحينَ لطُغمةِ الظُّلّامِ

يتقلّبونَ بعيشِهم ومعاشِهم
كتقلّبِ الأنعامِ في الإنعامِ
حبّي لآلِ البيتِ عَهدي في الورى
يا من يرى بالجَهر ِ والإعلامِ

حبّي لآلِ البيتِ نارُهُ في دمي
ولقد رفعتُ بحبِّهم أعلامي
حبُّ الحسينِ إلى الإلهِ وسيلتي
روحيَ الفداءُ لقلبِه المِقدامِ

حبُّ الحسينِ إلى النّبيّ هدّيتي
ولفاطمُ ولقاهرِ الأصنامِ
حبُّ الحُسين إلى أخيهِ رسالتي
شمسٌ تُضيءُ بوجهِهِ البسّامِ

حبّي لكم يا آلَ أحمدٍ شِرعتي
لا يعتريهِ تطاولُ الأيّامِ
أنا من بنيِّكم لا قُطِعْتُ ونسلِكم
طهَ رسولي والإمامُ إمامي


نعم حب الحسين إيمان وبغضه نفاق، وآل البيت سفينة النجاة،شعار أطلقه مسبقاً الدكتور مازن الشريف.
وهذه القصيدة له تجدّد عهد الولاء لآل البيت وتصف حب الحسين. جاءت القصيدة كرسالة تعبيرية توضيحيّة، مشروحة بكلماتها الجليّة وعباراتها المسترسلة القويّة.
هذا هو مازن الشريف بملحمته الشعرية في حبّ الحسين والعشقيّة في سيرة المصطفى وآل بيته الأطهار، لن نزيد على كلامه مالا يُضيف معنى، بل نحاول أن نتفاعل ونأخذ منه ما يملأ جرار القلب من بحور حبّه الصافية، إذ نبحر عبره في سِير الشعراء النجباء وقصصهم ومسيرتهم وقصائدهم في حب وتخليد ذكرى وملحمة الحسين وآل البيت.

فإلى مواضيع أخرى وقصائد جديدة نتطرق إليها، نخطّها من وحي هذه المناسبة الإنسانية العظيمة.

منشورات ذات صلة

“عشربن عام” ملحمة الانتظار الخالدة في الغناء

العناوين الرئيسيّة في الموضوع:-مقدّمة: عشرين عام الأغنية المعروفة لسعدون جابر وقصيدة عشرين… شاهد المزيد

بواسطة رجاء شعبان
20 مايو، 2026
ليلى في قصائد الشاعر مازن الشريف

***ماذا أقول وماذا الحرفُ يُخبرها تلك التي سحرتْ مَن رامَ يسحُرُها ذا… شاهد المزيد

بواسطة رجاء شعبان
13 مايو، 2026
أغنية أخرى و قصيدة في رؤية فلسفية للشاعر مازن الشريف

دع ذكر ليلى فليلى تخلّت            وأبقتك بين الرَّدى والخطر استوقفني هذا… شاهد المزيد

بواسطة رجاء شعبان
2 مايو، 2026
  ليلى الشعر بين قيس بن الملوّح ومازن الشريف في قصائد العشق

أنا العشّاق يا ليلى.. وفيّ العشقُ يختصرُ (مازن الشريف) ليلى! من هي… شاهد المزيد

بواسطة رجاء شعبان
22 أبريل، 2026
سعادة الوعي وفن العرفان عند الدكتور الراحل أسعد علي والدكتور مازن الشريف

" من المؤمنين رجالٌ صدقوا ماعاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه… شاهد المزيد

بواسطة رجاء شعبان
10 فبراير، 2026
الذكرى 47 لميلاد المعلم الدكتور مازن الشريف

بمناسبة ذكرى ميلاد المعلم الدكتور مازن الشريف /47 سنة/ نقدم لكم صحيفة… شاهد المزيد

26 يناير، 2026